تجاوز هرمز.. العراق وسوريا ولبنان أمام فرصة لتعزيز دورها الإقليمي

تعكس الخطط لتجاوز هرمز سباقًا أوسع نحو تعزيز السيادة، في وقت تسعى فيه الحكومات إلى تنويع روابطها الاقتصادية وجذب الدعم الأميركي.

ميدل ايست نيوز: حوّلت الحرب على إيران مضيق هرمز من نقطة اختناق ذات أهمية استراتيجية إلى مصدر اضطراب كبير في تدفقات الطاقة العالمية، ما دفع العراق وسوريا ولبنان إلى إعادة النظر في مزايا مواقعها الجغرافية. وتروّج كل دولة حاليًا لمشاريع تشمل أنابيب النفط والغاز والسكك الحديدية والطرق والممرات الرقمية، بهدف نقل الطاقة والبضائع والبيانات بين الخليج والبحر المتوسط، بما يقلل الاعتماد على إيران وعلى المسار البحري الذي يمكن لطهران تهديده. وتعكس هذه الخطط لتجاوز هرمز سباقًا أوسع نحو تعزيز السيادة، في وقت تسعى فيه الحكومات إلى تنويع روابطها الاقتصادية وجذب الدعم الأميركي.

ومع ذلك، فإن الظروف نفسها التي تجعل هذه الممرات ذات قيمة، مثل تشتت السلطة والاحتلالات الأجنبية ووجود جماعات مسلحة من غير الدول والفساد المستشري، تجعل بناءها وحمايتها أمرًا بالغ الصعوبة. فقد تراجعت صادرات العراق الجنوبية قبل أن تتعافى جزئيًا، بينما تفتقر سوريا ولبنان إلى القدرة المؤسسية اللازمة لضمان العقود والتمويل والأمن لمشاريع تمتد أعمال إنشائها لسنوات.

لذلك، يكشف النقاش حول تجاوز هرمز عن حقيقة أعمق، وهي أن البنية التحتية وحدها لا تستطيع خلق السيادة. ومن دون إصلاح مؤسسات الدولة، قد تؤدي الطرق الجديدة ببساطة إلى نقل الاعتماد من مجموعة من الأطراف الأجنبية إلى أخرى، مع بقاء حالة التجزئة الأساسية في المنطقة وحرمان سكانها من الفوائد الموعودة.

خطط تجاوز هرمز تواجه دولًا مجزأة

كشفت الحرب على إيران والاضطراب الذي أعقبها في مضيق هرمز عن هشاشة طرق التجارة والطاقة الحالية، وأخلّت بتوازنات القوى التقليدية في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، يسعى العراق وسوريا ولبنان إلى الاستفادة من مواقعها الجغرافية بين أوروبا والخليج، وتحسين اتصالاتها من خلال أنابيب النفط والغاز والطرق والسكك الحديدية والممرات الرقمية. وبعد أن كانت الدول الثلاث جزءًا من منظومة إقليمية تتمحور حول إيران، تسعى حكوماتها الآن إلى تعزيز سيادتها من خلال تنويع روابطها الاقتصادية، وهو تحول تدعمه إدارة ترامب.

ومع ذلك، تحاول هذه الدول تنفيذ تلك المشاريع في ظل الاحتلالات الأجنبية والعمليات العسكرية، فضلًا عن مواجهة الفساد المستشري محليًا وأنظمة سياسية مجزأة تعزز نفوذ الجماعات المسلحة.

وبالتالي، فإن قدرتها على استغلال هذه الفرصة لتعزيز الترابط الاقتصادي والسيادة لن تعتمد فقط على البنية التحتية التي تنشئها، وإنما أيضًا على قدرتها على إصلاح مؤسسات الدولة اللازمة لإدارة هذه المشاريع.

وتُقدّر تكلفة أحد مشاريع البنية التحتية بنحو 15 مليار دولار، بينما يُرجح أن تستغرق أعمال البناء نحو أربع سنوات. وتدعم إدارة ترامب الخطة في إطار استراتيجية تهدف إلى تقليص النفوذ الإقليمي لإيران من خلال تنويع مسارات الطاقة والتجارة بعيدًا عن مضيق هرمز.

وستتيح الشبكة الجديدة، التي تبلغ طاقتها الأولية المقترحة نحو مليوني برميل يوميًا، للعراق تحويل جزء كبير من صادراته بعيدًا عن هرمز، بما يقلل من اعتماد البلاد على المضيق. لكنها ستكون بمثابة مسار إضافي أكثر من كونها بديلًا كاملًا لهرمز، إذ تتجه معظم صادرات العراق من النفط الخام إلى الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين والهند، التي يمكن الوصول إليها عبر الخليج بسرعة أكبر بكثير مقارنة بالمسار المؤدي إلى البحر المتوسط.

روابط السكك الحديدية والممرات الرقمية

تبحث لبنان وسوريا أيضًا في إمكانية استعادة روابط السكك الحديدية التي يمكن أن تربط الساحل اللبناني، عبر سوريا، بالعراق وتركيا والخليج. وفي وقت سابق من هذا الشهر، تفقد مسؤولون لبنانيون وسوريون مسارًا محتملًا لسكة حديد تربط ميناء طرابلس اللبناني بمدينة حمص السورية. وقد تمثل هذه الخطوة بداية محتملة لإعادة تأسيس سوريا كدولة عبور، مع طرابلس بوابة محتملة إلى البحر المتوسط.

ومع ذلك، في حين قد تبدو إعادة بناء خط السكك الحديدية القصير بين طرابلس وحمص ممكنة، فإن إنشاء ممر إقليمي أوسع سيتطلب بنية تحتية أكبر بكثير، وسيواجه تحديات متعددة. فقد توقفت خطط لبنان السابقة لإحياء خط السكك الحديدية نفسه قبل بدء العمل، ويرجع ذلك جزئيًا إلى مشكلات التمويل وسوء الإدارة. كما تضرر نظام السكك الحديدية في سوريا بشدة جراء الحرب، فيما تقدر الحكومة تكلفة إعادة تأهيله بنحو 5.5 مليار دولار.

ويمتد السعي إلى تعزيز الترابط أيضًا إلى المجال الرقمي. وتهدف مشاريع جديدة لشبكات الألياف الضوئية عبر العراق وسوريا إلى توفير مسارات برية بديلة لدول الخليج لنقل كميات هائلة من البيانات التي تمر حاليًا عبر كابلات بحرية معرضة للمخاطر.

البنية التحتية للطاقة تحت النار

توجد حاليًا فجوة كبيرة بين الطموحات والواقع. فالعراق وسوريا ولبنان يسعون إلى تنفيذ مشاريع البنية التحتية هذه في ظل حروب لا يملكون السيطرة عليها، إلى جانب مواجهتهم احتلالات وتدخلات خارجية.

وفي لبنان، تحتل القوات الإسرائيلية منطقة أمنية أعلنتها من جانب واحد في الجنوب، فيما أدى الصراع إلى نزوح أكثر من مليون شخص. وفي سوريا، سيطرت إسرائيل على المنطقة العازلة منزوعة السلاح في ديسمبر/كانون الأول 2024، وحافظت منذ ذلك الحين على وجود عسكري فيها.

وفي أنحاء الشرق الأوسط، أصبحت البنية التحتية للطاقة هدفًا رئيسيًا، إذ شهدت الأشهر الستة الأولى من الحرب أكثر من 100 هجوم على منشآت الطاقة. وشنت إيران هجمات على منشآت الطاقة في منطقة الخليج، بينما استهدفت إسرائيل مستودعات الوقود والبنية التحتية للغاز داخل إيران.

وتحتفظ إيران بنفوذها من خلال شبكات سياسية ومسلحة منتشرة في أنحاء المنطقة، بما في ذلك جماعات موجودة في العراق ولبنان أظهرت مرارًا قدرتها على تهديد البنية التحتية الحيوية.

وفي العراق، على سبيل المثال، تعرض حقل خور مور للغاز لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة نُسبت إلى ميليشيات. ومؤخرًا، أدت هجمات انطلقت من الأراضي العراقية إلى إغلاق خط أنابيب شرق-غرب السعودي مؤقتًا، وهو الخط الذي يهدف أيضًا إلى تقليل اعتماد الرياض على مضيق هرمز. كما هاجم الحوثيون ناقلات نفط سعودية وسيطروا على أجزاء من ساحل باب المندب هذا الشهر.

ولا يقتصر تهديد البنية التحتية على الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران. فقد استهدفت إسرائيل مرارًا البنية التحتية للنقل خلال النزاع الحالي، بما في ذلك في لبنان، ما يوضح مدى سهولة تعطيل شبكات النقل التي تعتمد عليها مشاريع تعزيز الترابط الإقليمي. وفي شرق سوريا، حيث يُفترض أن يمر الممر الجديد المقترح لنقل الطاقة العراقية، استهدفت جماعات مسلحة، بينها تنظيم داعش، آبار النفط وشاحنات النقل.

الفساد يقوض المشاريع الكبرى

يشكل الفساد المستشري عائقًا آخر أمام تنفيذ هذه المشاريع. ويحتل العراق ولبنان وسوريا مراتب متأخرة في مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية.

وفي الأنظمة السياسية التي يمثل فيها التعاقد العام وسيلة رئيسية لتوزيع الموارد والعوائد، يمكن للمشاريع الكبرى أن توفر فرصًا للأحزاب السياسية لتحقيق أرباح من العقود، غالبًا على حساب تنفيذ المشاريع بكفاءة.

ويرتبط بذلك تفتت هذه الدول نفسها. فالبنية التحتية بهذا الحجم تتطلب مؤسسات قادرة على تنسيق القرارات على مدى سنوات، وإنفاذ العقود، وحماية الأصول، ودمج المصالح المتنافسة في مشروع مشترك.

لكن السلطة في العراق وسوريا ولبنان لا تزال مجزأة بين فصائل سياسية ومؤسسات متنافسة وجهات مسلحة. ويجعل ذلك الحكومات غير قادرة على ضمان أمن المشاريع أو تمويلها، في ظل قدرة العديد من الأطراف على عرقلة تنفيذها أو الاستفادة من عوائدها. ويخلق هذا فجوة أساسية بين حجم الطموحات والقدرة على تنفيذها.

تجاوز هرمز لا يضمن السيادة

زادت الحرب من القيمة الاستراتيجية للموقع الجغرافي للعراق وسوريا ولبنان. ومع بحث الدول والشركات عن بدائل لمضيق هرمز، تقدم البلدان الثلاثة ممرات محتملة تربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا.

وستساعد قدرة العراق وسوريا ولبنان على الاستفادة من هذه الفرصة في تحديد ما إذا كانت هذه الدول قادرة على المساهمة في تشكيل النظام الإقليمي بعد الحرب، أم أن هذا النظام سيُعاد تشكيله من حولها.

لكن الترابط لا يعني بالضرورة السيادة. فقد توفر خطوط الأنابيب والسكك الحديدية وممرات التجارة الجديدة لهذه الدول بدائل عن الاعتماد على المنظومة الحالية، لكنها وحدها لا تستطيع تحقيق السيادة. ويتطلب ذلك مؤسسات قادرة على تنفيذ هذه المشاريع وحمايتها وإدارتها.

وإذا أراد العراق وسوريا ولبنان الاستفادة من الفرص التي يوفرها النظام الإقليمي المتغير، فعليها القيام بأكثر من مجرد إنشاء طرق جديدة عبر حدودها. إذ سيتعين عليها بناء دول قادرة على إدارة هذه الروابط الجديدة، وضمان وصول فوائدها إلى شعوبها، وليس إلى النخب وحدها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
MERO

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 − 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى