الصحافة الإيرانية: ماذا خلفت الهجمات على منشآت البتروكيماويات في إيران؟
أفادت تقارير شبكة إعلام البتروكيماويات الإيرانية وتأكيدات مسؤولي «فجر» أن وحدتي «فجر 1» و«فجر 2» تعرضتا لإصابات مباشرة، ما أدى إلى خروج نحو 1750 ميغاواط من قدرة توليد الكهرباء من الخدمة.
ميدل ايست نيوز: استهدفت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران نقطتين حيويتين في البنية التحتية الاقتصادية للبلاد، تمثّلتا في ضرب توربينات شركة «فجر إنرجي الخليج الفارسي» في ماهشهر، ثم مرافق الخدمات في «مبين إنرجي» و«دماوند إنرجي» في عسلويه. ولم تكن هذه العمليات ذات طابع عسكري بحت، بل شكّلت ضربات مباشرة للبنية التحتية التي يحتاجها المواطنون في قطاع طاقة صناعة البتروكيماويات الإيرانية.
وقال مهدي فيض، الخبير في الصناعات البتروكيماوية، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إن المنطقة الاقتصادية الخاصة تقع في ماهشهر، التي تمتد على مساحة 2600 هكتار على ساحل الخليج في محافظة خوزستان، وهي ليست مجرد مجمع صناعي، بل شريان حيوي للصادرات غير النفطية الإيرانية. وتضم هذه المنطقة شركات عملاقة مثل «بتروكيماويات بندر إمام» بطاقة اسمية تبلغ 6.555 مليون طن، و«بتروكيماويات مارون» بطاقة 4.655 مليون طن، و«بتروكيماويات بوعلي سينا» بطاقة 1.74 مليون طن، و«بتروكيماويات تندغويان» بطاقة 1.588 مليون طن. إلى جانب ذلك، توجد مجمعات مثل «لاله» و«رجال» و«تخت جمشيد»، وجميعها تعرضت لأضرار. وقد بلغ إجمالي مبيعات هذه المجمعات في عام 2024 نحو 315 تريليون تومان، أي ما يعادل قرابة 4.5 مليار دولار بسعر صرف 70 ألف تومان للدولار. وتمثل هذه القيمة ما بين 1 إلى 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للبلاد، وهو رقم يكتسب أهمية استراتيجية أكبر في ظل العقوبات وقيود تصدير النفط الخام.
ويكشف فهم عمق هذه الضربة عن أهمية هيكل إمدادات الطاقة في المنطقة، إذ تلعب شركة «فجر إنرجي الخليج الفارسي» دوراً مشابهاً لشركة «مبين إنرجي» في عسلويه، باعتبارها المزوّد المركزي للكهرباء والبخار والمياه الصناعية لجميع وحدات البتروكيماويات في ماهشهر. ورغم أن هذا النموذج مركزي وفعّال اقتصادياً، فإنه يخلق نقطة ضعف حرجة يمكن أن تؤدي إلى انهيار شامل عند استهدافها.
وأفادت تقارير شبكة إعلام البتروكيماويات الإيرانية وتأكيدات مسؤولي «فجر» أن وحدتي «فجر 1» و«فجر 2» تعرضتا لإصابات مباشرة، ما أدى إلى خروج نحو 1750 ميغاواط من قدرة توليد الكهرباء من الخدمة، وتوقف إنتاج 3000 طن من البخار الصناعي في الساعة، وانقطاع الكهرباء عن جميع مجمعات البتروكيماويات في ماهشهر. ويعادل هذا الرقم نحو 1.5 مرة من قدرة محطة «شهيد رجائي» في قزوين، إحدى أكبر محطات الكهرباء الحرارية في إيران، ما يؤكد أن استهداف «فجر» لم يكن عشوائياً.
حتى صباح 6 أبريل، كان التقييم يشير إلى أن اقتصاد البتروكيماويات الإيراني تعرّض لضرر كبير لكنه قابل للإدارة، نظراً لسلامة منطقة عسلويه ومجمعات «بارس الجنوبي». غير أن خروج مرافق «مبين إنرجي» و«دماوند إنرجي» عن الخدمة في اليوم التالي غيّر المعادلة بالكامل، إذ أدى إلى تعطّل الشريانين الرئيسيين لإمدادات الطاقة في القطاع، ما أسفر عن توقف أكثر من 80 في المئة من القدرة الإنتاجية لصناعة البتروكيماويات.
وتُعد «مبين إنرجي الخليج الفارسي» مزوّداً رئيسياً للطاقة في عسلويه بقدرة تبلغ نحو 3500 ميغاواط وأكثر من 5000 طن من البخار الصناعي في الساعة، حيث تغذي شركات كبرى مثل «بتروكيماويات جم» و«بارس» و«تبريز» و«فناوران» و«أروند» و«خارك»، فيما تضم المنطقة أكثر من 60 في المئة من إجمالي القدرة البتروكيماوية في البلاد.
ويتطلب استبدال التوربينات الصناعية في منشآت بحجم «فجر» و«مبين» تجهيزات باهظة الثمن، إذ تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن تكلفة توربينات الغاز الصناعية بقدرة تتراوح بين 100 و300 ميغاواط تبلغ بين 0.8 و1.5 مليون دولار لكل ميغاواط. وبناءً على ذلك، تُقدّر خسائر «فجر» وحدها بين 1.4 و2.6 مليار دولار، فيما تتراوح خسائر «مبين» بين 2.8 و5.2 مليار دولار، إضافة إلى 0.4 إلى 0.7 مليار دولار لـ«دماوند». ومع القيود الناتجة عن العقوبات، تضطر إيران إلى شراء هذه المعدات عبر وسطاء وبأسعار أعلى بنسبة 30 إلى 50 في المئة، ما يرفع إجمالي الخسائر إلى ما بين 6.6 و12.9 مليار دولار.
كما يشكل توقف إنتاج البخار الصناعي عاملاً حاسماً، إذ يلعب دوراً أساسياً في عمليات التكسير والفصل والتبريد، ما يعني أن حتى الوحدات التي تمتلك كهرباء مستقلة لا يمكنها الاستمرار في الإنتاج. وتُقدّر كلفة إعادة بناء أنظمة البخار بين 1.1 و1.9 مليار دولار في المجمل.
وتُظهر الأرقام أن ماهشهر، التي تحقق إيرادات سنوية تبلغ 4.5 مليار دولار، تخسر نحو 12 مليون دولار يومياً، فيما تتجاوز خسائر عسلويه 41 مليون دولار يومياً. ومع توقف 80 في المئة من القدرة الإنتاجية، تتجاوز الخسائر الشهرية مليار دولار، وقد تصل الخسائر التراكمية خلال فترة إعادة إعمار تمتد 24 شهراً إلى ما بين 22 و27 مليار دولار، وهو رقم يفوق عدة مرات حجم الأضرار المادية المباشرة.
وفي الوقت نفسه، لم يقتصر تأثير هذه المواجهة على جانب العرض الإيراني، إذ نفذت إيران هجمات مضادة استهدفت بنى تحتية للطاقة والبتروكيماويات في دول المنطقة، ما أدى إلى اضطرابات في بعض المنشآت الصناعية في الخليج، رغم أن التفاصيل لا تزال غير واضحة. وقد أدى ذلك إلى انخفاض متزامن في الإمدادات من عدة مصادر إقليمية، ما تسبب في ضغوط سعرية في أسواق البولي إيثيلين والبولي بروبيلين والميثانول، حيث تساهم إيران ودول الخليج بأكثر من 35 في المئة من الإمدادات العالمية للبولي بروبيلين ونحو 25 في المئة من الميثانول.
وتختلف قدرات التعافي بين الأطراف، إذ تتمتع دول مثل السعودية والإمارات وقطر بإمكانية الوصول إلى الأسواق المالية الدولية، ما يتيح لها تمويل إعادة الإعمار بسرعة عبر أدوات مثل السندات أو صناديق الثروة السيادية، إضافة إلى قدرتها على شراء المعدات مباشرة من الشركات المصنعة دون قيود. في المقابل، تفتقر إيران إلى هذه المزايا، ما يجعل عملية التعافي أبطأ بكثير، ويؤدي إلى انتقال حصتها السوقية إلى المنافسين الإقليميين، وهي خسارة قد تستغرق سنوات لتعويضها حتى بعد انتهاء الحرب.



