محمد السعدي… تفاصيل التوقيف في تركيا والمحاكمة في نيويورك

نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن محامي السعدي، قوله في المحكمة الفيدرالية في مانهاتن إن محمد السعدي اعتُقِل في تركيا وسُلِّم للسلطات الأميركية، مضيفاً أن محمد السعدي يريد منه أن يؤكد أنه "مهم جداً" أن تعرف المحكمة أنه "سجين سياسي وأسير حرب ويجب معاملته على هذا الأساس".

ميدل ايست نيوز: في الوقت الذي تلتزم فيه السلطات العراقية الصمت إزاء إعلان السلطات الأميركية اعتقال محمد باقر السعدي، القيادي البارز في “كتائب حزب الله” ومعاون آمر اللواء 47 في “الحشد الشعبي”، واقتياده إلى نيويورك لمواجهة تهم تنفيذ أعمال إرهابية والتخطيط لهجمات داخل الولايات المتحدة وأوروبا، كشفت تقارير إعلامية وتصريحات مسؤولين عراقيين تفاصيل بشأن قضيته التي بدأت بالتفاعل سياسياً.

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز الجمعة الماضي عن محامي السعدي، أندرو دالاك، قوله في المحكمة الفيدرالية في مانهاتن إن محمد السعدي اعتُقِل في تركيا وسُلِّم للسلطات الأميركية، مضيفاً أن محمد السعدي يريد منه أن يؤكد أنه “مهم جداً” أن تعرف المحكمة أنه “سجين سياسي وأسير حرب ويجب معاملته على هذا الأساس”.

وكانت شبكة “إيه بي سي نيوز” قد ذكرت، أول من أمس السبت، أن محمد السعدي اعتُقل في تركيا وسُلِّم للأميركيين. وهو ما أكده أيضاً لموقع “العربي الجديد” نائب عراقي سابق عن “تحالف الفتح”، تحدث شرط عدم الكشف عن هويته، قائلاً إن السعدي اعتُقِل في مطار إسطنبول الدولي، بعد وصوله كمحطة عبور إلى روسيا في الثاني من الشهر الحالي.

وبيّن أن محمد السعدي لم يكن بمفرده، بل مع شخص آخر، وأُوقِف من قبل الأمن التركي لدى وصوله، وكانت هناك اتصالات بين مسؤولين عراقيين ونظرائهم في تركيا، حيث عادة ما تكون هناك عمليات توقيف مماثلة لعراقيين، ويتم إخلاء سبيلهم بتدخل من بغداد، لكن هنا اكتُشِف تسليم الأتراك محمد السعدي للأميركيين بعد ساعات قليلة، ما يشير إلى وجود علم مسبق بوصوله، على حد وصفه.

وأشار النائب إلى أن الشخص الذي كان يرافق السعدي، أُخلي سبيله وعاد إلى العراق ولم يكمل رحلته. وأكد أن السعدي غير مطلوب “على الأقل بشكل معلن لا يوجد مذكرة قبض دولية بحقه، ولم تطلب واشنطن تسليم العراق له، على عكس المتداول حالياً”. في المقابل، لم يصدر أي موقف رسمي تركي حتى مساء أمس بخصوص اعتقال السعدي.

وفي سياق تفاعل القضية سياسياً، قدمت نور عادل العتابي، النائبة عن كتلة “بدر” البرلمانية بزعامة هادي العامري، سؤالاً نيابياً للحكومة، أول من أمس السبت، بشأن احتجاز مواطن عراقي في تركيا وتسليمه لأميركا.

وطالبت في نص الوثيقة التي اطلعت عليها “العربي الجديد” بالحصول على إجابة عن “الإجراءات الدبلوماسية التي اتبعتها الحكومة والسفارة العراقية في تركيا بشأن اعتقال السلطات التركية المواطن العراقي محمد باقر السعدي وتسليمه لأميركا بصورة مخالفة لدستور العراق، وما هي الإجراءات القانونية المتخذة للدفاع عن المواطن المعتقل”.

وأضافت: “نود معرفة إذا تم إشعار مكتب رئيس مجلس الوزراء والسلطات الأمنية المختصة العراقية بالحادثة المذكورة من عدمه، وما موقف السفارة العراقية في تركيا، وهل اطلعت على مذكرة القبض الصادرة ضد المواطن العراقي أم لا، وما موقف الحكومة بخصوص تسليم مذكرة احتجاج رسمية للحكومتين التركية والأميركية بشأن الحادثة؟”.

وفيما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز بعض تفاصيل اعتقاله، أشارت إلى أن الشكوى الجنائية المقدمة ضد السعدي تتهمه بالتخطيط لنحو 20 هجوماً على المصالح الأميركية والإسرائيلية في أوروبا وكندا منذ أواخر فبراير/ شباط الماضي.

وجاء في الشكوى، التي وقعها عميل في مكتب التحقيقات الفيدرالي، أن “حركة أصحاب اليمين (التي تبنت عدة عمليات في أوروبا والتي تصنفها واشنطن أنها إحدى الأذرع المرتبطة بجماعة “كتائب حزب الله”) استطاعت تفعيل خلايا إرهابية في جميع أنحاء أوروبا” رداً على الحرب في إيران.

وتزعم الشكوى أن السعدي كان يخطط لقتل “الأميركيين واليهود” في لوس أنجليس وأريزونا، وأنه بدأ التخطيط لهجوم على كنيس في مدينة نيويورك. وأشارت إلى أن محمد السعدي ناقش، في مكالمة هاتفية بتاريخ 20 مارس/ آذار الماضي، مع شخص ما الهجمات في أوروبا، وقال إنه طلب المساعدة في تخطيط هجمات إضافية في الولايات المتحدة وإنه مستعد لقتل أشخاص فيها.

وأشار إلى “أصحاب اليمين” في المكالمة، لكنه قال إنهم لا يحتاجون إلى مساعدة في أوروبا. وتصف الشكوى الشخص الذي تحدث معه السعدي فقط بأنه “مصدر معلومات لمكتب التحقيقات الفيدرالي” الذي سجل المكالمة وقدم معلومات طوعاً للمكتب عن الموقوف.

السعدي، الذي برز اسمه بعد عام 2017 بوصفه قيادياً في “كتائب حزب الله”، ومقرباً من زعيمها السابق أبو مهدي المهندس، وقائد “فيلق القدس” التابع إلى الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني اللذين اغتیلا معاً بغارة أميركية في عام 2020 قرب مطار بغداد، من مواليد عام 1992، من سكان مدينة الصدر شرقي بغداد، ووالده، باقر سعد داود السعدي، من الكوادر المتقدمة في منظمة “بدر”، التي يتزعمها هادي العامري، وفقاً لمعلومات حصلت عليها “العربي الجديد”، خلال رحلة التقصي عنه.

لكنه يقيم في منطقة الكرادة ببغداد، التي تحولت أخيراً إلى مركز مهم لمكاتب الفصائل المسلحة. وظهر اسم محمد السعدي على جدار السفارة الأميركية ببغداد، عند اقتحامها في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2019، مع عبارة “محمد باقر السعدي مرّ من هنا”، ضمن جملة كتابات تركها مقتحمو السفارة وجرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي.

وجاء الإعلان الأميركي عن اعتقال محمد السعدي في 15 مايو/ أيار الحالي، ببيان وزارة العدل، الذي أوضح أن السعدي، الذي أُحضِر إلى الولايات المتحدة، يواجه تهماً مرتبطة بالإرهاب أمام المحكمة الفيدرالية.

ووفقاً للبيان، فإن السعدي نُقل إلى عهدة أميركية في الخارج قبل جلبه إلى الولايات المتحدة، حيث مثل أمام المحكمة الفيدرالية، وتقرر حبسه احتياطياً بانتظار محاكمته عن التهم المنسوبة إليه. الادعاء الأميركي وجّه للسعدي تهم تنسيق 20 هجوماً ودعمها، ومحاولة هجوم في أوروبا والولايات المتحدة وكندا خلال الفترة الأخيرة، من بينها، وفقاً لبيان وزارة العدل الأميركية، وتنفيذ هجوم بالمتفجرات منتصف مارس/ آذار الماضي، على فرع بنك نيويورك مليون، في أمستردام، تبنته جماعة “أصحاب اليمين”، التي تصنفها واشنطن أنها إحدى الأذرع المرتبطة بجماعة “كتائب حزب الله”، وكذلك تنفيذ حريق في كنيس يهودي في مقدونيا الشمالية في 12 إبريل/ نيسان 2026، وكذلك عملية طعن يهوديين في لندن في 29 إبريل الماضي، أحدهما يحمل الجنسية الأميركية، إلى جانب تهم أخرى، فيما لم تقدم وزارة العدل الأميركية في بيانها أي أدلة مادية أو قرائن على تورطه بها.

أميركا تتهم السعدي بالارتباط بجماعة “أصحاب اليمين”

وتورد واشنطن اسم السعدي بكونه مرتبطاً بجماعة “أصحاب اليمين”، التي ظهرت خلال الحرب على إيران، وتبنت هجمات على مصالح أميركية وإسرائيلية في دول مختلفة، أغلبها أوروبا. ويظهر أن التقارير والتصريحات الأميركية تربط بين الجماعة الجديدة والحرس الثوري الإيراني.

ولا يخضع السعدي لأي عقوبات أميركية على غرار قيادات وأعضاء آخرين في فصائل عراقية، ويتنقل بجواز سفر دبلوماسي عراقي، يُمنح لكبار المسؤولين والقادة العسكريين وسياسيي الصف الأول، إلى جانب موظفي وزارة الخارجية العراقية.

وامتنعت الخارجية العراقية عن الإدلاء بأي تفاصيل عن مكان اعتقال السعدي وظروفه، رغم تواصل “العربي الجديد” مع ثلاثة مسؤولين في الخارجية العراقية، التي تواجه هي الأخرى اتهامات بشأن منح السعدي جواز سفر دبلوماسياً للتنقل به.

وعلل مسؤول في الوزارة ذلك بالقول إن عملية الاعتقال جرت خارج العراق، مشيراً إلى أن معلومات اعتقال السعدي منذ أسبوع أو أكثر، من ذويه ومقربين منه تحركوا باتجاه مسؤولين بالدولة وقادة قوى سياسية لمنع نقله إلى الولايات المتحدة في حينها. وبيّن أن “الجدل حول امتلاكه جواز سفر دبلوماسياً، مبرر، لكن قيادات عديدة في الحشد الشعبي حصلت على جوازات الخدمة (جواز سفر دبلوماسي)، في عهد حكومة عادل عبد المهدي، عام 2019”.

لا دور عراقياً باعتقال محمد السعدي

من جهته، أوضح المستشار السياسي في الحكومة العراقية عائد الهلالي إن بلاده “لم تشارك بشكل مباشر أو غير مباشر في عملية اعتقال السعدي، على الإطلاق، والسلطات المختصة تتابع تفاصيل الملف عبر القنوات الدبلوماسية والأمنية”. الهلالي، الذي ما زال يشغل منصبه مستشاراً سياسياً منذ عهد حكومة محمد شياع السوداني، التي نقلت السلطة لرئيس الوزراء علي الزيدي، السبت الماضي، قال إن “العراق لم يتلق إشعاراً مسبقاً بشأن إجراءات التوقيف التي أعلنتها الولايات المتحدة، والاعتقال جرى خارج الحدود العراقية وفي إطار تنسيق أمني دولي، لا يرتبط بإجراءات عراقية”.

وأضاف: “الحكومة العراقية تتعامل بحذر مع القضية نظراً لحساسيتها السياسية والأمنية، وتسعى للحصول على توضيحات رسمية من الجهات المعنية بشأن طبيعة الاتهامات والإجراءات القانونية التي اتخذت بحق السعدي”.

وأكد أن السعدي لم يعتقل بالعراق، قائلاً: “أي مواطن عراقي يواجه اتهامات خارج البلاد يخضع للإجراءات القضائية المتبعة وفق الاتفاقيات الدولية، ونؤكد مجدداً أن الحكومة العراقية لن تسمح باستخدام الأراضي العراقية في أي نشاط يهدد الأمن الإقليمي أو الدولي”.

أما القيادي في جماعة “أنصار الله الأوفياء”، علي الفتلاوي، فوصف اعتقال السعدي بأنه عملية اختطاف أميركية خارج العراق. وبيّن أن “وزارة الخارجية العراقية مطالبة بالتحرك العاجل لمعرفة تفاصيل اعتقال السعدي في تركيا، كما فهمنا الآن، ونقله إلى الولايات المتحدة. هناك تحرك سياسي وبرلماني لمعرفة جميع تفاصيل قضية اعتقال السعدي. وبغض النظر عن طبيعة الاتهامات أو الجهة التي قامت بعملية التوقيف، فإن السعدي مواطن عراقي، ومن حقه الحصول على متابعة قانونية وقنصلية وفق القوانين الدولية والاتفاقيات الدبلوماسية المعمول بها”.

وبحسب لائحة الاتهام الأميركية، فإن السعدي يمثل عضو ارتباط مع الحرس الثوري الإيراني، ويتنقل ويتواصل مع متعاونين جُنِّدوا لتنفيذ هجمات “إرهابية” على مصالح أميركية وإسرائيلية، وهو ما يعني أنه يواجه أحكاماً بالسجن تصل إلى السجن مدى الحياة. وتبرز تساؤلات عن إمكانية أن تُستخدم أي اعترافات يدلي بها السعدي، في توجيه اتهامات لقيادات وشخصيات عراقية ضمن محور الفصائل أو حتى الطبقة السياسية العراقية، فضلاً عن مسألة تسخير موارد حكومية لأجل أنشطة تعتبرها واشنطن معادية.

وقال الخبير بالشأن الأمني العراقي أحمد النعيمي إن عملية اعتقال السعدي خارج العراق تشير بوضوح إلى أن واشنطن لا تمتلك قنوات تعاون فاعلة أو منتجة أمنياً مع العراقيين، والدليل استدراجه واعتقاله خارج العراق، ولم تطلب واشنطن ذلك من العراقيين مثلاً.

النعيمي تحدث عن أن العملية تشرح أيضاً جانباً من الاهتمام الأميركي بنفوذ الفصائل المسلحة ودورها في العراق والتعامل معها، إذ إن توجيه لائحة اتهام لعراقي بالعمل في شبكة واسعة لمصلحة الحرس الثوري الإيراني، يفتح ملفات تطور طبيعة عمل الفصائل المسلحة في العراق ومهامها، من دور محلي باستثناء قتالهم في سورية، إلى دور أكبر، إن صحت الاتهامات الأميركية طبعاً.

وتحدث عن أن قضية منح بغداد جوازات سفر دبلوماسية لفصائل مسلحة، لا يُضعف موثوقية هذا النوع من الجوازات في المطارات الدولية فقط، بل يطرح سؤال الحد الفاصل بين الدولة والفصائل ومقدار النفوذ الذي تملكه في المؤسسات الرسمية العراقية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى