الصحافة الإيرانية: المصالح الوطنية واللاعب الغائب في معادلة القنبلة والردع
إن الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار، وتصنيع سلاح نووي، وإقامة ردع نووي، هي ثلاثة قرارات مختلفة تمامًا، ولا يمكن حسم أي منها من خلال مقابلة مع عضو في مجلس بلدية أو منشور على منصة إكس.
ميدل ايست نيوز: شهدت الأيام الأخيرة انتقال النقاش بشأن خروج إيران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، بل وحتى التوجه نحو تصنيع سلاح نووي واختباره، من مستوى التصريحات المتفرقة إلى ساحة أكثر رسمية. فقد طُرح الموضوع من مجلس بلدية طهران إلى قاعة البرلمان الإيراني، وتحول إلى أحد أكثر ملفات الأمن القومي حساسية.
وقال برويز سروري، نائب رئيس مجلس بلدية طهران، صراحة إنه سيكون «سعيدًا جدًا» إذا سمع أن إيران اتجهت نحو امتلاك سلاح نووي لتحقيق الردع. وذهب النائب في البرلمان الإيراني حسين علي حاجي دليغاني خطوة أبعد، معلنًا إعداد مشروع عاجل جدًا للانسحاب من معاهدة عدم الانتشار، ومؤكدًا أن من الأفضل إجراء الاختبارات اللازمة للسلاح النووي في أسرع وقت ممكن. كما تتبنى بعض التنظيمات والشخصيات السياسية المسار نفسه.
ويرى حسين موسويان، الدبلوماسي الإيراني السابق، أن التهديدات الأمريكية والإسرائيلية وخطاب دونالد ترامب عززت لدى شريحة من النخب السياسية والأمنية الإيرانية الاعتقاد بأن السلاح النووي قد يكون الوسيلة الردعية الفعالة الوحيدة في مواجهة هجوم خارجي ومحاولات تغيير نظام الحكم. لكنه في الوقت نفسه يدعو إلى التخلي عن سياسة الحرب والضغط والتوصل إلى اتفاق دبلوماسي شامل.
تقول صحيفة توسعه إيراني، إن الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار، وتصنيع سلاح نووي، وإقامة ردع نووي، هي ثلاثة قرارات مختلفة تمامًا، ولا يمكن حسم أي منها من خلال مقابلة مع عضو في مجلس بلدية أو منشور على منصة إكس أو تصريحات عدد من النواب. فهذه من أكثر القرارات الأمنية جوهرية في البلاد.
الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار لا يعني امتلاك قنبلة
تتضمن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية آلية للانسحاب منها بموجب المادة العاشرة، ويصبح ذلك ممكنًا في حال تحديد وجود «أحداث استثنائية»، لكنه يتطلب إخطارًا مسبقًا واتباع إجراءات محددة. والسؤال الأساسي هو ماذا ستحصل إيران عليه بعد الانسحاب؟ ماذا سيحدث لترتيبات الضمانات والعلاقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟ وكيف سيكون رد مجلس الأمن والشركاء التجاريين والأسواق المحلية؟ وهل سيؤدي الانسحاب وحده إلى تعزيز الردع؟ قد تدفع البلاد ثمنًا سياسيًا للانسحاب من دون أن تحصل على المكاسب المتوقعة منه.
وتكتسب الفترة الزمنية الفاصلة بين الانسحاب الرسمي والوصول إلى مستوى الردع المزعوم أهمية بالغة. فقد يؤدي ذلك، بدلًا من زيادة الأمن، إلى مزيد من الشكوك والضغوط الجديدة في مجلس الأمن والتوتر الدبلوماسي. وقد يقدم الخصوم الانسحاب باعتباره مؤشرًا على تغير أهداف البرنامج النووي.
ويمر الملف النووي الإيراني حاليًا بمرحلة حساسة. فقد عاد الخلاف بشأن الالتزامات المتعلقة بالضمانات إلى مجلس الأمن مجددًا، فيما تصاعدت الضغوط. وحتى مشاركة محمد إسلامي، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، في المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية تعذرت بسبب اعتراض الولايات المتحدة.
دور الصين وروسيا
غالبًا ما ينظر مؤيدو الانسحاب إلى الضلع الغربي وحده، في حين أن للملف الإيراني ضلعًا شرقيًا أيضًا. فقد استخدمت روسيا والصين مؤخرًا حق النقض ضد مشروع قرار أمريكي لتمديد آلية مراقبة العقوبات، وأكدتا أن الخلافات ينبغي حلها عبر المسار السياسي. والدولتان عضوان في معاهدة عدم الانتشار، وقوتان نوويتان رسميتان، وتدعمان نظام عدم الانتشار.
كما دعا وانغ يي مؤخرًا إيران والولايات المتحدة إلى ضبط النفس والعودة إلى التفاهم المؤقت واستئناف المفاوضات. وقد يجعل الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار إدارة العلاقات مع هذين الشريكين المهمين أكثر صعوبة أيضًا.
فاتورة الشعب
وسط كل النقاشات بشأن القنبلة والردع، يغيب الشعب الإيراني تقريبًا عن المشهد. فالقرارات النووية ترتبط مباشرة بالعقوبات والتجارة الخارجية وتحويل الأموال وبيع النفط والتوقعات الاقتصادية. وقد يؤدي ارتفاع المخاطر السياسية إلى التأثير في الحسابات الاقتصادية، فيما تنتقل التكاليف في نهاية المطاف إلى اقتصاد البلاد وحياة المواطنين.
فقضية معاهدة عدم الانتشار لا تتعلق بأجهزة الطرد المركزي وحدها، وإنما بالمصلحة الوطنية.
الردع لا يُبنى بالمقابلات
تُعد حجة مؤيدي تغيير العقيدة النووية جادة أيضًا. فإذا كانت العضوية في معاهدة عدم الانتشار لم تتمكن من منع العقوبات أو التهديدات أو الهجمات على المنشآت، فما الفائدة من استمرارها؟ وقد زادت الحرب الأخيرة من أهمية هذا السؤال.
لكن جدية السؤال لا تعني بالضرورة صحة الإجابة القائلة بالانسحاب أو تصنيع قنبلة نووية. فالعضوية في المعاهدة لا تمثل ضمانة مطلقة للأمن، كما أن الانسحاب منها لا يضمن تحقيق الردع.
ويمكن مناقشة كلفة وفوائد معاهدة عدم الانتشار، وأداء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والحاجة إلى إعادة النظر في عقيدة الردع، لكن تحويل هذه القضية المعقدة إلى سباق للتعبير عن أكثر المواقف تشددًا أمر محفوف بالمخاطر. فعندما يقدم عضو في مجلس البلدية ونائب في مجلس الشورى وتنظيمات سياسية، كل على حدة، وصفته الخاصة، فقد يجري إنتاج الكلفة السياسية للقرار قبل اتخاذه داخل المؤسسات المسؤولة.
في نهاية المطاف، إن اتخاذ قرار بشأن هذا المسار يجب أن يكون نتيجة حساب متزامن لعوامل الأمن والاقتصاد والقانون الدولي والدبلوماسية وردود فعل القوى العالمية ومصالح الشعب. ولا تزال أمام إيران خيارات متعددة في السياسة الخارجية، فيما تواصل روسيا والصين الوقوف في مواجهة جزء من الضغوط الغربية.
ويبقى السؤال الأهم هو أي قرار سيعزز قوة البلاد في المحصلة، وأي قرار لن يؤدي سوى إلى إنتاج تكاليف إضافية؟
ولا يمكن أن تحدد إجابة هذا السؤال لا مشاعر الفرح التي عبر عنها عضو في مجلس البلدية، ولا دعوة نائب إلى إجراء اختبار نووي، ولا بيان صادر عن تنظيم سياسي. وإذا تحول الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار يومًا ما إلى قرار فعلي، فقد يستغرق الإعلان عنه بضعة أسطر، لكن تبعاته قد تستمر لسنوات.
أما كلفة أي قرار خاطئ على هذا المستوى، فلن يدفعها أصحاب المقابلات والبيانات، بل الاقتصاد الإيراني والمصلحة الوطنية والشعب الذي لم يكن له دور في صناعة هذه الموجة السياسية.



