الصحافة الإيرانية: سيناريوهات وقف إطلاق النار
ستحدد مفاوضات باكستان مدى فاعلية الدبلوماسية الإيرانية في مرحلتها الجديدة. وتشير المعطيات إلى تغير ميزان القوى مقارنة بالعقد الماضي، مع سعي طهران إلى تكريس موقعها كفاعل إقليمي قادر على تحدي النفوذ الأمريكي ميدانياً.

ميدل ايست نيوز: تشهد جغرافيا الشرق الأوسط وجنوب آسيا في ربيع 2026 تحولات مباشرة تحت وطأة توترات عسكرية غير مسبوقة بين طهران وواشنطن. وأبرز الانسداد الذي نشأ في الخليج وبحر عمان الحاجة إلى وسيط قوي يرتبط بعلاقات حيوية مع الطرفين. وتقدمت باكستان، بحكم حدودها الطويلة مع إيران وصلاتها اللوجستية – الأمنية بالولايات المتحدة، لتلعب دوراً يتجاوز الاستضافة إلى موقع «ضامن الاستقرار الإقليمي». ولا تقتصر مفاوضات إسلام آباد على حوار دبلوماسي، بل تمثل مسعى لتفادي مواجهة نووية محتملة أو انهيار منظومة الطاقة العالمية.
القسم الأول: عقيدة طهران الجديدة؛ التفاوض من موقع «الاقتدار المُثبت»
يقول سجاد عابدي، خبير في الشؤون الأمنية، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إن فهم المشهد الداخلي الإيراني يشكل العامل الحاسم في استشراف مسار المفاوضات. فبعد التحول السياسي في مارس 2026 واستكمال تثبيت هيكل السلطة الجديد بقيادة آية الله مجتبى خامنئي، تدخل إيران المباحثات بما تصفه بـ«وحدة قيادة» غير مسبوقة.
- استراتيجية «الميدان في خدمة الدبلوماسية»: بخلاف مراحل سابقة شهدت تبايناً بين الأداء الميداني والمسار التفاوضي، يتقاطع المساران في ربيع 2026 بصورة كاملة. وتعوّل طهران على ما تعتبره نجاحات دفاعية وسيطرتها على مضيق هرمز لرفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة، بما يدفع واشنطن إلى القبول بشروطها الأساسية في إسلام آباد.
- تثبيت الشرعية الدولية: ترى القيادة الجديدة أن نجاح مفاوضات باكستان سيعزز موقعها العالمي ويؤكد أن التحولات الداخلية لم تضعف البلاد، بل زادت من تماسكها الاستراتيجي.
القسم الثاني: مأزق واشنطن؛ ضغوط داخلية ومخاوف الاستنزاف
تواجه الإدارة الأمريكية في عام 2026 تحديات متراكمة، في ظل تقارير عن إخفاق بعض الأنظمة العسكرية المتطورة أمام الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، وارتفاع أسعار الوقود عالمياً، ما ضاعف الضغوط الشعبية على البيت الأبيض.
- الحاجة إلى إعادة التموضع: يرجح محللون أمنيون أن تنظر واشنطن إلى مفاوضات باكستان كفرصة لالتقاط الأنفاس عبر هدنة مؤقتة تتيح إعادة تأهيل منظومات الرادار وإعادة نشر القطع البحرية المتضررة في المنطقة.
- هواجس الصين وروسيا: تخشى الولايات المتحدة أن يؤدي استمرار الحرب إلى توسيع نفوذ الصين في الخليج وتسريع تحركات روسيا في ساحات أخرى، ما يجعل مسار إسلام آباد وسيلة لإدارة الكلفة والعودة للتركيز على شرق آسيا.
القسم الثالث: باكستان؛ وساطة على حافة التوازن
تخوض إسلام آباد لعبة دقيقة؛ فهي لا ترغب في رؤية زعزعة استقرار جارتها الغربية لما قد يترتب عليه من موجات نزوح واضطراب أمني، وفي الوقت نفسه تعتمد على الدعم المالي والعسكري الغربي.
- دور المؤسسة العسكرية: تضطلع أجهزة الجيش والاستخبارات الباكستانية بدور محوري خلف الكواليس، ساعية إلى ضمان أمن الحدود والاضطلاع بدور وساطة يتجاوز النموذج العُماني من حيث الثقل العسكري.
- ضغط بكين: تمارس الصين، المستثمر الرئيسي في ميناء غوادر، ضغوطاً على باكستان لضمان تثبيت الاستقرار حمايةً لمسارات «الحزام والطريق».
القسم الرابع: ملفات الخلاف ونقاط التقاطع المحتملة
تتصدر ثلاثة ملفات جدول الأعمال في إسلام آباد:
- أمن الملاحة ومضيق هرمز: تطالب إيران بانسحاب حاملات الطائرات الأمريكية من الخليج مقابل ضمان حرية مرور ناقلات النفط. وتعد واشنطن هذا الطرح خطاً أحمر، مع احتمال قبولها بخفض الوجود البحري.
- رفع العقوبات مقابل الرقابة: تشترط طهران رفعاً فعلياً للعقوبات المصرفية والنفطية قبل مناقشة أي قيود فنية على أنشطتها النووية أو العسكرية.
- التعويضات: تصر إيران على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية جراء الهجمات الأخيرة، وهو مطلب ترى واشنطن أن قبوله يحمل دلالات سياسية ثقيلة.
القسم الخامس: سيناريوهات محتملة للفترة 2026-2027
السيناريو الأول: «استقرار هش» (احتمال 40 في المئة)
يتوصل الطرفان إلى هدنة طويلة نسبياً تمتد من ستة أشهر إلى عام، مع الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية في بنوك آسيوية ووقف الهجمات المتبادلة. يخفف هذا المسار الضغط الاقتصادي لكنه لا يعالج جذور الخلاف.
السيناريو الثاني: تعثر وتصعيد (احتمال 35 في المئة)
يؤدي تمسك واشنطن بصيغة هدنة ترفضها طهران إلى فشل المحادثات، مع تصاعد احتمالات مواجهة أوسع وتدخل أطراف ثالثة.
السيناريو الثالث: «سلام مسلح» برعاية صينية (احتمال 25 في المئة)
تسفر وساطة مباشرة من بكين على هامش لقاءات باكستان عن اتفاق أمني – اقتصادي تضمن فيه إيران أمن الطاقة، مقابل تخلي الولايات المتحدة عن سياسة تغيير النظام والضغط الأقصى.
الخلاصة: إسلام آباد؛ محطة فاصلة أم بداية تصعيد
ستحدد مفاوضات باكستان مدى فاعلية الدبلوماسية الإيرانية في مرحلتها الجديدة. وتشير المعطيات إلى تغير ميزان القوى مقارنة بالعقد الماضي، مع سعي طهران إلى تكريس موقعها كفاعل إقليمي قادر على تحدي النفوذ الأمريكي ميدانياً.
ويتوقف المسار النهائي على مدى استعداد واشنطن للاعتراف بالوقائع الجديدة أو الاكتفاء بترتيبات مؤقتة لإعادة بناء قدراتها. فإذا أفضت إسلام آباد إلى إقرار المصالح الحيوية لإيران، فقد تمهد الطريق لنظام إقليمي أكثر استقراراً. أما إذا أخفقت، فقد تمثل آخر فرصة دبلوماسية قبل انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة تعيد رسم خرائط التوازنات الدولية.



