الصحافة الإيرانية: وقف إطلاق النار في لبنان وتغير ميزان القوى في المنطقة
يمثل وقف إطلاق النار في لبنان نتيجة تداخل معقد بين الضغوط الميدانية والحسابات السياسية وتغير ميزان القوى. وهو يعكس بداية تشكل نظام إقليمي جديد تتغير فيه قواعد الاشتباك.
ميدل ايست نيوز: أثار الإعلان المفاجئ لوقف إطلاق النار في لبنان من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد أشهر من المواجهات المستمرة بين الكيان الصهيوني وحزب الله، تساؤلات مهمة على المستويين الإقليمي والدولي. هذه التساؤلات لا تقتصر على سبب توقف الحرب، بل تمتد إلى طريقة إعلانها. لماذا أعلن ترامب بنفسه خبر وقف إطلاق النار؟ ولماذا وافق الكيان الصهيوني على هذا الاتفاق فجأة؟ ولماذا تزامن الإعلان مع جهود إعلامية أمريكية وإسرائيلية واسعة لتقديم الاتفاق على أنه نتيجة تفاوض مع الحكومة اللبنانية فقط، مع تقليل دور المقاومة وإيران فيه؟
وفي هذا السياق، كتب الخبير في الشؤون الإقليمية، حميد خوش آيند، في مقال للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، أنه للإجابة على هذه الأسئلة لا بد من العودة إلى الحقائق الميدانية ومسارات السياسة خلف الكواليس. تشير المعطيات إلى أن وقف إطلاق النار في لبنان لم يكن نتيجة اتفاق دبلوماسي تقليدي، بل حصيلة ضغط ميداني وسياسي مركب من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتصاعد مقاومة حزب الله، ما أجبر الكيان الصهيوني وداعميه على قبول وقف العمليات العسكرية. وبذلك كان دور إيران ومحور المقاومة حاسمًا في خلق هذا الضغط. في الواقع، ما أُعلن على لسان الرئيس الأمريكي لم يكن سوى انعكاس لتحول مهم في ميزان القوى الإقليمي.
أحد أبرز أبعاد هذه التحولات هو تثبيت معادلة جديدة داخل محور المقاومة، يمكن تسميتها «وحدة الجبهات». فقد أظهرت تجارب الحروب الأخيرة أن فصل جبهات المقاومة لم يعد ممكنًا. في السابق، كان الكيان الصهيوني يحاول فتح جبهة واحدة وإبقاء بقية الجبهات تحت السيطرة. لكن التطورات الأخيرة أثبتت فشل هذا النهج، حيث بات واضحًا أن أي حرب في جبهة واحدة تعني انخراط الجبهات الأخرى، وأن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يشمل جميع الساحات. هذه القاعدة الجديدة وضعت الكيان الصهيوني في موقف صعب وأجبرته على التراجع في لبنان.
إلى جانب ذلك، لعبت الضغوط السياسية والاستراتيجية الإيرانية دورًا مهمًا. فقد أعلنت طهران بوضوح أن أي تقدم في مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة مرتبط بوقف القتال في لبنان، ولم يكن ذلك مجرد تكتيك، بل جزء من استراتيجية ثابتة. كما استخدمت إيران موقعها الجيوسياسي، بما في ذلك القدرة على التأثير في مضيق هرمز، لإبراز أن قضايا محور المقاومة، وخاصة حزب الله، ليست منفصلة عن التوازنات الإقليمية الكبرى. هذا الموقف دفع واشنطن وتل أبيب إلى إدراك أنه لا يمكن المضي في أي مسار سياسي دون أخذ هذا الشرط بعين الاعتبار.
أما على المستوى الإعلامي، فإن محاولات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني تقديم وقف إطلاق النار كاتفاق بين واشنطن والحكومة اللبنانية تعكس عملية صناعة رواية سياسية أكثر من كونها وصفًا للواقع. الهدف من هذه الرواية هو أولًا إخفاء حقيقة أن الكيان الصهيوني أُجبر على وقف الحرب تحت ضغط ميداني وسياسي، وثانيًا خلق فصل بين الدولة اللبنانية وحزب الله. غير أن الواقع داخل لبنان يشير إلى إدراك واسع لدور المقاومة في فرض هذا الاتفاق.
كما أن إعلان ترامب المباشر لوقف إطلاق النار يعكس طبيعته الإعلامية التي تميل إلى تسويق الأحداث كإنجازات شخصية. ورغم ذلك، فإن الإعلان لا يغير من حقيقة أن ما حدث هو نتيجة تطورات ميدانية ومفاوضات معقدة. وحتى إذا حاول تقديمه كإنجاز فردي، فإن ذلك لا يغير من موازين القوى التي أفضت إليه.
من الناحية الاستراتيجية، يوجه وقف إطلاق النار رسالة واضحة للكيان الصهيوني، الذي كان يسعى إلى إدارة حروب محدودة تحت غطاء التفوق العسكري والدعم الأمريكي. لكن التطورات أثبتت أن هذا النموذج لم يعد قابلًا للتطبيق، في ظل مستوى التنسيق والردع الذي وصل إليه محور المقاومة، حيث أصبحت أي مواجهة في ساحة واحدة قابلة للتوسع إلى ساحات أخرى.
في المحصلة، يمثل وقف إطلاق النار في لبنان نتيجة تداخل معقد بين الضغوط الميدانية والحسابات السياسية وتغير ميزان القوى. وهو يعكس بداية تشكل نظام إقليمي جديد تتغير فيه قواعد الاشتباك، ويزداد فيه تأثير محور المقاومة وقدرات الردع الإقليمية.
ورغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، فإن ذلك لا يعني بأي شكل من الأشكال التغافل عن الكيان الصهيوني، إذ أثبتت التجربة أنه لا يلتزم بأي اتفاقات، ولذلك يبقى محور المقاومة في حالة جاهزية دائمة للرد على أي خرق محتمل.



