الصحافة الإيرانية: هل اختارت أوروبا الحسابات الاقتصادية ونأت بنفسها عن حرب إيران؟

لا تتجه أوروبا في المرحلة الراهنة إلى تقارب كامل مع إيران، ولا ترغب في الوقت نفسه في اتباع الولايات المتحدة بشكل أعمى، بل إن ما يتبلور اليوم هو أولوية المصالح الاقتصادية.

ميدل ايست نيوز: ترتبط الحرب التي تشنها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران بالنسبة لأوروبا بما هو أبعد من مجرد أزمة سياسية في الشرق الأوسط؛ إذ تتشابك هذه الحرب مباشرة مع أسعار الطاقة، وتكاليف التأمين، وأمن الملاحة، واستقرار سلاسل الإمداد، ومعدلات التضخم، والنمو الاقتصادي في القارة الأوروبية.

يقول المستشار التجاري الإيراني في المجر، حسن أركي، في مقال لصحيفة شرق، إن ما ذكر بالأعلى هو سبب لعدم إبداء شريحة مهمة من أوروبا استعدادها، خلافاً لبعض التجارب السابقة، للانخراط دون حساب في المسار العسكري الذي تقوده واشنطن. وقد دعا مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي رسمياً إلى الخروج من دائرة الحرب والتوجه نحو حل سياسي، محذراً في الوقت ذاته من أن مصالح أوروبا باتت معرضة للخطر بشكل مباشر. كما وصف مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي إعادة فتح مسارات الطاقة والغذاء والنقل عبر مضيق هرمز بأنها «أولوية عاجلة».

وهنا لا يخفى على القارئ أن ابتعاد أوروبا عن الولايات المتحدة لم يكن بدافع التعاطف مع إيران، بل انطلاقاً من حسابات مصالحها الذاتية. ولا تزال تجربة حرب العراق حاضرة في الذاكرة السياسية الأوروبية، إذ لم تتحقق وعودها، بل أدت إلى موجة من انعدام الأمن، وضغوط الهجرة، وعدم استقرار الطاقة، وتكاليف اقتصادية باهظة على أوروبا. ولهذا السبب، رفضت إسبانيا المشاركة في أي عمليات عسكرية في مضيق هرمز، واعتبرتها جزءاً من حرب غير قانونية. وفي الوقت نفسه، أكدت فرنسا أن حلف شمال الأطلسي لم يُصمم لعمليات هجومية في هرمز، وشدد رئيسها على الإطار القانوني والدبلوماسي، لا الحل العسكري.

ينبغي فهم السلوك الأوروبي في إطار ثلاثة اعتبارات اقتصادية واستراتيجية رئيسية. أولها هشاشة أوروبا أمام صدمات الطاقة؛ فمضيق هرمز ليس ممراً عادياً، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على أسعار النفط والغاز والبتروكيماويات والنقل البحري والأسواق المالية. وقد أقرت تقارير دولية ومسؤولون أوروبيون بأن الحرب الحالية رفعت أسعار الطاقة وأضرت مباشرة بمصالح أوروبا. وبالنسبة لقارة لم تتمكن بعد من احتواء الآثار التضخمية للأزمات الأخيرة، فإن الدخول في حرب من شأنها تعميق هذه الصدمات يعد خياراً غير عقلاني اقتصادياً. أما الاعتبار الثاني، فهو القلق من اضطراب سلاسل الإمداد والتجارة؛ إذ إن أوروبا، حتى وإن استخدمت خطاباً أمنياً في الظاهر، تبدي في عمق قراراتها مخاوف تتعلق بتكاليف السلع، وتأخيرات النقل، وارتفاع أسعار التأمين، وعدم اليقين في الأسواق، والضغوط على صناعاتها. وعندما يصف مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي استعادة تدفق الطاقة والغذاء والنقل عبر هرمز بأنها أولوية عاجلة، فإنه يتحدث بلغة الاقتصاد والإنتاج، لا بلغة الدبلوماسية فقط. من هذا المنطلق، فإن معارضة توسيع الحرب ليست خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة اقتصادية.

أما الاعتبار الثالث، فيتمثل في الميل المتزايد لدى أوروبا نحو قدر من الاستقلالية في اتخاذ القرار الاستراتيجي. فقد تصاعدت خلال السنوات الأخيرة الخلافات بين أوروبا والولايات المتحدة بشأن تكاليف الأمن، والرسوم الجمركية، والحرب في أوكرانيا، ومستقبل العلاقات عبر الأطلسي. وفي سياق الحرب ضد إيران، أظهرت بعض الدول الأوروبية بوضوح أنها غير مستعدة لتحمل كلفة أزمات تُصاغ في واشنطن على حساب شعوبها واقتصاداتها. تشير تقارير موثوقة إلى أن ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا ابتعدت، في المرحلة الحالية على الأقل، عن المشاركة في أي مهمة عسكرية في الخليج، كما لا يوجد داخل أوروبا إجماع واضح على الانخراط في عمليات هجومية.

ومع ذلك، يقتضي التحليل الدقيق عدم إغفال حقيقة مهمة، وهي أن ابتعاد أوروبا عن الولايات المتحدة لا يعني اصطفافها إلى جانب إيران. فلا تزال الوثائق الرسمية للاتحاد الأوروبي تتضمن انتقادات حادة لإيران في ملفاتها النووية والصاروخية والإقليمية، كما يحافظ مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد على خطاب نقدي تجاه طهران. وعليه، فإن ما يجري اليوم لا يمثل «تحولاً أوروبياً نحو إيران»، بل امتناعاً عن تحمل كلفة الحرب الأمريكية. هذا التمييز مهم تحليلياً، لأن تجاهله قد يؤدي إلى الخلط بين الفرصة والوهم، وهو ما قد ينعكس لاحقاً على الاقتصاد.

يرى الساسة في إيران أن هذه المعطيات تتيح فرصة دبلوماسية واقتصادية محدودة لكنها حقيقية في ذات الوقت. فهي فرصة يمكن من خلالها البناء على الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة، والتأكيد على القانون الدولي، ورفض استهداف الأعيان المدنية، وتسليط الضوء على كلفة الحرب على الطاقة والتجارة العالمية، لإيصال الرواية الإيرانية بلغة المصالح المشتركة. لكنها تبقى فرصة محدودة، لأن أوروبا لا تزال معنية باحتواء الأزمة، وضمان أمن الملاحة، ومنع تفاقم التكاليف الاقتصادية، وقد تعود إلى نهج الضغط الجماعي إذا رأت أن هذه المصالح مهددة من الجانب الإيراني. وتشير الاتصالات الدبلوماسية الأخيرة بين الاتحاد الأوروبي ووزير الخارجية عباس عراقجي إلى أن بروكسل، رغم الخلافات، ما زالت تحافظ على قنوات الحوار مفتوحة.

وعليه، يمكن استخلاص خلاصة استراتيجية مفادها أن أوروبا في المرحلة الراهنة لا تتجه إلى تقارب كامل مع إيران، ولا ترغب في الوقت نفسه في اتباع الولايات المتحدة بشكل أعمى. بل إن ما يتبلور هو أولوية المصالح الاقتصادية، واستقرار سوق الطاقة، وأمن التجارة، وتجنب الحرب، على حساب المغامرات العسكرية. بالنسبة لإيران، فإن المهمة الأساسية في هذه المرحلة تكمن في توظيف هذا التباين عبر دبلوماسية ذكية وخطاب قانوني يبرز الآثار المدمرة للحرب على التجارة العالمية والاقتصاد الأوروبي، وتحويله إلى مكسب سياسي واقتصادي. بعبارة أوضح، فإن أوروبا اليوم تتخذ قراراتها بلغة المصالح، ما يستدعي من إيران مخاطبتها باللغة ذاتها مع الحفاظ على مصالحها الوطنية.

اقرأ المزيد

لماذا لا تنضم أوروبا إلى آلة الحرب الأمريكية؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى