إيران.. صراع وتبادل اتهامات حول 27 مليار دولار عائدات الصادرات المفقودة
تحول الغموض الذي يحيط بوضع إعادة عائدات الصادرات الإيرانية إلى أحد أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للجدل في البلاد خلال عام 2025.
ميدل ايست نيوز: تحول الغموض الذي يحيط بوضع إعادة عائدات الصادرات الإيرانية إلى أحد أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للجدل في البلاد خلال عام 2025، وهذه المرة ظهر الخلاف بشكل علني بين علي مدني زاده، وزير الشؤون الاقتصادية والمالية في حكومة بزشكيان، ونائب محافظ البنك المركزي لشؤون النقد الأجنبي. تزداد أهمية هذا الملف عندما نعلم أن إجمالي العملات الأجنبية الناتجة عن الصادرات التي لم تعد إلى البلاد منذ بداية عام 2024 وحتى اليوم بلغ 27 مليار دولار، وهو رقم شكّل في ظل أزمة تأمين العملة الصعبة ضغطاً مضاعفاً على السوق وعلى واردات السلع الأساسية وعلى ميزان المدفوعات.
ووجّه وزير الاقتصاد الإيراني خلال اجتماع مجلس نواب هيئة البورصة أصابع الاتهام إلى الشركات الحكومية والشركات التي تُعد ظاهرياً خاصة لكنها مرتبطة بمؤسسات حكومية وسيادية، وقال: «للأسف، بعض الشركات التابعة للدولة أو الشركات شبه الحكومية والخصخصة الشكلية لم تقم بإعادة العملات الأجنبية. لكننا سنقوم بإجراءات بموجب القوانين ونجبرهم على إعادة عائدات الصادرات؛ وضمان التنفيذ سيكون عبر الالتزامات الضريبية والأدوات القضائية. بعض الموارد عالقة في حسابات استئمانية، وسنتخذ إجراءات لإعادتها».
وتأتي هذه التصريحات في وقت يقدّم فيه نائب محافظ البنك المركزي لشؤون النقد الأجنبي رواية مختلفة، محاولاً رفع العبء الأساسي لهذه الأزمة عن كاهل الشركات الحكومية الكبرى.
الشركات الحكومية أم القطاع الخاص؟
نفى نائب محافظ البنك المركزي الإيراني لشؤون النقد الأجنبي ادعاءات وجود ديون واسعة على الشركات الحكومية الكبرى، وأعلن أنه خلافاً للتصور العام، فإن الصناعات الكبرى وشركات البتروكيماويات تتحمل حصة ضئيلة من عدم إعادة العملات الأجنبية. ووفقاً له، فإن نحو 95 في المئة من عائدات الصادرات في الصناعات الكبرى قد أُعيدت، فيما يعود أكثر من 50 في المئة من العملات غير المعادة إلى القطاع الخاص.
هذا الموقف أعاد إلى الواجهة واحداً من أقدم عنق الزجاجة في الفساد المرتبط بالعملة في الاقتصاد الإيراني: بطاقات الاستيراد والتصدير المؤجرة. ووفقاً لما أعلنه علي رضا كجبز زاده، جرى حتى الآن تحديد نحو 900 بطاقة تجارية مؤجرة لم تفِ مجتمعة بالتزامات عملة أجنبية بقيمة 15 مليار دولار، وهو رقم صادم، إلى جانب الإعلان عن وجود 15 بطاقة تجارية فقط عليها التزامات غير معادة بقيمة ستة مليارات دولار، ما يكشف بصورة أوضح الطابع الشبكي لهذا التخلف.
ويظهر فحص عناوين التسجيل الخاصة بحاملي هذه البطاقات أن كثيراً منهم يقيمون في قرى نائية أو مناطق حدودية، وهي عناوين تدل بوضوح على الاستخدام الأداتي لأشخاص يفتقرون إلى القدرة الاقتصادية والتجارية. غير أن السؤال الجوهري لا يزال بلا إجابة: أي تيار اقتصادي نافذ داخل بنية الحكم يقف خلف هذه الشبكة المنظمة؟
وتتخذ أبعاد الأزمة منحى أكثر إثارة للقلق عند النظر إلى إحصاءات إصدار البطاقات التجارية خلال عام 2024. فبحسب البيانات الرسمية، جرى إصدار 34 ألف بطاقة تجارية جديدة في ذلك العام وحده، في حين كان متوسط الإصدار السنوي في السنوات السابقة يتراوح بين سبعة وثمانية آلاف بطاقة. هذه الزيادة التي بلغت أربعة أضعاف تُفسّر أكثر من أي شيء آخر على أنها توفير أرضية لتشكيل شبكات لتلقي عائدات الصادرات وعدم إعادتها.
واستناداً إلى الإحصاءات نفسها، فإن ما لا يقل عن ألف و86 بطاقة تجارية كانت مملوكة لمصدّرين لا يملكون أي سجل سابق في التصدير. مع ذلك، وفي وقت لا تزال فيه العديد من السلع الأساسية بانتظار تخصيص العملة، تسببت هذه البطاقات في التزامات عملة أجنبية بلغت 7.5 مليارات يورو، لم يعد منها إلى البلاد سوى نحو 500 مليون يورو.
وتظهر مراجعة السوابق أن هذا النمط من الفساد ليس ظاهرة جديدة. ففي عام 2015، أعلن علي بعيدي، المدير العام لتكنولوجيا المعلومات في الجمارك، أنه باستخدام بطاقة تجارية لامرأة ريفية تقطن منطقة حدودية، ودفع مبلغ 100 ألف تومان لها فقط، جرى استيراد 700 سيارة بورشه إلى البلاد.
فجوة سعر الصرف، المحرك الأساسي للامتناع عن إعادة الأموال
في تحليل الجذور الاقتصادية لهذه الأزمة، يشير كامران سلطاني زاده، الأمين العام السابق لرابطة الصرافين، إلى الفجوة العميقة بين سعر الصرف في مركز المبادلات وسعره في السوق الحرة. ووفقاً له، ففي ظل الارتفاع المستمر في أسعار العملات الأجنبية، تفكر الشركات الاقتصادية قبل كل شيء في مصالحها المالية، ويغدو الاحتفاظ بعائدات الصادرات أو بيعها في السوق الحرة قراراً منطقياً من زاوية الربحية.
الارتفاع الذي اقترب من 100 في المئة في سعر الدولار خلال عام 2024 أتاح فرصة غير مسبوقة لهذه الجهات لتغطية الخسائر المتراكمة عبر فارق الأسعار، وهو ربح يقول منتقدون إن جزءاً منه يدور داخل الدورة الاقتصادية للصناعات الحكومية في صورة ريع ورشاوى.



