صحيفة إيرانية ترصد تغلغل السلطة السياسية في المؤسسة الدينية وتحذّر من تراجع النقد الذاتي

طرحت صحيفة شرق الإيرانية تساؤلًا حول ما إذا كان لا يزال هناك مجال للإصلاح والنقد الذاتي داخل المؤسسة الدينية، في ظل تشكّل «هويات متعددة ذات جذور تاريخية» داخلها.

ميدل ايست نيوز: طرحت صحيفة شرق الإيرانية، في ضوء تزايد ارتباط المؤسسة الدينية بالهياكل السياسية والقضائية والإدارية والأمنية في إيران، تساؤلًا حول ما إذا كان لا يزال هناك مجال للإصلاح والنقد الذاتي داخل المؤسسة الدينية، في ظل تشكّل «هويات متعددة ذات جذور تاريخية» داخلها.

وتناولت الصحيفة المحسوبة على التيار الإصلاحي، في افتتاحية بعنوان «رجال الدين الإيرانيون؛ من الهوية المهنية إلى الهويات المتعددة»، التحولات التي طرأت على هوية المؤسسة الدينية في إيران وعلاقتها بالسلطة السياسية والهياكل الإدارية والقضائية والقضايا الاجتماعية.

وكتب كيومرث أشتريان، كاتب الافتتاحية، مشيرًا إلى بعض التصريحات المثيرة للجدل التي أدلى بها رجال دين على المنابر، إلى جانب الجدل المالي المحيط ببعضهم: «إن التصريحات المثيرة للجدل التي أدلى بها بعض رجال الدين ولا يزالون يدلون بها على المنابر، أو التحديات المتعلقة بالمال والثروة التي واجهها عدد منهم خلال السنوات الأخيرة، تطرح مسألة هوية المؤسسة الدينية والنقد داخل خطابها».

ثم طرح تساؤلًا حول هوية المؤسسة الدينية الإيرانية تحديدًا، في ضوء الوظائف المختلفة التي اضطلعت بها خلال العقود الماضية، ومدى قدرتها على ممارسة النقد داخل خطابها وخارجه.

من مطهري وحكيمي إلى مسألة نقد المؤسسة الدينية

وأشار أشتريان إلى تاريخ النقد الداخلي للمؤسسة الدينية، وكتب: «قبل أكثر من ستة عقود، كتب الشهيد مرتضى مطهري “المشكلة الأساسية في تنظيم المؤسسة الدينية”، وقدم نقدًا بنيويًا داخليًا للمؤسسة الدينية».

كما أشار إلى مؤلفات محمد رضا حكيمي حول الهوية المهنية للمؤسسة الدينية، موضحًا أنه رغم مرور عدة عقود، لا تزال مسألة النقد البنيوي الداخلي قائمة.

وبحسب شرق، فإن أحد العوامل التي فاقمت هذا الوضع يتمثل في دخول اعتبارات السلطة السياسية إلى القضايا التقليدية للمؤسسة الدينية.

وكتب أشتريان في هذا الصدد: «ما زاد الأمر تعقيدًا هو امتزاج اعتبارات السلطة السياسية بالمشكلات التقليدية داخل المؤسسة الدينية، وهو ما لم يؤدِ إلى الحد من المشكلة، بل ساهم في تفاقمها».

كما يعتبر الروابط الأسرية وحضور رجال الدين في الأجهزة الإدارية والقضائية من العوامل الأخرى التي أسهمت في زيادة تعقيد هذه المسألة.

«استعراض الولاء» والتكاليف السياسية

تحدث كاتب افتتاحية «شرق» في جزء آخر من المقال عن مفهوم أطلق عليه «استعراض الولاء»، معتبرًا أنه أحد العوامل التي أسهمت في تكوين صورة سلبية عن النظام لدى الرأي العام.

وكتب أشتريان: «إن “استعراض الولاء” للنظام السياسي من جانب بعض رجال الدين دفعهم أيضًا إلى القيام بتصرفات وإطلاق تصريحات داخل الأجهزة القضائية والثقافية والسياسية، ما أدى إلى تقديم صورة سلبية عن النظام أمام الرأي العام».

ويرى أن هذا الوضع أدى لاحقًا إلى ظهور تداعيات قانونية ومالية وأمنية، وهي تداعيات قال إن أمثلة عليها تظهر في الفضاء الإعلامي الإيراني.

ثم طرحت «شرق» تساؤلًا حول ما إذا كان ينبغي ترك نقد القضايا الداخلية للمؤسسة الدينية لرجال الدين أنفسهم فقط، أم أن المجتمع يجب أن يمتلك أيضًا إمكانية نقد هذه المؤسسة.

لماذا لم يعد نقد المؤسسة الدينية شأنًا خاصًا برجال الدين؟

ويرى أشتريان أنه بسبب الارتباط الواسع للمؤسسة الدينية بمختلف قضايا البلاد، لم يعد بالإمكان حصر نقدها داخلها.

وكتب: «لكن مستقبل المؤسسة الدينية بات اليوم مرتبطًا بقضايا الأمن القومي، وكفاءة النظام السياسية ومقبوليته، ومخاوف المواطنين بشأن التدين، إلى درجة لم يعد معها بالإمكان ترك نقد المؤسسة الدينية على عاتق رجال الدين أنفسهم فقط».

وفي مواصلة هذا التحليل، وصف الكاتب المؤسسة الدينية اليوم بأنها مزيج من ستة أوجه، هي «الروحانية، والعلم، والسلطة السياسية والإدارية، والقضاء، والانتماء المهني، والروابط الأسرية»، معتبرًا أن هذا المزيج زاد من تعقيد هوية المؤسسة الدينية.

أربعة أوجه للمؤسسة الدينية الإيرانية

ولشرح هذا الوضع، فصل أشتريان بين أربعة أنماط مثالية للمؤسسة الدينية، قال إنها برزت في مراحل تاريخية مختلفة، وقد تتداخل أحيانًا فيما بينها.

أولها «المؤسسة الدينية التحررية-العلمية»، التي أدرج الكاتب ضمن ممثليها شخصيات مثل آيات الله الخميني، وطالقاني، ومنتظري، ومطهري، وبهشتي، وخامنئي، وهاشمي.

وكتب عن هذا التيار: «لقد استمر هذا التيار ولا يزال منتشرًا داخل جسم الحوزة. ورغم أنه يوجد على الهامش، “كحجر صامت ومسبّح”، فإنه ينتج أعمالًا علمية قيّمة».

أما المجموعة الثانية فهي «المؤسسة الدينية الفقهية»، التي شهدت، بحسب أشتريان، مرحلة تفوقها خلال ستينيات القرن الماضي، بعد انتصار الثورة وأثناء متطلبات تأسيس النظام.

والمجموعة الثالثة هي «المؤسسة الدينية الشعائرية»، التي تحولت، وفقًا للكاتب، بعد التحولات السياسية الداخلية والتهديدات الخارجية، وبالاقتران مع الوظائف القضائية والمداحين ذوي الخطاب الحماسي، إلى تيار قوي داخل المجتمع الشيعي.

وكتب أشتريان في شرح هذا التيار: «في هذه المجموعة تحديدًا، أدى “استعراض الولاء” أحيانًا إلى ظهور تصرفات مثل اقتحام السفارة الأميركية أو اتخاذ مواقف شاذة، ما تسبب في تكاليف سياسية وأمنية للنظام».

أما المجموعة الرابعة فسماها «المؤسسة الدينية العسكرية-الأمنية»، وهي تيار، بحسب «شرق»، ظهر تدريجيًا من رحم المؤسسة الدينية الشعائرية منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

هل اختفت الهوية المشتركة للمؤسسة الدينية؟

طرح كاتب افتتاحية «شرق» في مواصلة مقاله مجموعة من التساؤلات الأساسية حول مستقبل المؤسسة الدينية وإمكانية إصلاحها من الداخل، من بينها ما إذا كان تزايد دور السلطة السياسية داخل بنيتها يعني زوال الهوية المشتركة لهذه المؤسسة، أم أن هذه الهوية المشتركة يمكن أن تستمر في إطار أدوار مختلفة.

كما تساءل عما إذا كانت المؤسسة الدينية العلمية، التي يقول إنها منتشرة اليوم داخل جسم الحوزة، قادرة على أن تكون حاملة للنقد داخل الخطاب والإصلاح الديني، أم أنها فقدت هذه القدرة بسبب وجودها على الهامش.

وكتب أشتريان أيضًا بشأن دور الموازنة العامة في هذا المسار: «ألم يؤدِ الارتباط بالموازنة العامة إلى توفير عامل آخر لتقييد النقد داخل خطابهم؟».

واعتبر كذلك انتقال أساس تمويل ومعيشة المؤسسة الدينية من «جهاز الدين» إلى «الجهاز الإداري-القضائي» عاملًا مهمًا في تحول بنيتها الاقتصادية، ووصف ذلك بأنه نوع من «الاقتصاد السياسي للبيروقراطية».

جدل بين الثراء السياسي والزهد العلمي

في الجزء الأخير من الافتتاحية، أشار الكاتب إلى أن الهويات المتعددة للمؤسسة الدينية أتاحت في بعض المراحل قدرًا من المرونة والقدرة على التكيف مع الأزمات السياسية والاجتماعية، لكنه أعرب عن شكوكه بشأن تداعيات هذا الوضع على التيار العلمي والإصلاحي داخل المؤسسة الدينية.

وتساءل في نهاية المقال عما إذا كان هذا التعدد نفسه قد أدى إلى تهميش تيار «المؤسسة الدينية التحررية-العلمية»، الذي يرى أنه يمتلك القدرة الأساسية على ممارسة النقد داخل الخطاب الديني.

وكتب أشتريان في ختام المقال، مشيرًا إلى الفجوة بين السلطة السياسية والنشاط العلمي للمؤسسة الدينية: «أدى التحول اليوم في هويتهم المهنية وظهور هويات متناقضة إلى أن يقف العقل حائرًا في هذا المجال، وأن تظل صحراء الجدل واسعة وملتبسة، وأن يؤثر ذلك في واقعيتهم؛ إنه جدل بين الثراء السياسي والزهد العلمي».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر − تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى