كيف استطاع الحوثيون تغيير قواعد اللعبة فجأة لصالح إيران؟

عزّز هجوم خاطف شنّته قوات الحوثيين المدعومة من إيران على امتداد سواحل البحر الأحمر في اليمن، قدرة طهران على المناورة في حربها الاقتصادية الاستنزافية مع واشنطن.

ميدل ايست نيوز: عزّز هجوم خاطف شنّته قوات الحوثيين المدعومة من إيران على امتداد سواحل البحر الأحمر في اليمن، قدرة طهران على المناورة في حربها الاقتصادية الاستنزافية مع واشنطن، في خطوة تمنح إيران القدرة على تهديد ممر بحري حيوي يؤدي دوراً في التجارة العالمية يفوق، من حيث نطاق تأثيره، حتى مضيق هرمز.

وحسب تقریر لموقع “رويداد24” الإيراني، سيطر الحوثيون الأسبوع الماضي على مدينتي المخا وذباب الساحليتين، كما أحكموا سيطرتهم على جزيرة بريم، في خطوة عززت هيمنتهم على مضيق باب المندب، بوابة البحر الأحمر المعروفة باسم «باب الدموع».

وقال دينيس سيتـرينوفيتش، الخبير في الشؤون الإيرانية لدى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي والمحلل السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، في حديث إلى صحيفة واشنطن بوست: «هذا إنجاز استراتيجي كبير وغير مسبوق تقريباً لإيران والحوثيين. وفي وقت تحاول فيه طهران زيادة الكلفة الاقتصادية لمواجهتها مع الولايات المتحدة، يمنح تقدم الحوثيين إيران ورقة ضغط كبيرة للغاية».

وكتبت الصحيفة الأمريكية في مواصلة تقريرها أن نحو 8.7 في المئة من التجارة البحرية العالمية يمر عبر مضيق باب المندب، وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة، ما يجعل هذا الممر أحد أهم نقاط الاختناق في النقل البحري العالمي. ويمر عبره نحو 20 في المئة من عمليات نقل السيارات والحاويات في العالم، و15 في المئة من المنتجات النفطية، و13 في المئة من النفط الخام.

ويربط هذا المضيق البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 18 ميلاً. وتقع جيبوتي وإريتريا إلى الغرب منه، فيما تقع اليمن إلى الشرق.

وتقسّم جزيرة بريم المضيق بشكل طبيعي إلى ممرين للملاحة. وتحمل السفن التي تعبر هذه المنطقة مواد خاماً وسلعاً صناعية ومصادر للطاقة، ولذلك فإن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي يمكن أن تكون له تداعيات عالمية.

وتجد السعودية، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في المنطقة، والتي تطل من جهة على البحر الأحمر ومن جهة أخرى على الخليج، نفسها الآن عملياً في قلب هذه الأزمة.

وقد يتيح التهديد بالسيطرة المتزامنة على مضيقي هرمز وباب المندب من جانب قوات مدعومة من إيران لطهران زيادة الضغوط على واشنطن من عدة جبهات.

وقالت الصحيفة إن الحرب المكلفة وغير الشعبية التي تخوضها إيران وارتفاع أسعار الطاقة، فرضا ضغوطاً متزايدة على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحلفائه الجمهوريين في الكونغرس، قبل أقل من شهرين على انتخابات التجديد النصفي.

واتهم ترامب إيران الأسبوع الماضي بمحاولة التأثير في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وأقر بأنه لن يتمكن من إنهاء الحرب المستمرة منذ ستة أشهر أو خفض أسعار الوقود قبل الانتخابات.

ومع تقدم الحوثيين، تجاوز سعر النفط حاجز 100 دولار للبرميل، ولا يزال عند هذا المستوى، وهو أعلى سعر يسجله منذ مايو.

وقال مسؤول يمني في الحكومة الرسمية المدعومة من السعودية، طلب عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الموضوع، لصحيفة واشنطن بوست: «كان يوم الجمعة أول يوم بدأت فيه إيران فعلياً بتحقيق الانتصار في الحرب».

الحوثيون؛ ورقة ضغط جديدة لإيران

واتخذ ترامب السبت لهجة أكثر تصالحية، وقال للصحفيين: «الحوثيون تواصلوا معنا»، مضيفاً: «هم لا يريدون محاربتنا».

وقال: «إنهم يفضلون ألا نتدخل في هذا الأمر. وهم يسمحون بمرور مزيد من السفن».

وكتبت واشنطن بوست أن إيران، في الوقت نفسه، تبدو وكأنها عززت نفوذها الإقليمي من خلال هجوم بطائرة مسيّرة انطلق من الأراضي العراقية، ويُرجح أن تكون جماعات مسلحة مدعومة من إيران قد نفذته، واستهدف خط أنابيب النفط السعودي شرق–غرب.

وكان خط الأنابيب ينقل ما يصل إلى 7 ملايين برميل من النفط يومياً باتجاه البحر الأحمر، ما أدى استهدافه إلى زيادة الضغوط على إمدادات الطاقة العالمية.

وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى مستوى من التنسيق بين القوات المرتبطة بإيران في مرحلة حساسة، بينما تحاول طهران إعادة بناء أوراق ضغطها بعد العقوبات الواسعة التي فرضتها إدارة ترامب على الاقتصاد الإيراني، والوجود العسكري الأمريكي لمرافقة ناقلات النفط في مضيق هرمز.

وقال روب هاوورث، المحلل لدى بنك أمريكي، لواشنطن بوست: «يظهر هذا الهجوم بالطائرات المسيّرة أن موارد الطاقة، سواء عبر البحر أو من خلال خطوط الأنابيب، معرضة بشدة للخطر».

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الحوثيون سيستخدمون مكاسبهم الميدانية لفرض حصار واسع، أو كيف ستكون ردة فعل ترامب.

وقد يؤدي تنفيذ عملية عسكرية أمريكية كبيرة لإعادة فتح باب المندب، أو إغلاق خط أنابيب شرق–غرب السعودي لفترة طويلة، إلى دفع أسعار النفط إلى «مستويات أعلى بكثير من مستواها الحالي».

هل تسيطر إيران على مضيقين استراتيجيين؟

وكان الحوثيون قد هددوا في يوليو أيضاً بقطع وصول السفن السعودية إلى البحر الأحمر، بالتزامن مع محاولات جماعات مسلحة مدعومة من إيران في العراق استهداف خط أنابيب النفط السعودي.

وقالت سيما شين، الباحثة الرئيسية في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي والرئيسة السابقة لقسم التحليل في الموساد، لواشنطن بوست إن إيران تستغل الفترة التي تسبق الانتخابات الأمريكية لرفع أسعار النفط وزيادة الضغوط على ترامب من خلال عملية متعددة المستويات.

وأضافت: «التنسيق بين إيران والجماعات المسلحة العراقية والحوثيين أصبح الآن أكبر بكثير».

وبحسب شين، حتى في حال إعادة تشغيل خط أنابيب شرق–غرب السعودي، سيظل بإمكان الحوثيين تشكيل تهديد لناقلات النفط من خلال نشر طائرات مسيّرة ومعدات مدفعية بالقرب من سواحل باب المندب.

تهديد يتجاوز اليمن

يقول محللون إنه لا يزال من غير الواضح مدى تأثير التطورات الأخيرة على سوق النفط.

وأعلنت السعودية الجمعة إغلاق خط الأنابيب، فيما بدأت الحكومة العراقية تحقيقات في الهجوم. وأرسل هذا الهجوم رسالة مفادها أن خطوط أنابيب الطاقة في المنطقة، سواء القائمة حالياً أو المخطط لها مستقبلاً، يمكن أن تصبح أهدافاً للهجمات.

وتدرس الدول المصدرة للنفط في الخليج حالياً خططاً لإنشاء مسارات بديلة، من بينها خطوط أنابيب تمر عبر الإمارات والعراق وسوريا، بهدف تقليل الاعتماد على نقاط الاختناق هذه.

وقال المحلل الجيوسياسي البحريني عبدالله الجنيد، في حديث إلى واشنطن بوست، إن احتمال استئناف عملية أمريكية واسعة ضد الحوثيين منخفض.

وأضاف: «البحرية الأمريكية منشغلة بأكثر من طاقتها في الوقت الحالي، ولا تملك الموارد الكافية لمواجهة التهديدات الإيرانية واليمنية في الوقت نفسه. ويتعين على دول المنطقة تحمل مسؤولية أكبر».

ويكتسب باب المندب أهمية كبيرة إلى درجة أن القوى العالمية تعاونت في الماضي للحفاظ على أمنه. فالولايات المتحدة وفرنسا واليابان وإيطاليا لديها جميعاً قواعد بحرية في جيبوتي، بالقرب من المضيق، كما أن الصين أنشأت في عام 2017 أول قاعدة عسكرية خارجية لها في هذا البلد.

وفي حال وسّع الحوثيون حصار السفن في هذا المضيق، فلن تعود السفن التجارية المتجهة بين أوروبا وآسيا قادرة على استخدام قناة السويس، وستضطر إلى سلوك طريق أطول حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، وهو مسار يضيف أسابيع إلى مدة الرحلة.

وقال سيتـرينوفيتش: «ما يجعل هذا الوضع خطيراً للغاية هو عدم وجود حل عسكري أو اقتصادي واضح في الأفق. هذه ليست مجرد انتصار آخر للحوثيين في ساحة المعركة اليمنية، بل إنها تغيّر بشكل أساسي ورقة الضغط الإيرانية في مواجهتها مع الولايات المتحدة، وتفرض ضغوطاً أكبر بكثير على نظام الطاقة العالمي».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى