استدعاء السفير العراقي في واشنطن: دبلوماسية «العين الحمراء» تبدأ رسميا

لم يعد استدعاء السفير العراقي في واشنطن يُقرأ كإجراء بروتوكولي عابر، بل كمؤشر واضح على انتقال العلاقة إلى مرحلة أكثر حساسية، تتقدم فيها لغة الضغط على حساب التفاهم.

ميدل ايست نيوز: لم يعد استدعاء السفير العراقي في واشنطن يُقرأ كإجراء بروتوكولي عابر، بل كمؤشر واضح على انتقال العلاقة إلى مرحلة أكثر حساسية، تتقدم فيها لغة الضغط على حساب التفاهم، ويرى مراقبون أن الولايات المتحدة تعيد ترتيب مقاربتها تجاه بغداد، وسط شكوك متزايدة بقدرة الحكومة على ضبط الفصائل واحتواء التصعيد، فيما أشاروا إلى أن المشهد يتجه نحو تضييق المساحات السياسية الممنوحة للعراق، مع ترجيحات بمرحلة من الضغوط التدريجية وإعادة تعريف موقعه ضمن الحسابات الأمريكية.

رسائل عميقة

ويقول الباحث في العلاقات الدولية علي أغوان، إن “قرار استدعاء السفير الأمريكي يحمل في طياته جملة من الرسائل السياسية العميقة، ولا يمكن قراءته بوصفه إجراءً دبلوماسياً عادياً، بل هو مؤشر على توجه أمريكي لإعادة النظر في مجمل طبيعة العلاقة مع العراق”.

ويضيف، أن “أولى هذه الرسائل تتعلق بوجود مراجعة حقيقية للعلاقات السياسية الخارجية بين واشنطن وبغداد، في ظل تصاعد التوترات الأخيرة، وما رافقها من مؤشرات على اختلال التوازن في إدارة هذا الملف”، مبيناً أن “هذه المراجعة قد تمتد لتشمل اتفاقية الإطار الاستراتيجي، التي تمثل الأساس المنظم للعلاقات الأمنية والعسكرية بين البلدين”.

وفي تطور نادر، استدعت وزارة الخارجية الأمريكية، الخميس الماضي (9 نيسان أبريل)، السفير العراقي في واشنطن، نزار الخير الله، بحسب ما ذكر نائب وزير الخارجية كريستوفر لاندو، وجاء الاستدعاء بعد بيان للسفارة الأمريكية في ‌بغداد ذكرت فيه أن “ميليشيات” متحالفة مع إيران، شنت عدة هجمات بطائرات مسيرة بالقرب من مركز الدعم الدبلوماسي في بغداد ومطار بغداد الدولي يوم ‌الأربعاء.

وقال متحدث باسم الخارجية الأمريكية إن واشنطن دانت ما وصفته بـ”الهجمات الإرهابية الفظيعة” التي تنفذها فصائل موالية لإيران، مشيراً إلى أن من بينها كميناً استهدف دبلوماسيين أميركيين في بغداد بتاريخ 8 نيسان.

وأضاف المتحدث، أن هذه الهجمات تأتي بعد “مئات الهجمات” خلال الأسابيع الماضية، استهدفت مواطنين أميركيين ومرافق دبلوماسية ومصالح تجارية، فضلاً عن دول مجاورة ومؤسسات ومدنيين عراقيين، بما في ذلك في إقليم كردستان.

تراجع الثقة

ويتابع أغوان، أن “استدعاء السفير لا يخلو من رسالة أكثر وضوحاً تتعلق بإعادة تقييم موقع العراق في الاستراتيجية الأمريكية، إذ قد يتجه صانع القرار في واشنطن إلى تقليص أهمية العراق كشريك استراتيجي، وتحويله إلى طرف ثانوي ضمن حسابات أوسع في المنطقة”، لافتاً إلى أن “هذا التحول، إن حدث، سيعكس تراجعاً في مستوى الثقة السياسية بين الجانبين”.

ويشير إلى أن “الولايات المتحدة، من خلال هذه الخطوة، تسعى أيضاً إلى إيصال إشارات ضمنية تتعلق بإمكانية تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي العراقي لديها، في إطار إعادة ترتيب العلاقات وفق معطيات المرحلة الراهنة”، معتبراً أن “هذه الإجراءات غالباً ما تكون مقدمة لتحولات أعمق في طبيعة العلاقات الثنائية”.

مرحلة معقدة

ويؤكد أغوان، أن “من بين أبرز الرسائل التي حملها هذا القرار، الإشارة الواضحة إلى وجود عجز حكومي عراقي في توفير الحماية الكافية للبعثات الدبلوماسية، وهو ما تراه واشنطن إخفاقاً لا يمكن تجاهله”، موضحاً أن “هذا التقييم قد يفتح الباب أمام تدخل أمريكي مباشر تحت ذريعة حماية البعثات الدبلوماسية”.

ويحذر من أن “المرحلة المقبلة قد تشهد تحركات أمنية أو عسكرية محدودة من قبل الولايات المتحدة داخل العراق، تحت عنوان حماية المصالح الدبلوماسية، في ظل قناعة متزايدة لدى واشنطن بعدم قدرة الحكومة العراقية على ضبط الوضع الأمني بالشكل المطلوب”.

ويخلص أغوان إلى أن “العلاقات العراقية–الأمريكية مقبلة على مرحلة معقدة تتسم بالمراجعة وإعادة التقييم، وقد تفضي إلى إعادة تعريف طبيعة هذه العلاقة، بما في ذلك التخلي عن توصيف العراق كحليف استراتيجي، وهو توصيف لطالما روجت له الولايات المتحدة في سياق خطابها السياسي تجاه بغداد”.

وتتبنى فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران منضوية ضمن ما يُعرف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق”، يومياً، هجمات بمسيرات وصواريخ على ما تسميه قواعد ومصالح أمريكية في العراق والمنطقة، وذلك بالتوازي مع الحرب الدائرة بين واشنطن وطهران.

تصفير التوتر

من جهته، يرى المحلل السياسي رمضان البدران، إن “مساحة السماحات الأمريكية الممنوحة للحكومة العراقية لن تبقى على حالها، بل ستتقلص تدريجياً مع مرور الوقت، في ظل توجه إقليمي واضح نحو تصفير بؤر التوتر، حتى وإن تم ذلك عبر أدوات القوة، والعراق لا يمكن فصله عن هذا المسار، كونه يمثل إحدى الساحات الملتهبة إلى جانب إيران ولبنان واليمن، حيث يجري التعامل مع كل ساحة وفق آليات خاصة لإخمادها”.

ويضيف البدران، أن “المشهد العراقي مرشح لمزيد من التصعيد، لا سيما من قبل الفصائل المسلحة، سواء على مستوى الداخل أو عبر استهداف المصالح الأمريكية داخل العراق أو حتى خارج حدوده، بما يشمل دول الجوار”، مشيراً إلى أن “المؤشرات الحالية تعكس عجزاً واضحاً لدى الحكومة العراقية في كبح جماح هذه الفصائل، التي باتت تعلن عملياتها بشكل علني ومن داخل الأراضي العراقية”.

تحول ملحوظ

ويرى المحلل السياسي المقيم في واشنطن، أن “هذا الواقع يضع الحكومتين العراقية والأمريكية في موقف حرج للغاية، الأمر الذي يفرض بالضرورة اتخاذ إجراءات معينة لمعالجة هذا الخلل”، لافتاً إلى أن “هذا الإحراج لم يعد محصوراً في الإطار الثنائي، بل بدأ يتفاقم داخل الولايات المتحدة نفسها، ما انعكس على طبيعة الخطاب السياسي الأمريكي تجاه العراق”.

ويؤكد، أن “الخطاب الأمريكي بدأ يشهد تحولاً ملحوظاً، إذ انتقل من مرحلة تفهم تعقيدات الوضع العراقي وحدود قدرة الحكومة، إلى مرحلة أكثر تشدداً، تقوم على الفصل بين أداء المؤسسات الأمنية والدور السياسي للحكومة”، موضحاً أن “واشنطن باتت تطالب بغداد بأداء أكثر جدية، يصل في بعض الأحيان إلى حد توجيه اتهامات ضمنية بالتساهل أو التماهي مع نشاط الفصائل المسلحة”.

ضغوط كبيرة

ويمضي البدران بالقول إن “هذا التحول يضع العراق أمام مشهد سياسي مرشح لمزيد من التصعيد، قد يتطور إلى خلافات عميقة بين بغداد وواشنطن”، مشيراً إلى أن “الفهم الأمريكي السابق لتعقيدات الوضع العراقي كان يمنح الحكومة مساحة من المرونة، إلا أن ضيق الوقت وأولوية حسم ملفات المنطقة سيدفعان الولايات المتحدة إلى ممارسة ضغوط أكبر على الداخل العراقي”.

ويعتقد، أن “واشنطن قد تلجأ إلى إلقاء ثقلها السياسي والأمني بشكل مباشر داخل العراق، بهدف دفعه إلى ترتيب أوضاعه الداخلية، والوصول إلى صيغة سياسية تتناغم مع متطلبات المرحلة الإقليمية الجديدة ومع المصالح الأمريكية”، معتبراً أن “هذا المسار يمثل اختباراً قاسياً للعراق، ربما هو الأصعب منذ سنوات، حيث يُطلب منه للمرة الأولى أن يواجه أزماته الداخلية بقراراته الذاتية”.

صوت الفصائل

ويشير البدران إلى أن “الفصائل المسلحة تعيش حالة من التصعيد والتوتر العالي، في وقت لا يظهر فيه المجتمع العراقي أو الخطاب الإعلامي موقفاً حاسماً يوازن هذا التصعيد أو يسعى إلى كبحه”، مبيناً أن “صوت الفصائل وأفعالها باتت تطغى على المشهد العام، وهو ما يُقرأ إقليمياً ودولياً على أنه مؤشر مقلق”.

ويختتم البدران حديثه بالقول، إن “استمرار هذا المسار التصعيدي، خصوصاً إذا طال أمده، سيقود إلى تداعيات كبيرة على العراق”، لافتاً إلى أن “مآلات المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، في إسلام آباد، قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة، لكن يبقى السؤال الأهم: كيف سيحدد العراق، ومعه الفصائل، موقعه ودوره في هذه المعادلة الجديدة”.

وكان الأمين العام لكتائب سيد الشهداء أبو الاء الولائي، دعا الأربعاء الماضي (8 نيسان أبريل)، قادة “محور المقاومة الإسلامية” إلى ضرب إسرائيل، رداً على قصفها للبنان وخرق الهدنة التي أُعلنت مساء الثلاثاء ( 7 نيسان أبريل) بين إيران وأميركا، مؤكداً أن المعركة ستبقى مفتوحة ضد إسرائيل ودول التطبيع معها.

ويشير ذلك إلى اتساع نطاق الخطاب التصعيدي داخل الفصائل المسلحة المرتبطة بالمحور، وربطه المباشر بين التطورات اللبنانية ومسار التهدئة بين واشنطن وطهران.

تحذير وتحميل

إلى ذلك، يرى الباحث والأكاديمي مجاشع التميمي، أن “ما جرى في سياق استدعاء السفير العراقي في واشنطن لا يمكن التعامل معه بوصفه إجراءً بروتوكولياً عادياً، بل يمثل رسالة ضغط مباشرة وواضحة من قبل الولايات المتحدة”، مبيناً أن “هذه الخطوة، بصيغتها الحالية، تعكس انتقال واشنطن من مرحلة التحذير إلى مرحلة تحميل الحكومة العراقية مسؤولية شبه علنية، خصوصاً مع الإشارات التي تتحدث عن وجود غطاء سياسي ومالي للفصائل المسلحة”.

تعديل السلوك

ويضيف التميمي، أن “هذا التطور يحمل طابعاً تصعيدياً، لكنه في الوقت نفسه لا يصل إلى حد القطيعة الكاملة بين البلدين”، موضحاً أن “الولايات المتحدة لا تسعى إلى خسارة العراق كشريك استراتيجي، لكنها تعمل على تعديل سلوك الدولة العراقية، لا سيما في ما يتعلق بالتعامل مع الفصائل المرتبطة بإيران”.

تصعيد محسوب

ويتابع، أن “ما نشهده حالياً يمكن توصيفه بأنه تصعيد محسوب، يهدف بالدرجة الأساس إلى دفع بغداد لاتخاذ خطوات عملية لضبط السلاح المنفلت، وإعادة فرض هيبة الدولة على المشهد الأمني”، مشيراً إلى أن “هذا النوع من الضغط يعكس رغبة أمريكية في إحداث تغيير تدريجي دون الذهاب إلى خيارات قصوى بشكل فوري”.

ويؤكد التميمي أن “مستوى العلاقات بين بغداد وواشنطن دخل فعلياً مرحلة اختبار جدية، حيث باتت الإدارة الأمريكية تربط استمرار التعاون بمدى قدرة الحكومة العراقية على اتخاذ إجراءات ملموسة على الأرض”، محذراً من أن “استمرار الهجمات دون رد حكومي واضح قد يدفع نحو سيناريو فرض عقوبات محددة تستهدف شخصيات أو مؤسسات بعينها، بدلاً من الذهاب إلى عقوبات شاملة على الدولة”.

خيارات متدرجة

ويمضي بالقول، إن “في حال فشلت الحكومة العراقية في إظهار سيطرة فعلية على الوضع الأمني، فإن مسار الضغوط قد يتوسع ليشمل أدوات مالية وأمنية أوسع، ما يعني دخول العلاقة في مرحلة أكثر تعقيداً”، موضحاً أن “الخيارات الأمريكية ستبقى متدرجة، لكنها ستتصاعد وفقاً لطبيعة التطورات على الأرض”.

ويخلص إلى أن “العلاقات العراقية–الأمريكية لم تصل بعد إلى مرحلة الانهيار، لكنها تجاوزت بشكل واضح مرحلة المجاملات السياسية، إذ يسير المسار الحالي نحو فتور حاد، قد يترافق مع إجراءات عقابية تدريجية إذا لم يحدث تغيير حقيقي في سلوك الدولة تجاه هذا الملف”.

وأصدرت السفارة الأميركية في العراق، في (2 نيسان أبريل)، تنبيهاً أمنياً حذرت فيه من احتمال “أنّ تنفذ جهات مرتبطة بإيران هجمات في وسط بغداد خلال الـ24 إلى 48 ساعة القادمة”.

وذكرت السفارة، في بيانها أن هذه الجهات “قد تستهدف المواطنين الأميركيين والشركات والجامعات والمرافق الدبلوماسية والبُنى التحتية للطاقة والفنادق والمطارات”، إضافة إلى “مؤسسات عراقية وأهداف مدنية”.وأضافت أن “الحكومة العراقية لم تتمكن من منع الهجمات الإرهابية التي تحدث داخل الأراضي العراقية أو تلك التي تنطلق منها”، لافتة إلى أن “بعض عناصر هذه الجماعات قد يحملون وثائق تعريف حكومية”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 + 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى