الصحافة الإيرانية: قراءة في غياب إيران عن منتدى الدوحة الاقتصادي
لم يكن منتدى الدوحة الاقتصادي في نيويورك مجرد تجمع اقتصادي، بل كان أيضاً صورة عن مساعي دول المنطقة إلى صياغة نظام جديد تتشابك فيه رؤوس الأموال والطاقة والأمن.

ميدل ايست نيوز: أقيمت نسخة من منتدى الدوحة الاقتصادي في نيويورك بالتزامن مع أسبوع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، في وقت يتأثر فيه الاقتصاد العالمي أكثر من أي وقت مضى بالأزمات الجيوسياسية والحروب واضطرابات سلاسل الإمداد وانعدام أمن الطاقة.
وعُقد هذا الاجتماع تحت عنوان «النمو في الظروف الجديدة: رأس المال والمخاطر والمرونة»، بمبادرة من منتدى الدوحة الاقتصادي، وبمشاركة بلومبرغ وبالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة القطرية، وجمع مسؤولين ومديرين اقتصاديين ومستثمرين وناشطين في قطاع الطاقة.
تقول صحيفة دنياي اقتصاد، إن أهمية هذا المنتدى لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب. فاختيار نيويورك وتزامن انعقاده مع الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة جعلا من الاجتماع، عملياً، منصة لبحث الترابط بين الاقتصاد والأمن، وهو موضوع لا يمكن الفصل بين جانبيه في ظل الظروف الراهنة في الشرق الأوسط. كما أظهرت تصريحات المسؤولين القطريين أن الأزمات الإقليمية، بدءاً من الحرب وانعدام الأمن وصولاً إلى الاضطرابات التي تطال مسارات الطاقة والنقل، تؤثر بشكل مباشر في الحسابات الاقتصادية للدول. لكن الجزء الأهم من المنتدى تمثل في النقطة التي تداخل فيها الاقتصاد مع الأمن.
وشبّه محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، الأزمة الإقليمية الراهنة بزلزال، وقال إن صدماتها تجاوزت حدود المنطقة وتحدّت الافتراضات القائمة بشأن الأمن والاستقرار. كما شدد على ضرورة تعاون دول الخليج وتشكيل إطار أمني، وقال إن رسائل يجري نقلها بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي هذا السياق، كانت إشاراته إلى سلوك إيران وضرورة انخراط طهران في الترتيبات الأمنية الجديدة في المنطقة من أكثر أجزاء الاجتماع حساسية. وفي بعض التغطيات، عُكست هذه المواقف في إطار انتقاد النهج الإيراني والتشكيك في استعداد طهران للاضطلاع بدور بنّاء في الترتيبات الإقليمية. ومع ذلك، فإن التقييم الدقيق لمثل هذا الطرح يقتضي التمييز بين انتقاد سياسي لنهج الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبين إصدار حكم عام بشأن كون دولة ما محبة للسلام أو غير ذلك.
في الوقت نفسه، يمكن النظر إلى عقد مثل هذه الاجتماعات في المرحلة الحالية من زاوية أخرى أيضاً. فعندما تؤثر الأزمات الأمنية في أسواق الطاقة والملاحة والاستثمار وسلاسل الإمداد العالمية، تزداد الحاجة إلى الحوار بين الحكومات والمستثمرين والخبراء الاقتصاديين. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا لم يشارك ممثل عن طهران في هذا المنتدى، رغم مكانة إيران وثقلها في معادلات الطاقة والأمن والجغرافيا الإقليمية؟ وإذا كان الهدف هو إيجاد آليات جديدة لتحقيق الاستقرار والتعاون الإقليميين، فإن الحوار من دون مشاركة أحد الأطراف الرئيسية في المنطقة سيواجه بطبيعة الحال قيوداً.
ومن جهة أخرى، فإن الحديث عن الاستقرار الإقليمي من دون التطرق في الوقت نفسه إلى جميع العوامل المؤثرة في انعدام الأمن قد يقدم صورة ناقصة عن الواقع. فالهجمات والعمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، إلى جانب الهجمات والتوترات المتبادلة في المنطقة، تشكل جزءاً من السياق الأمني الراهن، ولا يمكن استبعادها من تحليل الأزمة. وكما حذرت قطر في مواقفها الرسمية خلال الأسابيع الماضية من التحركات الإسرائيلية في المنطقة وطالبت بمساءلتها عنها، ينبغي تطبيق المنطق نفسه على جميع الأطراف وجميع أشكال استخدام القوة. لذلك، إذا كان الهدف هو التوصل إلى إطار مستدام لأمن الخليج، فإن الخطوة الأولى ينبغي أن تتمثل في تحديد جذور انعدام الأمن بدقة ومن دون انتقائية، بدلاً من تقديم طرف واحد على أنه مصدر المشكلة فقط.
وبعد ذلك، يمكن أيضاً مطالبة إيران بالانخراط في الآليات الإقليمية الرامية إلى خفض التوتر وضمان أمن جيرانها والحوار والتعاون الاقتصادي. وسيكون لمثل هذا المسار قدر أكبر من المصداقية عندما يقوم أساساً على الأمن المتبادل والمسؤولية المشتركة لجميع الأطراف الفاعلة.
ومن هذا المنظور، لم يكن منتدى الدوحة الاقتصادي في نيويورك مجرد تجمع اقتصادي، بل كان أيضاً صورة عن مساعي دول المنطقة إلى صياغة نظام جديد تتشابك فيه رؤوس الأموال والطاقة والأمن. لكن التحدي الرئيسي يتمثل في أن تتجاوز هذه الحوارات مستوى التعبير عن المخاوف، وأن تفضي إلى آلية تشارك فيها جميع الأطراف الفاعلة والمؤثرة في المنطقة، بما فيها إيران، مع تحديد مسؤولية كل طرف ودوره في تحقيق الاستقرار بصورة واضحة في الوقت نفسه.



