فاتورة الاستفتاء المرتفعة.. كيف خسر إقليم كردستان العراق النفوذ والأرض بعد 9 أعوام؟
تسع سنوات مرت على استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق دون أن تُترجم نتائجه إلى دولة، وسط انقسام سياسي حول آثاره.

ميدل ايست نيوز: تسع سنوات مرت على استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق دون أن تُترجم نتائجه إلى دولة، وسط انقسام سياسي حول آثاره، فبينما يراه الحزب الديمقراطي الكردستاني تعبيراً حقيقياً عن إرادة شعبية، يصفه الاتحاد الوطني بخسارة مكاسب ميدانية وإدارية.
وفيما يرجح مراقبون مستقلون أرجحية الخسائر جراء العزلة وتراجع نفوذ الإقليم، تظل التساؤلات قائمة حول جدوى تلك الخطوة على الواقع السياسي والمالي والاقتصادي لكردستان.
خطأ تاريخي
الباحث في الشأن السياسي الكردي فائق يزيدي، يقول إنه بلا شك يمكن وصف قرار الاستفتاء بأنه خطأ تاريخي لم يكن مدروساً بشكل جيد، فالأوضاع الإقليمية والدولية لا تتوفر فيها عوامل مساعدة لتأسيس دولة كردية، ناهيك عن أن المشروع كان أحادياً سواء داخل إقليم كردستان أو حتى في عموم العراق.
ويضيف أنه “كانت هناك جهة سياسية محددة لأهداف حزبية وشخصية، ودفع من جهات خارج العراق ذهبت باتجاه ارتكاب هذا الخطأ الجسيم”.
ويتابع يزيدي، أن “ما ترتب على ذلك كان للكرد خسارة تلو الخسارة، فالإقليم عاش عزلة محلية وإقليمية، كما أن شعب كردستان اليوم يدفع ثمن ذلك الخطأ، بغلاء أسعار المحروقات وأزمة الرواتب والطوابير المختلفة التي يقف فيها للحصول على حقوقه، كما أن الاستفتاء أنعكس على الواقع السياسي في الإقليم وباتت العملية السياسية في كردستان بشكل أو آخر ضحية لاستفراد الجهة التي قامت بالاستفتاء، وهي الحزب الديمقراطي الكردستاني”.
وهنأ رئيس حكومة إقليم كردستان، مسرور بارزاني، أمس الجمعة، مواطني إقليم كردستان بمناسبة الذكرى السنوية لإجراء استفتاء الانفصال، قائلاً في تغريدة على موقع أكس: “مباركة وخالدة ذكرى انتصار إرادة الشعب”.
كما أكد رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، بمناسبة هذه الذكرى، أن الاستفتاء يمثل “صوتاً للتاريخ وذكرى للأجيال” مشيراً إلى أن تلك المحطة ستظل راسخة في الذاكرة الجمعية وتلهم الأجيال القادمة.
مكاسب سياسية
لكن الباحث السياسي يزيدي يرى جوانب أخرى يعدها إيجابية، يقول إن “الجوانب الايجابية للاستفتاء والتي يمكن اعتبارها مكاسب لشعب كردستان، فهي تنحي مسعود برزاني من رئاسة الإقليم بعد الاستفتاء، حيث كان متشبثاً بالمنصب، لكن تحت ضغوط داخلية وإقليمية ودولية تنازل عن منصبه، والمكسب الآخر هو أن أزمة الرواتب انفرجت قليلاً بعد أن بدأت بغداد بصرفها لموظفي الإقليم”.
ويعتقد، أن “المكسب السياسي والمعنوي الأكبر هو ان الحزب الديمقراطي بات في حالة ضعيفة جداً قياساً بسنوات ما قبل إجراء الاستفتاء، وتراجع تأثيره داخل الإقليم وفي المناطق المتنازع عليها، وحصلت حالة وعي داخل المجتمع الكردي”.
ووفق النتائج المعلنة للاستفتاء في حينها فقد بلغت نسبة المشاركة 72.16 بالمئة، وصوّت 92.73 بالمئة من المشاركين لمصلحة خيار الاستقلال، مقابل 7.27 بالمئة صوتوا بـ “لا”.
الاستفتاء لم يكن إعلاناً قانونياً للاستقلال، إذ قالت القيادة الكردية في حينه إن التصويت سيمنحها تفويضاً للتفاوض بشأن مستقبل العلاقة مع بغداد.
إلا أن الحكومة الاتحادية رفضت الاستفتاء ونتائجه، وعدته غير دستوري، قبل أن تصدر المحكمة الاتحادية العليا في 20 تشرين الثاني نوفمبر 2017 قراراً يقضي بعدم دستوريته وإلغاء آثاره ونتائجه.
خسارة كبرى
من جهته، يعتبر القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني غياث سورجي، أن خسارة الكرد بعد الاستفتاء أكبر من ربحهم.
ويقول سورجي إن “قوات البيشمركة كانت تنتشر في 16 وحدة إدارية بمحافظة نينوى وجميع تلك الواحدات تدار من قبل مسؤولين كرد، كما أن الكرد كانوا يسيطرون بالطول والعرض على محافظة كركوك وجميع مناطق المادة 140 في ديالى، وقواتنا موجودة على حدود ناحية أمرلي في محافظة صلاح الدين”.
ويواصل، أن “الإقليم كان يصدر النفط بشكل طبيعي ولديه منافذ حدودية ومطارات ويتعامل كشبه دولة، ويزوره عدد كبير من رؤساء الدول والمسؤولين والقيادات الإقليمية والدولية، وكان رقماً مهماً في المنطقة، ولم يكن بحاجة للاستفتاء”.
ويستطرد سروجي، أنه “بعد الاستفتاء خسرنا سيطرتنا على كركوك ومناطق المادة 140، وعاد ملف تصدير النفط والمطارات والمنافذ تحت إشراف بغداد، وأي مسؤول دولي يزور الإقليم لا بد له من الحصول على موافقة من بغداد”.
وبالتالي تحولنا من شبه دولة إلى إقليم إداري، والكلام للسورجي، وهذا يؤكد أن الاستفتاء كان متسرعاً، واستغل لأغراض سياسية في وقتها، ولم توافق عليه كل الأحزاب الكردية، وبالتالي لا يوجد ربح، بقدر ما هي خسارات توالت على الشعب الكردي.
وفي الـ 16 من تشرين الأول أكتوبر عام 2017 بعد أسابيع من الاستفتاء، تقدمت القوات الأمنية الاتحادية إلى كركوك ومناطق متنازع عليها كانت قوات البيشمركة تسيطر عليها منذ عام 2014 في أعقاب انهيار القوات العراقية أمام تنظيم داعش.
مطارات ومنافذ
وبعد الاستفتاء مباشرة، اتخذت الحكومة الاتحادية إجراءات للسيطرة على المنافذ الحدودية والمطارات الدولية في الإقليم، وفي 29 أيلول سبتمبر 2017 دخل قرار تعليق الرحلات الدولية غير الإنسانية وغير الطارئة من مطاري أربيل والسليمانية حيز التنفيذ، إلى حين وضع المطارات تحت سيطرة السلطات الاتحادية.
كما دخل ملف تصدير النفط مرحلة جديدة من الصراع بين بغداد وأربيل، بالتوازي مع الخلافات حول الموازنة والحصة المالية للإقليم.
ولم تنته هذه الملفات بانتهاء أزمة الاستفتاء، بل بقيت قضايا النفط والإيرادات والموازنة والبيشمركة والمناطق المتنازع عليها من أبرز الملفات التي تتكرر في المفاوضات بين الطرفين.
حلم كردي
في المقابل، يقول عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني دلشاد شعبان، إن الاستفتاء كان لحظة مهمة تعبر عن حلم كل مواطن كردي بتشكيل دولة كردية خاصة به، حاله حال باقي القوميات والمكونات في المنطقة.
ويوضح أن “الكرد لم يرتكبوا حماقة أو جريمة وما قاموا به هو استفتاء شعبي لمعرفة رأي الشعب الكردي وتفويضه، ولكن بغداد في وقتها تعاملت معنا بطريقة حكم البعث، عن طريق تحريك الجيوش واستخدام العسكر بقضية خلافات سياسية”.
نية مبيتة
ويعد شعبان، أن “الرقم الذي خرجت به صناديق الاقتراع في وقتها بتصويت أكثر من 92 بالمئة لمصلحة الانفصال بقي رقماً سياسياً ورمزياً، ويعبر عن إرادة حقيقية للشعب الكردي، والتأييد الواسع لأي خطوة يمكن القيام بها مستقبلاً”.
وينفي، أن تكون خطوة الاستفتاء من الحزب الديمقراطي فقط، بل أن أغلب الأحزاب الكردية كانت موقعة على هذه الخطوة وشاركت جميع مدن الإقليم والجماهير بالتصويت، ولم تكن خطوة انفرادية.
وبخصوص كركوك والمناطق المتنازع عليها، يعلق عضو الحزب الديمقراطي، إن “بغداد كانت لديها نية مبيتة للقيام بعملية عسكرية في تلك المناطق بعد انتهاء المعركة مع داعش، ولا علاقة للموضوع بالاستفتاء، ولكن الخطوة منافية للقانون والدستور كون قوات البيشمركة هي قوة عسكرية دستورية وليست محتلة لتلك المدن”.



