كيف يدفع الحصار البحري إيران إلى البحث عن مشترين جدد لنفطها؟

أصبحت صادرات النفط الإيرانية عبر البحر بالغة الصعوبة ومحفوفة بالمخاطر، وتشير الأنباء المتداولة إلى أن الصين بدأت تستبدل النفط الإيراني بمصادر أخرى في سوقها.

ميدل ايست نيوز: تشير تقارير مؤسسات تتبع ناقلات النفط إلى نفاد مخزونات النفط والمكثفات الإيرانية العائمة التي كانت موجودة خارج نطاق الحصار البحري، وتوقف عمليات تحميل ناقلات النفط في جزيرة خارك. ويعكس ذلك تصاعد الضغوط التي تفرضها العقوبات الأميركية على النفط الإيراني، ما أعاق صادرات البلاد إلى الصين.

وتشير بعض الأنباء الآن إلى أن إيران تسعى للعثور على مشترين جدد بين دول الجوار، لتعويض جزء من صادراتها النفطية إلى الصين، عبر التصدير إلى طاجيكستان وأوزبكستان وباكستان وتركيا وإقليم كردستان العراق.

لكن حميد حسيني، خبير شؤون الطاقة، قال لصحيفة «شرق» إن إجمالي هذه الصادرات لن يتجاوز 250 إلى 300 ألف برميل يومياً، ولن يعوض سوى جزء صغير من صادرات النفط الإيرانية إلى الصين، مشدداً على ضرورة إعطاء الأولوية لحل مشكلات السياسة الخارجية عبر الدبلوماسية.

صادرات النفط تحت وطأة العقوبات

ظلت صادرات النفط الإيرانية تحت ضغط مستمر خلال سنوات العقوبات، وشهدت هذه الضغوط تصعيداً في بعض المراحل، إلى أن وصلت الأزمة حالياً إلى الحرب والحصار البحري.

ويشير تقرير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن إيران كانت تصدر ما بين 2.5 و2.8 مليون برميل من النفط يومياً في السنوات التي سبقت العقوبات، وكان أبرز المشترين للنفط الإيراني الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، فيما قُدرت صادرات إيران إلى الصين بنحو 550 ألف برميل يومياً.

لكن الصين أصبحت، خلال السنوات التي أعقبت فرض العقوبات، المشتري شبه الوحيد للنفط الإيراني، فيما بلغت صادرات البلاد في أفضل حالاتها نحو 1.5 مليون برميل يومياً. ووصلت صادرات النفط الإيرانية، في بعض الفترات، إلى ما بين 500 و700 ألف برميل يومياً فقط.

وفي ظل الحرب، تغيرت معادلات تصدير النفط الإيراني. فبعد أن فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على إيران، جرى الجزء الأكبر من صادرات البلاد من المخزونات العائمة الموجودة خارج نطاق الحصار. لكن التقارير تشير الآن، مع استمرار الحرب، إلى تراجع هذه المخزونات الموجودة خارج منطقة الحصار.

وقدرت مؤسسة «كبلر» في مطلع الصيف الحالي، وتحديداً في 14 يوليو/تموز، حجم النفط الخام والمكثفات الإيرانية الموجودة على متن ناقلات في المياه خارج نطاق الحصار البحري بنحو 88.8 مليون برميل. وبيعت هذه المخزونات تدريجياً، وبشكل أساسي إلى الصين، حتى تراجرت تقديرات «كبلر» للمخزونات النفطية العائمة المتبقية خارج نطاق الحصار إلى نحو 15 مليون برميل في مطلع أكتوبر/تشرين الأول، بالتزامن مع بداية فصل الخريف.

ووفقاً لتقييم المؤسسة نفسها، وصلت مخزونات النفط الإيراني العائمة خارج نطاق الحصار الآن إلى الصفر، فيما سُلّمت الشحنات الأخيرة إلى الصين.

وأفادت «كبلر» أيضاً بتوقف عمليات تحميل النفط في جزيرة خارك، وتشير هذه التقارير إلى أن الجزء الأكبر من النفط المنتج في البلاد بات يُوجّه إلى الاستهلاك المحلي.

وفي السياق نفسه، أشارت وكالة رويترز إلى التراجع التدريجي لصادرات النفط الإيرانية وصولاً إلى توقفها النسبي، وذكرت في تقرير أن صادرات إيران النفطية انخفضت خلال نحو سبعة أشهر من قرابة مليوني برميل يومياً إلى الصفر.

وبحسب التقرير، كانت صادرات النفط الإيرانية قد اقتربت، قبل اندلاع الحرب التي استمرت 40 يوماً، من مليوني برميل يومياً رغم العقوبات، وكانت الصين المشتري الرئيسي لهذا النفط.

وتظهر البيانات التي نشرتها مؤسسات تتبع ناقلات النفط أن صادرات إيران بلغت نحو مليوني برميل يومياً في مارس/آذار 2026، لكنها تراجعت مع اندلاع الحرب وتشديد القيود البحرية في يوليو/تموز 2026 إلى نحو 740 ألف برميل يومياً، أي بانخفاض نسبته 63% مقارنة بالمستوى السابق.

ومع تشديد العقوبات والضغوط على صادرات النفط الإيرانية، تراجعت صادرات البلاد خلال أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2026 إلى نحو 220 ألفاً و255 ألف برميل يومياً. وتشير بيانات مؤسسات تتبع ناقلات النفط الآن إلى توقف عمليات تحميل شحنات جديدة من النفط الخام الإيراني.

ووفقاً لبيانات مؤسسة «تانكر تراكرز» خلال الفترة الممتدة من 1 إلى 22 أكتوبر/تشرين الأول 2026، سجلت صادرات النفط الخام الإيرانية انخفاضاً بنسبة 100% مقارنة بمتوسطها قبل الحرب.

لكن ينبغي التمييز بين توقف الصادرات الجديدة وتسليم الشحنات التي جرى تحميلها سابقاً. فقد حُمّلت كميات من النفط الإيراني في وقت سابق وخُزنت على متن ناقلات عائمة، ولذلك فإن وصول الصادرات الجديدة إلى الصفر لا يعني بالضرورة التوقف الكامل عن تسليم النفط المخزن إلى المشترين.

وفي هذا السياق، أفادت «كبلر» بأن نحو 43 مليون برميل من النفط الإيراني عالقة داخل نطاق الحصار، رغم أن تقريراً نُشر أمس أشار إلى وصول ناقلة نفط إيرانية إلى الصين.

وأفادت مؤسسة «تانكر تراكرز» بوصول شحنة تصديرية تضم مليوني برميل من النفط المرتبط بإيران إلى الموانئ الصينية فجر الأحد. وأكدت صور الأقمار الصناعية رسو ناقلة مرتبطة بإيران في أحد الموانئ الصينية، بعد أن كانت قد غادرت إيران قبل ثلاثة أشهر ونصف الشهر. والناقلة التي رُصدت من فئة ناقلات النفط العملاقة جداً (VLCC)، وقد نقلت مليوني برميل من النفط إلى الصين.

ومع ذلك، لا تزال تفاصيل إرسال النفط بواسطة هذه الناقلة وكيفيته غير واضحة. وتشير بعض التقديرات إلى أن عدداً من الناقلات تمكن من الاقتراب من الأسواق المستهدفة خلال الفترة التي تزامنت مع توقيع مذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة ورفع الحصار البحري. لكن موعد وصول الناقلة إلى وجهتها لا يتطابق بالضرورة مع موعد تصدير النفط وخروجه من إيران.

لذلك، لا يمكن الاستناد إلى تسجيل رسو هذه الناقلة وحده لتقييم حجم الصادرات الإيرانية الحالية. ويتطلب تحديد الوضع الفعلي لصادرات النفط في البلاد مراجعة بيانات عمليات التحميل الجديدة، وحجم الشحنات التي تمر عبر المسارات البحرية، وكميات النفط التي يجري تسليمها إلى المشترين.

البحث عن بدائل للصين في صادرات النفط

وهنا، أصبحت صادرات النفط الإيرانية عبر البحر بالغة الصعوبة ومحفوفة بالمخاطر، وتشير الأنباء المتداولة إلى أن الصين بدأت تستبدل النفط الإيراني بمصادر أخرى في سوقها.

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن قبل فترة تهديد المصافي الخاصة بسبب شرائها النفط الإيراني. ورغم إعلان الصين أنها لن تلتزم بهذه العقوبات، فإن ضغوط الحصار البحري وتشديد العقوبات على النفط الإيراني دفعت المصافي الصينية الخاصة إلى التوجه نحو شراء النفط الأقل سعراً من العراق والإمارات وقطر بدلاً من النفط الإيراني.

وأفادت وسائل إعلام صينية، من بينها «سينا فاينانس»، بأن المصافي الصينية زادت مشترياتها من النفط من موردين آخرين. ويُعد ارتفاع الطلب على النفط الروسي من خام «إسبو» أحد مؤشرات هذا التحول، إذ تُتداول بعض شحنات هذا النوع من النفط الروسي المخصصة للتسليم إلى الصين حالياً بعلاوة سعرية ملحوظة مقارنة بخام برنت.

كما تمكن العراق من سد جزء من الفجوة في الإمدادات داخل السوق الآسيوية. وذكرت رويترز أن صادرات العراق ارتفعت في أغسطس/آب إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً، بعدما كانت في حدود 1.35 مليون برميل يومياً في يوليو/تموز، مشيرة إلى أن شركات صينية، من بينها «بتروتشاينا»، كانت من أبرز مشتري النفط العراقي.

ويأتي ارتفاع إمدادات النفط الروسي إلى الصين في وقت تستهدف فيه أوكرانيا المصافي النفطية الروسية بهجمات واسعة، ما اضطر روسيا إلى ضخ جزء كبير من النفط الخام الذي كانت تبيعه سابقاً للمصافي المحلية في الأسواق العالمية.

وفي هذا السياق، قال حميد حسيني، خبير شؤون الطاقة، إن إيران مطالبة أيضاً بإيجاد بدائل لجزء من صادراتها النفطية إلى الصين.

وأوضح أنه في ظل تعذر تصدير النفط بحراً، وارتفاع تكلفة تصديره إلى الصين بالقطارات واستغراق ذلك وقتاً طويلاً إلى درجة تجعله شبه مستحيل، يمكن لإيران تصدير جزء من نفطها، بنحو 100 ألف برميل يومياً، عبر خط أنابيب مصفاة تبريز إلى تركيا.

وأضاف أن بإمكان إيران إرسال ما يقارب 60 إلى 70 ألف برميل يومياً إلى باكستان، وتصدير ما بين 70 و80 ألف برميل يومياً إلى طاجيكستان وأوزبكستان، إلى جانب تصدير جزء آخر إلى إقليم كردستان العراق. وبذلك، يصل إجمالي الصادرات عبر هذه المسارات إلى نحو 250 إلى 300 ألف برميل يومياً.

ومع ذلك، شدد خبير الطاقة على أن هذا الحل يمكن أن يوفر استجابة جزئية على المدى القصير، مؤكداً ضرورة معالجة أزمة صادرات النفط عبر الدبلوماسية والعمل على فك عقدة العقوبات.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية − 8 =

زر الذهاب إلى الأعلى