الصحافة الإيرانية: ما الأهداف الاستراتيجية التي تدفع تركيا إلى مواصلة وجودها العسكري في العراق؟

قال محلل في شؤون غرب آسيا إن وجود القوات التركية في أكثر من 60 موقعاً عسكرياً شمالي العراق يعكس مشروعاً طويل الأمد لدى أنقرة لتوسيع نفوذها الجيوسياسي في المنطقة.

ميدل ايست نيوز: قال محلل في شؤون غرب آسيا إن وجود القوات التركية في أكثر من 60 موقعاً عسكرياً شمالي العراق، إلى جانب الهجمات المتكررة على المناطق الجبلية، يعكس مشروعاً طويل الأمد لدى أنقرة لتوسيع نفوذها الجيوسياسي في المنطقة.

الوجود العسكري التركي في العراق

وفي حديثه إلى موقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية الإيرانية، أشار محمد صالح صدقيان إلى استمرار الوجود العسكري التركي في شمال العراق رغم الإعلان الرسمي عن حلّ حزب العمال الكردستاني. وقال: «إن بقاء الجيش التركي في الأراضي العراقية رغم تفكيك هيكل حزب العمال ونزع سلاحه يدل على أن أنقرة تتجاوز مجرد ذريعة مكافحة الإرهاب، وأن لديها أهدافاً أوسع».

وأضاف محلل الشؤون العراقية: «على مدى أربعة عقود، بررت تركيا وجودها العسكري في شمال العراق بمحاربة حزب العمال الكردستاني. لكن اليوم، بعد أن تخلى الحزب عن السلاح وحلّ جناحه المسلح، لم يعد هناك أي مبرر لمواصلة العمليات العسكرية أو الحفاظ على القواعد التركية داخل العراق».

وتابع: «انتشار القوات التركية في أكثر من ستين موقعاً عسكرياً شمالي العراق، إلى جانب الهجمات المتواصلة على المناطق الجبلية، يكشف عن خطة استراتيجية طويلة الأمد لزيادة نفوذ أنقرة الجيوسياسي في غرب آسيا».

وأكد المحلل الإيراني أن «الحكومة العراقية طالبت تركيا مراراً بسحب قواتها، لكن أنقرة تواصل البقاء مستندة إلى رواية حماية الأقليات القومية والدينية في شمال العراق. في الواقع، تعمل تركيا على إعادة صياغة مفهوم الأمن الإقليمي بما يسمح لها بمدّ حدود نفوذها حتى عمق الأراضي العراقية».

وأوضح صدقيان قائلاً: «عندما يدّعي أردوغان أن دول الجوار ترحب بالوجود العسكري التركي، فإنه يروّج لرواية سياسية تخالف الوقائع الميدانية والمواقف الرسمية للحكومة العراقية. الهدف من هذا الخطاب هو منح الوجود التركي في العراق شرعية سياسية وإقليمية، رغم أنه يمثل انتهاكاً واضحاً لسيادة الدولة بموجب القانون الدولي».

النفوذ العسكري التركي من العراق إلى ليبيا

وتابع صدقيان أن النظر إلى الوجود التركي في العراق يجب أن يكون ضمن شبكة أوسع من التدخلات العسكرية. وقال: «الوجود العسكري التركي في العراق ليس سوى جزء من منظومة تمتد إلى سوريا وليبيا وأذربيجان وبعض دول آسيا الوسطى». وأضاف: «خلال العقد الأخير، تجاوز الجيش التركي سياسة الدفاع التقليدي عن الحدود، وبات قوة تؤدي دوراً واسعاً في الإقليم، من عملية “نبع السلام” في سوريا إلى نشر قوات في ليبيا ودعم أذربيجان في حرب قره باغ. هذه التحركات تعكس ما يمكن تسميته “عسكرة السياسة الخارجية التركية”».

وأردف الخبير قائلاً: «تركيا اليوم تسعى إلى تكريس نفسها قوة إقليمية عابرة للحدود. مشاريع مثل “الممر التركي” وبناء شبكات اتصال جيوستراتيجية بين أنقرة وباكـو ودول آسيا الوسطى الناطقة بالتركية تأتي في هذا السياق. هذا الممر لا يقتصر على جانبه الاقتصادي فقط، بل يحمل أبعاداً عسكرية وأمنية أيضاً». كما أشار إلى أن «التعاون العسكري مع قطر وعدد من الدول العربية يوضح أن تركيا تحاول، إلى جانب تحالفاتها الثقافية واللغوية في القوقاز وآسيا الوسطى، بناء تحالفات دينية متعددة الطبقات لتعزيز دورها في غرب آسيا وشمال أفريقيا».

وبيّن صدقيان أن هذه الدينامية «تشكل محاولة تركية لملء فراغ القوة الناتج عن التراجع التدريجي للدور الأميركي في المنطقة. أنقرة تمزج بين عناصر القوة العسكرية والاقتصاد والهوية الدينية والثقافة لتأسيس كتلة نفوذ تركية ـ إسلامية تمتد من شرق المتوسط حتى آسيا الوسطى».

الأهداف الجيوسياسية والطاقة في إعادة تشكيل معادلات المنطقة

وفي الجزء الأخير من المقابلة، أكد الخبير أن فهم التحركات التركية لا يكتمل من دون النظر إلى الأهداف الجيوسياسية والطاقة. وقال: «تركيا تعمل على ترسيخ وجود عسكري يمكّنها من السيطرة على طرق الطاقة ومسارات النقل الجديدة». وأضاف: «تسعى أنقرة إلى الاستفادة من موقعها الجغرافي للتحول إلى مركز توزيع رئيسي للطاقة. والسيطرة على شمال العراق تعني السيطرة على خطوط نقل النفط والغاز إلى أوروبا. لذلك، فإن التموضع العسكري التركي في المناطق الجبلية والحدودية يضمن عملياً التحكم في أمن خطوط الأنابيب ومسارات التصدير».

وقال صدقيان: «الهدف التركي لا يقتصر على الأمن، بل يشمل إعادة تشكيل النظام الجيوسياسي في المنطقة بما يخدم مصالح أنقرة. أردوغان يحاول عبر مزيج من الطاقة والاقتصاد والقوة العسكرية رفع مكانة تركيا من قوة إقليمية إلى لاعب أوراسي مؤثر». وأضاف: «هذه السياسة تُقدّم بواجهة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن القومي، لكنها في جوهرها تستند إلى مبدأ توازن القوى والردع. تريد تركيا أن تكون صاحبة كلمة في كل الملفات من العراق وسوريا إلى ليبيا والقوقاز».

وفي الختام، شدد الخبير على أن «تطورات السنوات الأخيرة، إلى جانب سياسات الطاقة والاقتصاد التي تعتمدها أنقرة، تقدم صورة واضحة عن سعي تركيا لتشكيل نظام إقليمي جديد، ترى فيه نفسها محوراً جيوسياسياً يربط أوروبا بآسيا. والوجود العسكري المستمر في العراق ليس سوى أحد أدوات تنفيذ هذا المشروع».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى