آلية الزناد.. أبعد من العقوبات الأحادية على الاقتصاد الإيراني
لا تقتصر عقوبات الزناد على ضرب صادرات النفط والواردات الحساسة، بل تمتد لتعطيل تبادل سلع يُفترض أنها معفاة من العقوبات مثل الغذاء والدواء، في إطار استراتيجية تستهدف عزل الاقتصاد الإيراني بشكل كامل.

ميدل ايست نيوز: في ظل معاناة الاقتصاد الإيراني منذ سنوات طويلة من ضغوط العقوبات الأميركية الأحادية، يلوح في الأفق تهديد جديد ومختلف، إلا وهو «آلية الزناد». تفعيل الآلية قد يضع مستقبل الاقتصاد الإيراني أمام مستوى غير مسبوق من عدم اليقين.
وكتب موقع إكوإيران في تقرير، أنه وفقًا لآخر تقرير صادر عن غرفة التجارة في طهران، فإن هذه الآلية لا تعني مجرد عودة بعض العقوبات البسيطة، بل تمثل إعادة هيكلة كاملة للإطار القانوني والسياسي والاقتصادي للضغط على إيران، بما يشمل العودة إلى ستة قرارات ملزمة أصدرها مجلس الأمن بين عامي 2006 و2010 ضد إيران. ويرى العديد من الخبراء أن إحياء هذه القرارات سيجعل الاقتصاد الإيراني أكثر هشاشة وسيترك انعكاسًا واسعًا على المشهد الاقتصادي برمته.
ما هي «آلية الزناد»؟
آلية الزناد (Snapback Mechanism) هي إجراء قانوني منصوص عليه في القرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن عام 2015 لتأييد الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة). يتضمن القرار بندًا يسمح لأي طرف من أطراف الاتفاق بطلب إعادة فرض العقوبات السابقة لمجلس الأمن في حال خرق إيران للاتفاق.
وبموجب مبدأ «الفيتو العكسي»، تعود جميع العقوبات تلقائيًا خلال 30 يومًا من تقديم الطلب، ما لم يعترض مجلس الأمن بالإجماع على ذلك. على عكس آليات اتخاذ القرار المعتادة في المجلس، حيث يحق للأعضاء الدائمين استخدام الفيتو لتعطيل القرارات، فإن هذه الآلية تعمل بالعكس: أي أن رفع العقوبات يتطلب إجماع الأعضاء كافة، وهو ما يجعل مجرد اعتراض دولة واحدة كافيًا لإعادة فرض العقوبات. هذا البناء القانوني المقلوب المعروف بـ«الفيتو العكسي» يجعل عمليًا تفادي العقوبات مستحيلًا، ويلغي حتى إمكانية تدخل حلفاء إيران الاستراتيجيين كروسيا والصين.
ستة قرارات أممية تهدد إيران
في حال تفعيل الآلية، ستعود القرارات الستة الصادرة بين 2006 و2010 إلى التنفيذ الكامل. بخلاف العقوبات الأميركية الأحادية التي تعتمد على ضغوط ثانوية، فإن هذه القرارات ملزمة بموجب القانون الدولي وتلزم جميع الدول بالامتثال لها.
وتستهدف هذه القرارات شريانين رئيسيين في الاقتصاد الإيراني:
- النظام المصرفي والمالي: فصل البنوك الإيرانية عن النظام المالي العالمي، حظر الخدمات المالية والتأمين والتحويلات، ووقف دعم البنوك المركزية الأجنبية للتبادلات مع إيران.
- النقل واللوجستيات: فرض عقوبات على شركات الشحن والطيران الإيرانية، احتمال احتجاز السفن التجارية في المياه الدولية، حظر التزود بالوقود والخدمات المينائية، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل بشكل مضاعف.
ولا تقتصر هذه العقوبات على ضرب صادرات النفط والواردات الحساسة، بل تمتد لتعطيل تبادل سلع يُفترض أنها معفاة من العقوبات مثل الغذاء والدواء، في إطار استراتيجية تستهدف عزل الاقتصاد الإيراني بشكل كامل.
من حظر الشحن إلى تجميد الأصول
إحياء آلية الزناد يعني عودة القرارات 1696، 1737، 1747، 1803، 1835 و1929، التي تغطي طيفًا واسعًا من القيود: من تجميد الأصول والعقوبات المصرفية (1737 و1803) إلى الحظر على السلاح ومنع الاستثمارات في القطاعات الحيوية، وقيود السفر (1747). ويُعد القرار 1929 الأكثر شمولًا، إذ ينص على عقوبات ضد الشحن الإيراني، واحتجاز السفن، وحظر الخدمات المينائية، وتقييد التأمين الدولي، ومنع نقل الأسلحة الثقيلة إلى إيران. وبذلك تعيد هذه القرارات فرض حصار متعدد الأبعاد ماليًا ولوجستيًا وتكنولوجيًا، قد يشل القطاع الخاص الإيراني.
الأثر المتسلسل للعقوبات
من أبرز المخاطر المرتبطة بعودة عقوبات مجلس الأمن هو «أثر الدومينو»؛ إذ يؤدي استهداف حلقة واحدة كالبنوك أو الموانئ إلى تعطيل سريع لسلاسل التوريد كلها. وخلال جولة العقوبات السابقة، تأثرت واردات الدواء والمعدات الطبية رغم أنها مستثناة رسميًا، بسبب إحجام البنوك وشركات التأمين عن التعامل خشية العقوبات الأميركية. هذا السلوك المعروف دوليًا بـ«الامتثال المفرط» يضاعف من الأثر السلبي للعقوبات.
السيناريو المتوقع أمام الاقتصاد الإيراني
يرجح محللون أنه في حال تفعيل الآلية، ستواجه إيران مزيجًا من ضغوط دبلوماسية متوترة وإجراءات تقييدية متدرجة، بحيث لا يقتصر الأمر على الاقتصاد بل يتسع ليزيد المخاطر النظامية على الاقتصاد الوطني.
تهديد مُصمَّم لا عشوائي
تعد آلية الزناد فخًا هيكليًا وُضع لإيقاع أقصى قدر من الضغط على إيران بأدنى تكلفة سياسية على الغرب. ويستدعي هذا الوضع، إلى جانب الجهود الدبلوماسية لمحاولة إلغائها أو الحد من آثارها، استعداد القطاع الخاص والاقتصاد الحقيقي لسيناريوهات أشد قسوة، حيث قد تصبح حتى الأنشطة «المشروعة» عمليًا غير ممكنة. وفي هذا السياق، يشكل إنشاء فرق لإدارة الأزمات خطوة أولى لتعزيز قدرة القطاع الخاص على الصمود وتقليص المخاطر النظامية المتوقعة مع تفعيل الآلية.



