خناق واشنطن الجوي على طهران: كيف يتشابك العراق مع العقوبات غير المسبوقة؟

يقول استشاري في الطيران إن العقوبات على الطيران لا يمكن النظر إليها بوصفها شأناً إيرانياً داخلياً فقط، إذ يقع العراق في قلب تقاطع جوي استراتيجي بين الحركة الجوية الإيرانية والخليجية والتركية والآسيوية والأوروبية.

ميدل ايست نيوز: فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات غير مسبوقة استهدفت 27 شركة طيران إيرانية و9 جهات خدمية ووكلاء مبيعات عبر أربع دول. هذا التحول من معاقبة شركات فردية مثل “ماهان إير” إلى استهداف أسطول النقل الجوي الإيراني ككل، يهدف إلى تجفيف شريان التمويل، وإلغاء تراخيص المرور والصيانة، وشل حركة الطيران الإيراني دولياً. وبسبب الموقع الجغرافي والروابط الاقتصادية والجوية الوثيقة، يجد العراق نفسه في قلب هذه الأزمة.

عقوبات غير مسبوقة

ويقول استشاري الطيران فارس الجواري، في حديث لـ”العالم الجديد” إن “ما قامت به واشنطن هذه المرة يمثل انتقالاً من استهداف شركة بعينها، مثل ماهان إير، إلى استهداف منظومة النقل الجوي الإيراني بشكل شبه شامل، لأن الحديث عن معاقبة 27 ناقلاً جوياً يعني أن العقوبات تستهدف منظومة كاملة وليس شركة واحدة، وبالتالي سيكون أثرها أوسع وأعمق من أي عقوبات سابقة على قطاع الطيران الإيراني”.

وبدأت واشنطن مرحلة جديدة من الضغط على قطاع الطيران الإيراني، بعدما اتخذت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الثلاثاء (8 أيلول سبتمبر)، إجراءات واسعة استهدفت 27 شركة طيران إيرانية، إلى جانب 9 جهات تقدم خدمات ووكلاء مبيعات في أربع دول، في خطوة وسعت نطاق العقوبات من استهداف شركات محددة إلى شبكة أوسع مرتبطة بحركة الطيران الإيراني.

وبحسب المعلومات المنشورة، جاءت العقوبات على خلفية تقديم خدمات لشركة “ماهان إير” الإيرانية، الخاضعة للعقوبات الأمريكية منذ عام 2011، والتي تتهمها واشنطن بتقديم دعم جوهري للحرس الثوري الإيراني. وتوزعت الجهات المقدمة للخدمات ووكلاء المبيعات الذين شملتهم الإجراءات الجديدة بين تركيا وماليزيا وكازاخستان والإمارات.

ولا تعد هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها الإدارة الأمريكية جهات تعمل خارج إيران بسبب تقديم خدمات إلى “ماهان إير”، إلا أن الإجراءات الأخيرة اتخذت نطاقاً أوسع، مع توجه واشنطن إلى تشديد القيود المرتبطة بتشغيل قطاع الطيران الإيراني وعلاقاته الخارجية.

ماذا تعني العقوبات الجديدة؟

ويوضح الجواري، أن “العقوبات لا تعني أن الأسطول الإيراني سيتوقف عن الطيران مباشرة، وإنما ستجعل التشغيل الدولي أكثر تعقيداً وكلفة ومخاطرة، لأن التحدي الحقيقي لا يكمن في الطائرة نفسها، بل في كل ما تحتاج إليه لكي تطير، من التمويل المصرفي والتأمين وتوفير قطع الغيار وبرامج الصيانة والتعاقد مع الشركات الأجنبية، وصولاً إلى الخدمات الأرضية والتزود بالوقود والخدمات في المطارات الخارجية”.

ويضيف، أن “تأثير العقوبات سيكون أكبر كلما كانت شركة الطيران أكثر ارتباطاً بالنظام المالي العالمي والموردين الدوليين، وسيتمثل تأثيرها على المدى القريب في تآكل المرونة التشغيلية، يتبعه تقليص محتمل في عدد الوجهات أو ترددات الرحلات، وليس انهياراً كاملاً ومفاجئاً للطيران الإيراني الدولي”.

ويردف، أنه “في حال بدأت بعض المطارات وشركات الخدمات الأرضية في المنطقة بالتحفظ أو الامتناع عن تقديم الخدمات للناقلات الإيرانية خشية العقوبات الثانوية، فستجد هذه الشركات نفسها مضطرة إلى البحث عن مطارات بديلة أو تقليص عملياتها أو تغيير نموذج تشغيلها بالكامل”.

التأثير على المطارات العراقية

ويعد استشاري الطيران، أن “هذا الملف لا يمكن النظر إليه بوصفه شأناً إيرانياً داخلياً فقط، إذ يقع العراق في قلب تقاطع جوي استراتيجي بين الحركة الجوية الإيرانية والخليجية والتركية والآسيوية والأوروبية”.

ويبين، أنه “في حال توسع تفسير العقوبات ليشمل أي خدمات تقدم للناقلات الإيرانية، فستجد المطارات العراقية نفسها أمام معادلة حساسة جداً، تتمثل في كيفية الحفاظ على استمرارية تقديم الخدمات الملاحية والمدنية وفق المعايير الدولية، وفي الوقت نفسه حماية مؤسساتها وشركاتها من مخاطر الوقوع تحت طائلة العقوبات الثانوية”.

ويشدد الجواري، أن “المطلوب اليوم ليس اتخاذ قرار انفعالي بالمنع أو السماح، بل بناء منظومة امتثال واضحة ومدروسة تحدد بدقة طبيعة الخدمة المقدمة، والجهة التي تقدمها، وآلية الدفع، والجهة المستفيدة النهائية، وما إذا كانت العملية تقع ضمن نطاق العقوبات الأمريكية أم لا”.

قطع شريان الحياة المالي الإيراني

وفي تفاصيل الإجراءات، قال مسؤول في وزارة الخزانة الأمريكية إن القرار ألغى فعلياً، اعتباراً من الثلاثاء، جميع التراخيص المتعلقة بالطيران، بما في ذلك المدفوعات مقابل عبور المجال الجوي الإيراني، والتصاريح التي كانت تسمح لشركات طيران غير أمريكية بتشغيل طائرات خاضعة لضوابط التصدير الأمريكية في رحلات إلى إيران.

وامتدت الإجراءات أيضاً إلى سحب ترخيص عام كان مخصصاً لدعم السلامة وغيرها من أشكال دعم الطيران في حالات الطوارئ، مع الإشارة إلى إمكانية النظر في منح تراخيص من هذا النوع لاحقاً بناء على دراسة كل حالة على حدة.

ووصف المسؤول الأمريكي الخطوة بأنها إخراج عملي لقطاع الطيران بأكمله من الاقتصاد الإيراني من السوق، في إطار حملة ضغط تسعى الإدارة الأمريكية من خلالها إلى قطع ما تصفه بشريان الحياة المالي عن طهران والحد من قدرتها على تمويل الحرب الدائرة.

وتأتي العقوبات في وقت أثار فيه مسؤولون في الإدارة الأمريكية، بينهم وزير الخزانة سكوت بيسنت، احتمال تغيير النظام في سياق الحديث عن الضغوط المفروضة على إيران، ما يضع إجراءات الطيران ضمن مسار أوسع من التصعيد الاقتصادي الأمريكي ضد طهران.

وفي المقابل، حذر نائب المبعوث الأمريكي الخاص السابق للشؤون الإيرانية، ريتشارد نيفيو، من أن أثر العقوبات قد يتجاوز شركات الطيران نفسها، موضحاً أنها تستهدف في المقام الأول عرقلة عمليات الشراء السرية وما شابهها، في ظل الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة في مضيق هرمز.

وأشار نيفيو إلى أن حركة السياحة توقفت بالفعل، معتبراً أن ذلك ليس مفاجئاً في الظروف الحالية، لكنه حذر من أن العقوبات ستعيق بصورة أساسية الأنشطة التجارية وعمليات نقل البضائع، وأن الانتقال إلى استهداف المطارات التي تقدم خدماتها قد يقود إلى تقليص حركة النقل الجوي والعبور بشكل عام.

عملية المنبوذ الاقتصادي

ورغم اتساع الإجراءات، لا يزال حجم تأثيرها الفعلي موضع نقاش بين خبراء ودبلوماسيين، ولا سيما أن إيران واجهت عقوداً من الضغوط الاقتصادية، فيما أطلقت واشنطن على حملتها الجديدة اسم “عملية المنبوذ الاقتصادي”، في محاولة لزيادة الضغط على طهران بعد سنوات من العقوبات المتراكمة.

أما طهران، فجاء ردها عبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي سخر من الخطوة الأمريكية، مشيراً إلى مرور 47 عاماً من العقوبات والحرب ضد إيران، ةأن واشنطن، بعد فشلها في تحقيق أهدافها عبر العقوبات أو الحرب، تقدم فرض المزيد من العقوبات بوصفه حلاً جديداً.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى