إيران أمام “الثقب الأسود السكاني”.. توقعات بتراجع عدد السكان إلى 30 مليونًا بحلول 2100

حذّرت التقديرات السكانية من أن وصول عدد سكان إيران إلى 30 مليون نسمة بحلول عام 2100، قد يشكل تهديدًا لمسار التنمية في البلاد.

ميدل ايست نيوز: حذّرت التقديرات السكانية من أن وصول عدد سكان إيران إلى 30 مليون نسمة بحلول عام 2100، قد يشكل تهديدًا لمسار التنمية في البلاد، باعتبار أن العنصر البشري يمثل الأداة الأهم لتحقيق التنمية في المجتمعات.

وأظهرت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة ومنظمة تسجيل الأحوال المدنية والمركز الوطني للإحصاء في إيران، أن مسار النمو السكاني في البلاد لم يتوقف فحسب خلال السنوات الماضية، بل دخل أيضًا في منحى تنازلي.

وربما تشكل هذه الأرقام ناقوس خطر لمجتمع يشهد ارتفاعًا متزايدًا في نسبة كبار السن، بالتزامن مع استمرار تراجع معدلات المواليد.

وقال علي زارعان، عضو فريق السكان في أكاديمية العلوم الطبية الإيرانية، إن الإحصاءات الرسمية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن عدد سكان السعودية سيصل إلى نحو 350 مليون نسمة بحلول عام 2100، فيما ستصبح باكستان، بعدد سكان يقدر بنحو مليار و100 مليون نسمة، من بين أكثر دول العالم اكتظاظًا بالسكان، في حين يتوقع أن يتراوح عدد سكان إيران خلال الفترة نفسها بين 30 و32 مليون نسمة.

وأضاف أن استمرار انخفاض عدد السكان سيجعل إيران عرضة لما وصفه بـ”الاجتياح السكاني”، الأمر الذي قد يضع مستقبل البلاد الحضاري والهووي أمام تحديات خطيرة.

وإذا استمرت إيران في اتباع النهج السكاني الحالي، فمن المتوقع أن يصل عدد سكان البلاد بعد 75 عامًا، أي بحلول عام 2101، إلى حدود 30 مليون نسمة.

وفي تعليقه على توقف نمو المواليد في البلاد، قال رضا سعيدي، رئيس مركز دعم الشباب السكاني في وزارة الصحة، إن استمرار التراجع الحالي في عدد الولادات سيقود إيران خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة إلى مرحلة “الصفر السكاني”، قبل أن تدخل بعد ذلك في مرحلة النمو السكاني السلبي.

وأضاف أن عدد المواليد الجدد في البلاد يتراجع سنويًا بنسبة تتراوح بين 7 و10 بالمئة مقارنة بالعام السابق، فيما بلغ معدل النمو السكاني حاليًا نحو 0.5 بالمئة فقط. وأوضح أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى وصول معدل النمو السكاني إلى الصفر بحلول عام 2041 تقريبًا، مرجحًا أن تدخل البلاد بعد ذلك في ما وصفه بـ”الثقب الأسود السكاني”.

وبحسب الإحصاءات الرسمية الصادرة عن منظمة تسجيل الأحوال المدنية، تم تسجيل نحو 892 ألف ولادة في إيران خلال عام 2025، مقابل نحو 450 ألف حالة وفاة. وبعد احتساب الفارق بين الولادات والوفيات، فإن الزيادة السكانية لم تتجاوز 450 ألف نسمة، أي ما يعادل تقريبًا نصف بالمئة من النمو السكاني.

ويأتي ذلك في وقت كانت إيران قد سجلت خلال العقود الماضية معدلات نمو سكاني تجاوزت 3 و4 بالمئة، بينما تراجع المعدل حاليًا إلى نصف بالمئة، وسط توقعات بأن يصل إلى الصفر خلال العقدين المقبلين.

السياسات السكانية لم تحقق أهدافها

وفي السياق ذاته، اعتبرت فاطمة ترابي، عضو فريق السكان في أكاديمية العلوم الطبية الإيرانية، أن البيانات المتعلقة بالتغيرات في معدلات الخصوبة والزواج والطلاق، تظهر بوضوح أن أهداف السياسات السكانية لم تتحقق.

وأشارت إلى أن أبرز التحديات التي تواجه السياسات السكانية تتمثل في غياب البيانات الطولية على المستوى الوطني، موضحة أن إعداد سياسات فعالة يتطلب توفير وثائق علمية داعمة تستند إلى بيانات محدثة حول العوامل المؤثرة في التغيرات المرتبطة بالأسرة والسكان.

وأضافت الباحثة المتخصصة في الديموغرافيا أن معدل الخصوبة الإجمالي لا يزال يشهد تراجعًا مستمرًا، في حين يرتفع سن الزواج، ولم تسجل معدلات الطلاق أي انخفاض، مؤكدة أن تنفيذ جزء من برامج الدعم والخدمات لم ينعكس بصورة ملموسة على المؤشرات السكانية أو على تحقيق الأهداف المرسومة في السياسات المعتمدة.

معدل الخصوبة الإجمالي

ويعد معدل الخصوبة الإجمالي أو ما يعرف بـ”TFR” من أهم المؤشرات السكانية، إذ يقيس متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم النساء بين سن 15 و49 عامًا.

ووصل هذا المعدل في إيران حاليًا إلى نحو 1.035، في حين كان يتراوح قبل أربعة عقود بين 6.5 و7 أطفال لكل امرأة. أي أن المرأة الإيرانية كانت تنجب في ذلك الوقت أكثر من ستة أطفال، بينما تراجع المعدل حاليًا إلى نحو 1.4 إلى 1.5 طفل فقط.

وفي هذا الإطار، قال رضا سعيدي، رئيس مركز دعم الشباب السكاني في وزارة الصحة، إن أي معدل خصوبة يقل عن 2.1 يعني أن المجتمع لم يعد قادرًا على الحفاظ على مستوى الإحلال السكاني. وبعبارة أخرى، يحتاج كل زوجين إلى إنجاب ما لا يقل عن 2.1 طفل للحفاظ على استقرار عدد السكان، فيما يشير انخفاض هذا المعدل إلى توجه المجتمع تدريجيًا نحو الشيخوخة، وصولًا إلى مرحلة النمو السكاني السلبي.

وضع الدول الأخرى

وتسجل بعض الدول الإفريقية معدلات خصوبة إجمالية تتجاوز 6 و7 أطفال لكل امرأة، ما يؤدي إلى نمو سكاني متسارع، في حين تراجع معدل الخصوبة في العديد من الدول الأوروبية إضافة إلى اليابان وكوريا الجنوبية إلى نحو طفل واحد أو أقل. ولهذا السبب اتجهت غالبية هذه الدول إلى تبني سياسات تستهدف استقطاب المهاجرين لتعويض جزء من الانخفاض السكاني.

60 دولة تواجه تراجع السكان أو الشيخوخة

وقال رئيس مركز دعم الشباب السكاني في وزارة الصحة إن أكثر من 60 دولة حول العالم تواجه مشكلة تراجع عدد السكان أو ارتفاع نسبة الشيخوخة، وتسعى إلى رفع معدل الخصوبة الإجمالي إلى أكثر من طفلين لكل امرأة، إلا أن معظم هذه السياسات لم تحقق نجاحًا ملموسًا.

وأشار إلى أن دولًا مثل فرنسا والسويد تمكنت، من خلال تطبيق سياسات مستقرة وجاذبة، من رفع معدل الخصوبة لديها إلى ما بين 1.7 و1.8 طفل لكل امرأة.

حرب سكانية

من جهتها، قالت مريم يزديان، المتخصصة في الطب الإيراني، إن البلاد تتجه بسرعة كبيرة نحو الشيخوخة السكانية، موضحة أن التقديرات تشير إلى أن أي دولة تدخل مرحلة الشيخوخة قد تحتاج إلى نحو 130 عامًا لاستعادة تركيبتها السكانية الشابة مجددًا.

وأضافت أنه في هذا السياق يتحدث بعض المحللين عن مفهوم “الحرب السكانية”، مشيرة إلى أن أحد مستشاري الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش كان قد صرح قبل سنوات بأنه لا حاجة لمهاجمة إيران عسكريًا، لأن البلاد قد تواجه أزمات خطيرة نتيجة مشكلتها السكانية.

وتطرقت يزديان إلى الآثار النفسية والاجتماعية للإنجاب، مؤكدة أن العائلات متعددة الأطفال تتمتع بعدد من المزايا النفسية والاجتماعية، إذ يكون الأطفال في هذه الأسر أكثر حيوية، كما يرتفع مستوى الرضا العاطفي والشعور بمعنى الحياة بين أفراد الأسرة، بينما يتراجع شعور الأطفال بالوحدة.

وأضافت أن الأطفال في هذه العائلات يكتسبون مهارات اجتماعية أكبر، ويتمتعون بثقة أعلى بالنفس، كما ترتفع احتمالات قدرتهم مستقبلًا على تقديم دعم أكبر لوالديهم.

قضية السكان أهم من الحرب

وفي معرض حديثه عن الأهمية الاستراتيجية للملف السكاني، قال علي رضا رئيسي، معاون وزير الصحة للشؤون الصحية، إن قضية السكان تفوق في أهميتها حتى التحديات العسكرية والحروب الدائرة، لأن قوة أي أمة واستمرارها يعتمدان بالدرجة الأولى على رأس المال البشري وحضور فئة الشباب.

وأشار إلى استمرار التراجع في أعداد المواليد، موضحًا أن عدد الولادات انخفض من 979 ألفًا و929 مولودًا في عام 2024 إلى 892 ألفًا و68 مولودًا في عام 2025، معتبرًا أن هذا المسار التنازلي يشكل إنذارًا خطيرًا لمستقبل البلاد السكاني.

وأضاف رئيسي، في تحليله للفجوة بين معدلات الولادة والوفاة، أن البلاد تسجل حاليًا نحو 500 ألف ولادة و500 ألف وفاة سنويًا، وأن الفارق بين الرقمين هو الذي يحدد معدل النمو السكاني. وأوضح أنه إذا ارتفع عدد الوفيات إلى 600 أو 700 ألف سنويًا، بالتزامن مع تراجع عدد الولادات إلى أقل من 800 ألف، فإن البلاد ستدخل مرحلة تتجاوز فيها الوفيات عدد الولادات، ما يعني بدء النمو السكاني السلبي.

واعترف معاون وزير الصحة بوجود أوضاع حرجة في بعض المحافظات، مشيرًا إلى أن عدد الوفيات تجاوز بالفعل عدد الولادات في محافظات جيلان والبرز ومازندران. واعتبر أن هذه الظاهرة، إلى جانب تصاعد الشيخوخة السكانية، تمثل تهديدًا خطيرًا للقوة العاملة في البلاد، متوقعًا أن يصبح واحد من كل ثلاثة إيرانيين من كبار السن خلال العقدين المقبلين.

ويبدو أن إيران دخلت بالفعل ما يمكن وصفه بـ”الحرب السكانية”، الأمر الذي يستدعي التحرك سريعًا لمعالجة نقاط الضعف في قانون دعم الشباب السكاني، إلى جانب مراجعة القوانين الأخرى التي تعرقل معالجة الأزمة الديموغرافية في البلاد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى