الصحافة الإيرانية: إيران والتنافس بين القوى العظمى

إنّ دخول العالم في مرحلة جديدة من التنافس بين القوى الكبرى يفرض على الدول المتوسطة والصغيرة – ومنها إيران – أن تعيد تقييم سياساتها بدقة.

ميدل ايست نيوز: دلائل كثيرة تشير إلى أنّ العالم منذ منتصف العقد الثاني من الألفية دخل مجدّدًا مرحلة تنافس بين القوى الكبرى، لتعود هذه الظاهرة لتشكّل الأساس المحوري في العلاقات الدولية. كانت المرحلة السابقة من هذا التنافس قد امتدّت من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى عام 1991، عندما انهار الاتحاد السوفيتي. أما الفترة التي تلت ذلك – نحو 25 عامًا انصبّ التركيز خلالها على معالجة تركة الحرب الباردة وخوض «الحرب على الإرهاب» – فيُنظر إليها اليوم كمرحلة انتقالية واستثنائية في النظام الدولي. ويُشار عادةً إلى ضمّ روسيا للقرم عام 2014، وإقدام الصين على عسكرة بحر الصين الجنوبي وتعزيز قوتها العسكرية، بوصفهما عاملين أنهيا تلك المرحلة.

وقال الدبلوماسي الإيراني السابق كوروش أحمدي، في مقال له على صحيفة شرق، إنه في استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2017، جرى الإعلان رسميًا عن انتهاء «عصر مكافحة الإرهاب» ودخول الولايات المتحدة طور «التنافس بين القوى الكبرى»، مع التأكيد على صعود الصين كمنافس عسكري رئيسي، وعودة روسيا كقوة تسعى لإعادة تشكيل النظام الدولي. كان هذا التحوّل تعبيرًا عن موقف المؤسسة الأميركية أكثر منه توجّهًا شخصيًا لدى إدارة ترامب. ومنذ ذلك الحين، باتت واشنطن تتصرف على أساس أنّ تنافس القوى الكبرى هو المبدأ المنظّم للعلاقات الدولية.

هذا التحوّل ينعكس مباشرةً على الدول الإقليمية المتوسطة والصغيرة، التي تجد نفسها اليوم تحت ضغط متزايد للانحياز إلى إحدى القوى الكبرى، سواء في مجالات التعاون العسكري أو السياسات التجارية أو البنية التكنولوجية أو آليات العمل داخل المنظمات الدولية. ومع ذلك، فإن التنافس بين القوى الكبرى قد يفتح أيضًا فرصًا جديدة لهذه الدول.

فإذا أحسنت إدارة مواقفها، يمكنها الاستفادة من مساعدات أفضل، وصفقات عسكرية أكثر ملاءمة، وفرص أوسع لجذب الاستثمارات، والحصول على التكنولوجيا المتقدمة. مدى قدرة هذه الدول على الحفاظ على استقلال قرارها في هذا الظرف العالمي شديد التعقيد يتوقف على ثلاثة عوامل رئيسية: موقعها الجيوسياسي وقدرتها على المناورة الاستراتيجية وتماسكها الداخلي وقوة الرابط بين الدولة والمجتمع.

أولًا: الموقع الجيوسياسي لإيران

تقع إيران في واحدة من أهم المناطق الجيوسياسية في العالم، وهذا ما يجعلها عنصرًا حاضرًا في التنافس بين القوى الكبرى. غير أنّ مكاسبها من هذا التنافس، في الظروف الراهنة، تظلّ محدودة بطابعها التكتيكي. تنسيق سياسي أكبر من الصين وروسيا، دعم في مواجهة الضغوط الأميركية، وبعض المساعدة في تخفيف آثار العقوبات.

يظهر ذلك في اصطفاف موسكو وبكين مؤخرًا إلى جانب طهران ضد آلية الزناد «سناب باك» وعودة قرارات مجلس الأمن، وتصويتهما ضد القرارات المناهضة لإيران في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن.

لكنّ هذا الموقف ليس ثابتًا تاريخيًا؛ ففي الفترة بين 2006 و2010، كانت الصين وروسيا تتحركان بانسجام مع الغرب، وصوتتا لمصلحة قرارات الوكالة الدولية ثم لصالح ستة قرارات من مجلس الأمن ضد إيران.

وبالتالي، فإن التعويل على هذا الاصطفاف التكتيكي دون تغيير جوهري في السياسة الخارجية الإيرانية، لن يبدد حالة العزلة البنيوية التي تواجهها البلاد. كما يبقى خطر أن تُبرم القوى الكبرى «صفقة كبرى» على حساب مصالح إيران، قائمًا دائمًا.

ثانيًا: القدرة على المناورة الاستراتيجية

هذا العامل بات حاسمًا بالنسبة للدول التي تحاول الاستفادة من تنافس القوى الكبرى دون الوقوع في الاصطفاف الكامل. وقد برزت دول عديدة – مثل الهند وباكستان – كنماذج ناجحة في هذا المسار.

الهند، خصوصًا في عهد مودي، تخلّت تدريجيًا عن نهج «عدم الانحياز» التقليدي، وأقامت شراكة استراتيجية واسعة مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تعاونها العسكري العميق مع روسيا. كما جمعت بين عضويتها في منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة «بريكس» من جهة، وبين مشاركتها في تحالف «كواد» الذي يهدف إلى موازنة الصين من جهة أخرى.

أما باكستان، فرغم علاقاتها الإستراتيجية التاريخية مع الصين منذ ستينيات القرن الماضي، فقد فتحت مسارًا جديدًا مع الولايات المتحدة مؤخرًا، حيث قدّم رئيس الوزراء وقائد الجيش مقترحات استراتيجية لواشنطن، أبرزها تطوير ميناء «باسني» عبر شركات أميركية، وهو ميناء يقع على بُعد نحو 100 كلم شرق ميناء «جوادر» الذي استثمرت فيه الصين مليارات الدولارات. كما قدّمت عروضًا تتعلق بالمعادن النادرة والتجارة. ورغم متابعة الصين هذه التطورات عن كثب، لم تُظهر ردود فعل سلبية علنية حتى الآن.

وهذه أمثلة من بين عدة حالات لدول أخرى تحاول الاستفادة من طبيعة النظام الدولي الجديد لتعظيم مكاسبها.

ثالثًا: التماسك الداخلي والشرعية السياسية

يبقى هذا العامل الأكثر حساسية. فكلما ازدادت شرعية الحكومات في نظر شعوبها، ازدادت قدرتها على اتخاذ قرارات كبرى في السياسة الخارجية.

أما الدول ذات الشرعية الضعيفة، فتكون قياداتها أكثر ترددًا وأكثر خشية من أي رد فعل داخلي. وهنا، تصبح تلك الدول عرضة لتجاذبات القوى الكبرى، التي قد تحاول التأثير على مسار السياسات الداخلية لتحقيق مكاسب في ملفات خارجية.

خلاصة القول إنّ دخول العالم في مرحلة جديدة من التنافس بين القوى الكبرى يفرض على الدول المتوسطة والصغيرة – ومنها إيران – أن تعيد تقييم سياساتها بدقة. وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على توازن دقيق بين الانفتاح على الفرص وتجنّب الوقوع في فخ الاصطفاف الكامل، ضرورة وجودية وليس مجرد خيار سياسي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى