جسر الانتصار: كيف تُصاغ السياسة بين الواقع والرواية في عالم ترامب والدبلوماسية الحديثة

يكتسب مفهوم «جسر الانتصار» أهمية مضاعفة. فأي اتفاق مستدام بين إيران والولايات المتحدة لا يمكن أن ينجح إلا إذا تمكن الطرفان من تقديمه ضمن سردية مقبولة داخلياً.

ميدل ايست نيوز: لا يمكن فهم سلوك دونالد ترامب ضمن الأطر الكلاسيكية للتحليل السياسي فقط، بل ينبغي تفكيكه ضمن منطق «عرض الانتصار»، وهو منطق تصبح فيه «سردية النجاح» ليست مجرد مكمل للواقع، بل بديلاً عنه في كثير من الأحيان. ورغم أن هذا النمط يبرز بوضوح في الأسلوب السياسي لترامب، فإن جذوره تعود إلى مفهوم راسخ في الدبلوماسية: «بناء جسر الانتصار»، أو ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بمصطلح Golden Bridge (الجسر الذهبي).

يقول المحامي والخبير في الشؤون القانونية، رسول كوهبايه أصفهاني، في مقال لصحيفة شرق، إن مفهوم «جسر الانتصار» ظهر لأول مرة بشكل منهجي في كتابات استراتيجية، بما في ذلك قراءات حديثة لـ«فن الحرب»، ويقوم على فكرة «اترك للعدو طريقاً ينسحب منه بكرامة». وفي التفسير المعاصر، أصبح هذا المبدأ أحد أعمدة الدبلوماسية، بمعنى أنه لا يمكن لأي اتفاق مستدام أن يتشكل ما لم يتمكن الطرف المقابل من تقديمه داخلياً بوصفه «انتصاراً».

من هذا المنظور، لا تُعد الدبلوماسية مجرد فن لاكتساب التنازلات، بل فن «تسويق النتائج». وتُظهر التجارب التاريخية هذا المنطق بوضوح. ففي اتفاقات كامب ديفيد، تمكن أنور السادات من تقديم استعادة سيناء كإنجاز وطني، بينما قدّم مناحيم بيغن الاتفاق باعتباره تعزيزاً لأمن إسرائيل. ورغم اختلاف السرديتين، فقد أدى كل منهما وظيفته الداخلية. وبالمثل، في نهاية حرب فيتنام، صاغت الولايات المتحدة عملية الانسحاب بطريقة تحافظ على «الاعتبار» وتقدمها كإنهاء مسؤول للحرب ضمن الرواية الرسمية.

يمكن أيضاً تفسير هذا المنطق نظرياً عبر إطار «اللعبة ذات المستويين» لروبرت بوتنام في العلاقات الدولية، حيث يجب أن يكون أي اتفاق مقبولاً في مستويين متزامنين: المستوى الدولي بين الحكومات، والمستوى الداخلي بين النخب والرأي العام. إن فشل أي من هذين المستويين قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق بالكامل. ومن هنا، فإن «جسر الانتصار» هو آلية لربط المستويين وتحويل التسوية الدولية إلى انتصار داخلي.

وفي الاقتصاد السياسي، يظهر هذا المنطق بوضوح أيضاً، إذ لا تستجيب الأسواق للحقائق الصلبة فقط، بل للتوقعات والإدراك. لذلك، فإن الإعلان عن «اتفاق كبير» حتى قبل اكتماله يمكن أن يؤثر على أسعار الطاقة وأسعار الصرف وحركة رأس المال. وهنا تصبح الرواية متغيراً اقتصادياً بحد ذاته.

إذا طُبّق هذا الإطار على العلاقات الحالية بين إيران والولايات المتحدة، تتضاعف أهميته. فملف البرنامج النووي الإيراني، خصوصاً تخصيب اليورانيوم، ليس مجرد ملف تقني، بل قضية سياسية وأمنية بعمق كبير. بالنسبة لإيران، يُنظر إليه كـ«حق سيادي» وتطوير للتكنولوجيا، بينما تعتبره الولايات المتحدة وبعض حلفائها «مخاطرة انتشار» وتهديداً أمنياً محتملاً. وهذا التباين ليس اختلاف بيانات، بل صراع بين أطر تفسير مختلفة.

في هذا السياق، أي اتفاق -كما في تجربة الاتفاق النووي – يجب أن يدير هذا الانقسام السردي. ففي ذلك الاتفاق، تم قبول قيود تقنية وآليات رقابة، بينما حاول كل طرف تقديمه داخلياً كإنجاز يخدم مصالحه. لكن انسحاب الولايات المتحدة منه في عهد ترامب أظهر أن أي اتفاق يفقد توازنه إذا لم تُحافظ روايته الداخلية، حتى لو كان معقداً ومفصلاً.

اليوم، أضيفت متغيرات جديدة إلى المعادلة، أبرزها موقع مضيق هرمز بوصفه أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، ما يجعل أي توتر أو اتفاق ينعكس فوراً على الأسواق العالمية، نظراً لمرور نسبة كبيرة من صادرات النفط عبره. أي اضطراب فيه قد يؤدي إلى صدمات سعرية مباشرة، ما يربط الأمن الإقليمي بالاقتصاد العالمي بشكل وثيق.

من جهة أخرى، تشكل القدرات الصاروخية الإيرانية جزءاً أساسياً من عقيدة الردع، وتلعب دوراً محورياً في معادلات الأمن الإقليمي. فإيران تراها أداة لتحقيق «توازن القوى»، بينما تعتبرها واشنطن وبعض الأطراف الإقليمية عاملاً يزيد مخاطر التصعيد. هذا التباين الإدراكي يعقد أي مسار تفاوضي.

في ظل هذا التعقيد، يكتسب مفهوم «جسر الانتصار» أهمية مضاعفة. فأي اتفاق مستدام بين إيران والولايات المتحدة لا يمكن أن ينجح إلا إذا تمكن الطرفان من تقديمه ضمن سردية مقبولة داخلياً. فواشنطن قد تركز على «احتواء البرنامج النووي» و«تقليل مخاطر الانتشار»، بينما يمكن لإيران التركيز على «حفظ حق التخصيب»، و«رفع العقوبات»، و«الاعتراف بدورها الإقليمي». ورغم اختلاف السرديات، إلا أنها يمكن أن تُبنى على واقع مشترك.

المسألة الأساسية أن «جسر الانتصار» لا يعني التلاعب أو التحريف، بل تصميم إطار يخفف التناقض بين «الواقع» و«الرواية». في هذا السياق، لا تعتمد الدبلوماسية الناجحة على التفاوض فقط، بل على «هندسة المعنى». وفي نهاية المطاف، فإن التعامل مع فاعل مثل ترامب، الذي يرى السياسة كعرض للانتصار، يتطلب فهماً دقيقاً لهذا المنطق.

في مثل هذا السياق، يؤدي فرض رواية واحدة إلى طريق مسدود، بينما يسمح بناء «جسر انتصار» بالانتقال من الصراع إلى التفاهم. دبلوماسية القرن الحادي والعشرين تتشكل أكثر من أي وقت مضى عند تقاطع «الواقع» و«الرواية»، ومن يتمكن من إدارة هذا التقاطع بذكاء، يمتلك الأفضلية في طاولة المفاوضات وفي النظام السياسي العالمي على حد سواء.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى