لا استيراد ولا اكتفاء.. ما حقيقة وضع البنزين في إيران؟

أكد محلل في قطاع الطاقة أن القول بأن إيران لم تعد بحاجة إلى استيراد البنزين ليس توصيفًا دقيقًا، موضحًا أن الحقيقة هي أن إيران لا تملك في الظروف الراهنة القدرة والإمكانية اللازمتين لاستيراده.

ميدل ايست نيوز: أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بشأن استغناء إيران عن استيراد البنزين تساؤلات عديدة، في وقت كانت قد أُعلنت فيه سابقًا فجوة يومية تُقدّر بنحو 14 مليون لتر في توفير هذا المشتق النفطي.

بالتزامن مع ذلك، تشير تقارير إلى تراجع استهلاك الوقود وارتفاع استهلاك الغاز الطبيعي المضغوط (CNG)، وهي تغيّرات تطرح تساؤلًا حول ما إذا كان اختلال التوازن بين إنتاج البنزين واستهلاكه قد عولج فعلًا، أم أن حلولًا مؤقتة غطّت جزءًا من الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

وفي هذا السياق، قال محلل في قطاع الطاقة: «تشير التوقعات إلى أن إيران ستواجه نقصًا بنحو 400 مليون متر مكعب من الغاز خلال ذروة البرد. يعادل هذا الرقم نحو 50 في المئة من الطلب؛ بعبارة أخرى، فإن ما نواجهه في المقام الأول ليس اختلالًا في التوازن، بل عجزًا وأزمة».

وأوضح هاشم أورعي، كبير محللي قطاع الطاقة ورئيس اتحاد جمعيات الطاقة الإيرانية، في مقابلة مع موقع «اقتصاد نيوز»، أسباب وقف الاستيراد، ودور رفع الأسعار في خفض الطلب، ومساهمة المخزونات ومجمعات البتروكيماويات في تأمين البنزين، فضلًا عن القيود التي تواجه إحلال الغاز الطبيعي المضغوط محل البنزين. وشرح لماذا لا يعني الاستغناء عن الاستيراد بالضرورة معالجة اختلال التوازن، وما قد يترتب على استمرار الوضع الحالي من دون إصلاحات هيكلية من تداعيات على مستقبل إمدادات الوقود في البلاد.

وأكد أن القول إن البلاد لم تعد بحاجة إلى استيراد البنزين ليس توصيفًا دقيقًا، موضحًا أن الحقيقة هي أن إيران لا تملك في الظروف الراهنة القدرة والإمكانية اللازمتين لاستيراده.

وأضاف الخبير الإيراني أن هذا الوضع لم ينتج عن قرار اختياري، بل عن قيود هيكلية؛ إذ كانت إيران تستورد البنزين سابقًا عبر الإمارات، لكن هذه الواردات تقيّدت بسبب مخاطر عدة، من بينها التطورات المرتبطة بمضيق هرمز. كما أصبح الاستيراد من روسيا مستحيلًا بسبب مشكلات داخلية تواجهها، فضلًا عن عدم قدرة إيران المالية ونقص مواردها من النقد الأجنبي. وبناءً على ذلك، لم يعد استيراد البنزين متاحًا للبلاد عمليًا في الوقت الراهن.

حلول مؤقتة لتعويض عجز قدره 14 مليون لتر يوميًا

وتساءل أورعي عن كيفية تعويض العجز اليومي البالغ 14 مليون لتر من البنزين خلال ليلة واحدة، مؤكدًا أن هذا العجز لم يختفِ تلقائيًا، بل تضافرت أربعة أو خمسة عوامل مؤقتة لتغطية المشكلة في المرحلة الحالية.

وفي شرحه لهذه العوامل، قال إن أولها رفع سعر الحصة الثالثة من البنزين من 5 آلاف تومان إلى 10 آلاف تومان، وهو ما أدى، وفقًا للتصريحات الرسمية للمسؤولين، إلى انخفاض الطلب بنسبة 3 في المئة. لكنه أشار إلى أن التغييرات السعرية لا تترك عادة آثارًا طويلة الأمد تمتد لسنوات، إذ يعود الطلب إلى مستوياته السابقة بعد بضعة أسابيع أو أشهر، إلا أنها أدت إلى تراجع مؤقت في الاستهلاك على المدى القصير.

وأضاف أن العامل الثاني يتمثل في الإعلان عن زيادة استهلاك الغاز الطبيعي المضغوط (CNG) بنسبة 12 في المئة في أسطول المركبات بالبلاد، ما يشير إلى انتقال جزء من الطلب نحو هذا النوع من الوقود.

استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية وتحويل إنتاج البتروكيماويات

وأشار محلل قطاع الطاقة إلى أن انخفاض الطلب بنسبة 3 في المئة وارتفاع استهلاك الغاز الطبيعي المضغوط بنسبة 12 في المئة لم يتمكنا، ولا يمكنهما، استيعاب كامل العجز البالغ 14 مليون لتر يوميًا. ورجّح أن جزءًا آخر من هذا العجز لا يزال يُغطّى من موارد البنزين والاحتياطيات الاستراتيجية للبلاد، وإن كان بمستوى أقل مما كان عليه سابقًا.

وفي معرض حديثه عن الإنتاج المحلي، أوضح أن المصافي كانت تنتج سابقًا 112 مليون لتر من البنزين يوميًا، إضافة إلى توفير 9 ملايين لتر يوميًا عبر توجيه وحدات البتروكيماويات إلى وقف إنتاج منتجات أخرى واستبدالها بإنتاج البنزين.

وأضاف أورعي أن التحديات الكبيرة التي تواجه صادرات المنتجات البتروكيماوية الأخرى، وفقدان فرص التصدير، ولا سيما عبر المسارات الجنوبية، أوجدت ظروفًا دفعت مجمعات البتروكيماويات مجددًا إلى توجيه طاقاتها نحو إنتاج البنزين. ورغم أن هذه الخطوة تأتي على حساب خسارة إيرادات من النقد الأجنبي، فإن المجمعات رفعت طاقاتها الإنتاجية إلى أقصى حد ممكن.

وشدد رئيس اتحاد جمعيات الطاقة الإيرانية على أن هذه الإجراءات لم تعالج العجز في سوق الوقود، موضحًا أن جميع هذه العوامل استطاعت تغطية المشكلة مؤقتًا ولمدة بضعة أشهر فقط. وأضاف: «إذا كان السؤال هو ما إذا كان عجز البنزين قد عولج، فالإجابة بالتأكيد هي لا. فهذه الإجراءات ليست سوى مسكنات بسيطة، وعلينا استغلال المهلة المحدودة المتاحة لنا، التي تتراوح بين شهر وعدة أشهر، للتحرك نحو الإدارة الحقيقية للطلب، وهو ما لم نتخذ أي خطوات بشأنه حتى الآن».

وفي شرحه لمفهوم إدارة الطلب، قال إن أكثر من 90 في المئة من البنزين في البلاد يُستهلك في مجالين فقط: خزانات السيارات، وتهريب الوقود.

وشبّه أورعي الوضع الراهن بمريض تعرض لحادث، قائلًا إن «ما يحدث يشبه مريضًا يعاني نزيفًا داخليًا، وبدلًا من نقله إلى غرفة العمليات وإجراء جراحة له، نكتفي بوقف النزيف في الممر». وأوضح أن «الجراحة الحقيقية» تتمثل في إصلاح هيكل الطلب، وتحسين جودة السيارات، وتقليل المسافات غير الضرورية، وتنظيم حركة المرور، مشيرًا إلى غياب سياسات طويلة الأمد ومستدامة في هذه المجالات.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 + 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى