عقوبات الطيران الإيراني تدخل التنفيذ.. والمطارات العراقية أمام اختبار الضغط الأمريكي الصعب

مع دخول القرار الأمريكي بحظر الطيران الإيراني التنفيذ اليوم الأربعاء، يجد العراق نفسه في مواجهة أزمة مباشرة تضع مطاراته ومؤسساته الخدمية تحت تهديد العقوبات إذا استمرت بتقديم الوقود والصيانة لعشرات الرحلات اليومية بين البلدين.

ميدل ايست نيوز: مع دخول القرار الأمريكي بحظر الطيران الإيراني التنفيذ اليوم الأربعاء، يجد العراق نفسه في مواجهة أزمة مباشرة تضع مطاراته ومؤسساته الخدمية تحت تهديد العقوبات إذا استمرت بتقديم الوقود والصيانة لعشرات الرحلات اليومية بين البلدين. وأمام هذا الواقع، باتت بغداد مجبرة على المناورة الحذرة لحماية قطاعها المالي وعلاقتها بواشنطن، دون التفريط بتفاهماتها الجغرافية والسياسية مع طهران.

محنة جديدة

ويقول خبير العلاقات الدولية فراس إلياس، إن ”العراق يقف أمام معادلة دقيقة في التعامل مع استمرار الرحلات الجوية الإيرانية والقرار الأمريكي الجديد، لأن المسألة لا تتعلق فقط بهبوط الطائرات الإيرانية، بل تشمل منظومة الخدمات المرتبطة بها، بدءاً من المطارات والمناولة والتزود بالوقود، وصولاً إلى المدفوعات والتأمين”.

ويضيف، أن ”توسيع واشنطن نطاق العقوبات على قطاع الطيران الإيراني يزيد مخاطر تعرض جهات عراقية لإجراءات أمريكية في حال استمرارها بتقديم الخدمات لشركات مشمولة بالعقوبات، والملف قد يتحول بالفعل إلى نقطة ضغط جديدة بين بغداد وواشنطن، خصوصاً إذا طالبت الأخيرة بإجراءات تنفيذية واضحة، وليس مجرد التزام سياسي”.

ثلاثة مسارات

ويرى إلياس، أن ”أمام بغداد ثلاثة مسارات رئيسية، يتمثل الأول بالامتثال ووقف التعامل مع الشركات المشمولة بالعقوبات، وهو ما يقلل المخاطر مع واشنطن، لكنه قد يثير توتراً مع طهران، فيما يتمثل المسار الثاني بالتفاوض للحصول على استثناءات محددة لبعض الرحلات المدنية والإنسانية، أما الثالث فيقوم على محاولة استمرار الرحلات ضمن ترتيبات تقلل تعرض المؤسسات العراقية للعقوبات”.

وبدأت ملامح أزمة جديدة في حركة الطيران الإيراني تتضح في 21 أيلول سبتمبر، عندما أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن جميع شركات الطيران الإيرانية ستتوقف عن العمل اعتباراً من الأربعاء 23 أيلول سبتمبر، في خطوة تضع نشاط الناقلات الإيرانية أمام قيود جديدة لا تتوقف آثارها عند حدود إيران.

وفي اليوم التالي، 22 أيلول سبتمبر، ردت منظمة الطيران المدني الإيرانية بنفي وجود أي إلغاء أو تغيير في جداول الرحلات الخارجية، مؤكدة استمرار الرحلات الإيرانية المتجهة إلى العراق وتركيا وأذربيجان وفق الجداول المحددة.

وقال المتحدث باسم المنظمة مجيد أخوان، في تصريح أوردته وكالة “إيسنا”، إن طهران لم تتلق أي إخطار أو تعليمات من هيئات الطيران المدني في العراق وتركيا وأذربيجان بشأن فرض قيود أو وقف الرحلات الإيرانية، مؤكداً استمرار الحركة الجوية بصورة اعتيادية، على أن يجري إبلاغ المسافرين فور حدوث أي طارئ.

ترتيبات انتقالية

ويميل إلياس إلى أن “تفضل بغداد التفاوض على ترتيبات انتقالية بدلاً من الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع أي من الطرفين”معتبراً أن ”الامتثال الكامل للمطالب الأمريكية سيحمي بدرجة أكبر المصالح المالية العراقية وعلاقة بغداد بواشنطن، لكنه قد يفسر إيرانياً باعتباره انخراطاً في سياسة الضغط الأمريكية”.

ويحذر من أن ”تجاهل العقوبات قد يحافظ على العلاقة مع طهران، لكنه يرفع المخاطر على المصارف وشركات الطيران والمطارات العراقية، لذا التحدي أمام العراق يتمثل في الفصل قدر الإمكان بين الحفاظ على العلاقة مع إيران والالتزام بالقيود المالية الدولية”.

وبشأن إمكانية امتداد القرار الأمريكي إلى جهات في دول أخرى تتعامل مع شركات الطيران الإيرانية، يؤكد الياس، أن ”ذلك يمثل أحد أهم جوانب الإجراءات الأمريكية الجديدة، إذ حذرت وزارة الخزانة الجهات الأجنبية من تقديم خدمات أو تسهيلات لشركات الطيران الإيرانية الخاضعة للعقوبات”.

مخاطر كبيرة

وينبه خبير العلاقات الدولية إلى أن ”المخاطر قد لا تقتصر على شركات الطيران، وإنما يمكن أن تشمل، بحسب طبيعة التعامل والأساس القانوني للعقوبات، شركات الخدمات الأرضية والوكلاء التجاريين والجهات المالية وغيرها”.

ويخلص إلياس إلى أن “القضية الأساسية بالنسبة للعراق لن تقتصر على السماح للطائرات الإيرانية بالوصول إلى المطارات العراقية من عدمه، وإنما تتعلق بكيفية منع تحول التعامل معها إلى مدخل لعقوبات تطال مؤسسات عراقية، لأن ملف الطيران قد يصبح جزءاً من اختبار أوسع لقدرة بغداد على الموازنة بين علاقاتها مع واشنطن وطهران”.

وبالتزامن مع ذلك، أعلنت منظمة الطيران المدني الإيرانية مواصلة مشاوراتها وخططها في ضوء القيود المفروضة لضمان استمرار الرحلات، مشيرة تحديداً إلى عدم تلقي تعليمات بشأن وقف أو تعليق رحلات الخطوط الجوية الإيرانية المتجهة إلى إسطنبول وباكو والنجف.

25 رحلة يومية

بدوره، يقول استشاري الطيران فارس الجواري، إن ”السلطات العراقية لم تصدر حتى الآن أي بيان بشأن التعامل مع الطائرات الإيرانية، والملف يمثل سيفاً ذا حدين، خصوصاً مع وجود ما بين 15 وأكثر من 20 أو 25 رحلة يومياً بين العراق وإيران، تنقل ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف مسافر، ما يطرح تساؤلا بشأن كيفية معالجة أوضاع هؤلاء المسافرين؟”.

ويؤكد، أن ”المسألة لا تتعلق بحظر الطيران الإيراني بحد ذاته، وإنما بحظر التعامل مع الطائرات الإيرانية عند هبوطها في المطارات، ومن ضمنها المطارات العراقية، والتعامل مع الملف على أساس سياسي أو الاكتفاء باعتبار العراق وإيران دولتين جارتين لن يحل المشكلة، في وقت لم تصدر فيه السلطات العراقية حتى الآن قرارا بمنع الطائرات”.

ويبين، أن ”الطائرات الإيرانية، في حال عدم تقديم الوقود لها في مطاري بغداد أو النجف على سبيل المثال، ستضطر إلى حمل الوقود معها، ما يرفع التكاليف ويقلل عدد الركاب بسبب الحمولة الإضافية من الوقود، مما يعني أن الشركات الصغيرة لن تكون قادرة على تحمل هذه النفقات، ما سيدفعها تلقائياً إلى وقف رحلاتها إلى العراق وغيره، بينما قد تحاول الشركات الكبيرة الاستمرار ومقاومة هذه الظروف”.

منفعة العقوبات

وينوه الجواري إلى أن ”العقوبات الجديدة تمتد كذلك إلى التأمين والخدمات الأخرى المرتبطة بالطيران، لكن أحد الحلول الممكنة يتمثل في الاستفادة من شركات الطيران العراقية لنقل المسافرين بين العراق وإيران، عبر اتفاق مع الجانب الإيراني”.

ويعتقد، أن ”أسوأ السيناريوهات يتمثل في سماح العراق باستمرار التعامل مع الطائرات الإيرانية، إذ يتوقع أن يصدر عندها تحذير من وزارة الخزانة الأمريكية بعدم التعامل معها، كما أن العقوبات قد تتوالى على الشركات التي تقدم خدمات للطائرات الإيرانية”.

ويحذر من أن ”الشركات التي تستمر في التعامل مع الطائرات الإيرانية ستضطر إلى حساب مخاطر إضافية، من بينها احتمال توقف شركات التأمين عن تغطيتها، وهو ما يمكن أن ينسحب على شركات أخرى تتعامل معها”.

حصار قاس

ويتوقع استشاري الطيران، أن “شركات الطيران الإيرانية تواجه أحد أقسى القرارات التي اتخذت بحقها، وستكون أمام حصار قوي وقاس قد يؤدي تلقائياً إلى بقاء الطائرات جاثمة في المطارات الإيرانية، في ظل هذه الشركات تحاول منذ سنوات تجاوز الحصار المفروض عليها عبر شركات وسيطة أو ثانوية أو من خلال السوق السوداء للحصول على قطع الغيار اللازمة لاستمرار عمل طائراتها”.

ويردف الجواري، أن ”الظروف الجديدة قد تمنع الشركات الإيرانية من الاستفادة من قطع الغيار والخدمات اللازمة، ما يجعل توقفها خياراً أفضل في ظل هذه الظروف، مع إمكانية أن يشهد الملف مفاوضات في المستقبل”.

وبذلك، يدخل الملف مرحلة فاصلة مع الموعد المقرر اليوم الأربعاء، وبين إعلان أمريكي عن قيود تستهدف نشاط شركات الطيران الإيرانية، وتمسك طهران باستمرار رحلاتها في ظل عدم تلقيها أي قرار من بغداد بوقفها، ليبقى موقف السلطات العراقية وطبيعة التعامل مع الرحلات الإيرانية العامل الحاسم في تحديد مسار الرحلات بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين + 12 =

زر الذهاب إلى الأعلى