الصحافة الإيرانية: كيف يمكن تفسير التناقض بين البيان العربي المناهض لإيران وتصريحات البديوي في منتدى الدوحة؟

تشير تصريحات جاسم البديوي خلال منتدى الدوحة إلى أن الدول العربية في المنطقة لا يمكنها تجاهل الدور والأهمية الإيرانية في النظام الأمني والاقتصادي الإقليمي.

ميدل ايست نيوز: أعادت دول مجلس التعاون مرة أخرى طرح مزاعم ضد الجزر الثلاث الإيرانية، مدعين أن إيران تتجاهل حقوق الإمارات. صدر هذا البيان الجديد رداً على تصريحات إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، حيث ادعى مجلس التعاون أن مواقف إيران «تنتهك سيادة البحرين وحقوق الإمارات». كما زعم الكيان العربي أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين «تشكك في سيادة الكويت والمملكة العربية السعودية على حقل الدرة (آرش)» ويجب إدانتها.

وقال الصحفي والخبير في الشؤون السياسية، مالك مصدق، في مقال على موقع دبلوماسي إيراني، إن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، خلال إشارته إلى وضوح موقف طهران بشأن الجزر الثلاث، أكد أنه لا يوجد أي شك أو تردد حول السيادة الإيرانية على هذه الجزر، وأن بيان مجلس التعاون ما هو إلا تكرار لمزاعم سابقة للإمارات وللمجلس، والتي ترفضها إيران تماماً. وأضاف بقائي أن حساسية أي إيراني تجاه السيادة الوطنية ووحدة أراضي بلاده أمر طبيعي، وأن تصريحات مجلس التعاون غير مقبولة على الإطلاق لدى إيران.

وادعى مجلس التعاون الخليجي في بيانه أن مواقف إيران «تنتهك مبدأ حسن الجوار» وتتعارض مع جهودهم لتعزيز العلاقات. صدر هذا البيان خلال الاجتماع السادس والأربعين لمجلس التعاون الخليجي الذي استضافته العاصمة المنامة، وأعاد مرة أخرى التأكيد على أن جزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى جزء من أراضي الإمارات. من جانبها، أكدت إيران سابقاً على «حقوقها التاريخية» و«القواعد الدولية» في حقل آرش، ودعت الكويت إلى العودة إلى طاولة المفاوضات بدلاً من إصدار مزاعم أحادية الجانب، من أجل حل الخلافات عبر الحوار والدراسات الفنية والقانونية. وتعتبر طهران مواقفها واضحة ومبنية على القوانين الدولية، وترفض أي مزاعم تتعارض مع سيادتها الوطنية.

الأمين العام لمجلس التعاون: لا نريد سقوط إيران، نحن نسعى لازدهارها

تزامناً مع البيان المناهض لإيران من مجلس التعاون، عُقدت فعاليات «منتدى الدوحة 2025» تحت عنوان «السياسة الدفاعية والأمنية والوساطة في النزاعات وبناء السلام» والذي سلط الضوء على «إيران والبيئة الأمنية المتغيرة في المنطقة». وخلال المنتدى، شدد جاسم البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، على استقرار وازدهار طهران، مشيراً إلى أن دول المجلس «لا ترغب في انهيار إيران». ووصف المطالب التي تطرحها دول الخليج تجاه إيران بأنها «مطالب بسيطة وأساسية»، مؤكدًا على ضرورة التركيز على المستقبل المشترك والاستفادة من الخبرات الاقتصادية والتنموية لتعزيز التعاون مع إيران.

وأشار البديوي خلال المنتدى إلى التقدم الاقتصادي لدول مجلس التعاون على مدى ثمانية عقود، وقال إن الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول بلغ العام الماضي نحو 2.4 تريليون دولار، وأنها ترغب في مشاركة تجاربها مع إيران. وأكد على احترام مبادئ حسن الجوار، والالتزام بميثاق الأمم المتحدة، والحوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، مع التأكيد على ضرورة تفعيل الحوار الجاري بين إيران والدول الأعضاء في المجلس وبناء رؤية مشتركة لمستقبل المنطقة.

حضر المنتدى أيضاً محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني السابق، الذي شدد على قدرة إيران على تجاوز الأزمات رغم التحديات التاريخية، مؤكداً استعدادها الدائم للحوار والتعاون الإقليمي. كما شاركت ناتالي توتشي، مديرة معهد الشؤون الدولية الإيطالي، وتريتا بارسي، النائب التنفيذي لمؤسسة «كوينسي للحكم الرشيد» في واشنطن، في إدارة وتحليل مجريات المنتدى.

تقدم حذر

يعكس مجلس التعاون الخليجي من خلال هذين الموقفين المتناقضين ظاهرياً صورة معقدة عن سياسته الإقليمية. فمن جهة، أكد البيان الأخير للمجلس رداً على تصريحات إسماعيل بقائي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، مجدداً على المزاعم السابقة بشأن الجزر الثلاث وحقل الغاز آرش، ما يوضح أن النظرة المناهضة لإيران لا تزال أحد أعمدة السياسة الرسمية لدول المجلس.

ومن جهة أخرى، تشير تصريحات جاسم البديوي خلال منتدى الدوحة إلى أن الدول العربية في المنطقة لا يمكنها تجاهل الدور والأهمية الإيرانية في النظام الأمني والاقتصادي الإقليمي. فقد طالب، مع التأكيد على استقرار وازدهار طهران، بالتركيز على المستقبل المشترك والاستفادة من الخبرات الاقتصادية والتنموية لدول الخليج للتعاون مع إيران. هذه التصريحات تُظهر أنه على الرغم من نبرة البيان الرسمي، فإن صناع القرار في المجلس يدركون جيداً أن إيران لاعب أساسي في المعادلات الإقليمية، وأي محاولة لتجاهل مكانة طهران قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في الخليج.

بالتالي، يتحرك مجلس التعاون الخليجي على خط دقيق من التوازن؛ فهو من جهة يتمسك بالمطالب الإقليمية ومصالحه، ومن جهة أخرى لا يمكنه تجاهل المكانة الاستراتيجية لإيران في العلاقات الإقليمية والأمنية. هذه الوضعية تجعل سياسة المجلس مزدوجة ومتناقضة؛ سياسة تحافظ في الوقت ذاته على الضغط ضد إيران، وتدرك ضرورة الحوار والتفاعل لإدارة الأزمات والحفاظ على استقرار المنطقة. هذا التناقض يوضح أن طهران ليست تحت ضغط المطالب القانونية والسياسية فحسب، بل تظل مكانتها كلاعب موازن في المنطقة غير قابلة للإلغاء بالنسبة لدول الخليج.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − أربعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى