الصحافة الإيرانية: قراءة في الموقف الروسي تجاه حرب إيران

يعكس الموقف الروسي من الحرب ضد إيران مقاربة حذرة في العلاقات الدولية، تقوم على أن الشراكة الاستراتيجية لا تعني تطابق المصالح ولا تُساوي تحالفًا عسكريًا.

ميدل ايست نيوز: شكّل انطلاق الحملات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في فبراير 2026، وما تلاه من اغتيال المرشد الأعلى الإيراني وعدد من كبار قادتها العسكريين، تحوّلًا مفصليًا في معادلات الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، وامتحانًا صارمًا لبنية النظام الدولي وصلابة التحالفات الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، يفرض الغياب الميداني لروسيا واعتمادها مقاربة شديدة التحفّظ، رغم ما سبق من تقاطعات استراتيجية مع طهران، مقاربة تحليلية معمقة وفق أدوات ونظريات العلاقات الدولية.

  1. الدبلوماسية الاحتجاجية وإدارة الأزمة بأدوات منخفضة الكلفة

وقال الأستاذ الجامعي، سیروس حاجی زاده، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إن الاستجابة الأولية لموسكو، التي شملت إدانة أخلاقية – قانونية للهجمات، ورفض إضفاء الشرعية على المبررات النووية لواشنطن وتل أبيب، والتحذير من عواقب كارثية، جاءت في إطار ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ«الدبلوماسية الاحتجاجية». ومن خلال هذا المسار، سعت روسيا إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: أولًا، نزع الشرعية عن محاولات تغيير النظام خارج إطار ميثاق الأمم المتحدة؛ ثانيًا، تثبيت موقعها بوصفها فاعلًا مسؤولًا و«وسيطًا» في النظام الدولي؛ وثالثًا، فرض مهلة دبلوماسية تحول دون الانزلاق إلى «دوامة أمنية».

حاولت موسكو، عبر رسم صورة لكارثة بيئية محتملة واضطراب في أسواق الطاقة، رفع الكلفة غير المتكافئة للصراع على الغرب، لكنها أبقت هذا الضغط ضمن الحدود غير العسكرية.

  1. تعارض الأولويات الاستراتيجية والقيود البنيوية

يُعد مفهوم «الحرب على جبهتين» وحدود القوة الوطنية العامل الأبرز الذي كبح التدخل العسكري الروسي. فالتورط في حرب استنزاف بأوكرانيا استهلك جزءًا كبيرًا من الميزانية الدفاعية وسلاسل الإمداد والقدرات البشرية الروسية. ومن منظور الواقعية الهجومية، فإن فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط في مواجهة ائتلاف يتمتع بتفوق جوي – بحري واضح يُعد خطوة غير عقلانية. وقدّرت موسكو أن مصلحتها الحيوية تكمن في كييف لا في طهران.

كما أدرجت روسيا هذه الأزمة ضمن «رقعة الشطرنج الكبرى» لصراعها مع الغرب. ومع التحولات السياسية في واشنطن خلال إدارة ترامب واحتمال وساطة أمريكية في الملف الأوكراني، تجنبت موسكو التحول إلى طرف مباشر في نزاع شرق أوسطي حفاظًا على هامش المناورة الدبلوماسية في أوروبا. ويعكس هذا الترابط في القضايا إدراكًا روسيًا منهجيًا لتعقيدات البيئة الدولية.

  1. طبيعة الاتفاقات الاستراتيجية وفراغ الالتزامات الدفاعية

تميّز القواعد القانونية والدبلوماسية بين «شراكة استراتيجية شاملة» و«معاهدة دفاع مشترك». ولم يُنشئ الاتفاق الممتد لعشرين عامًا بين موسكو وطهران، الموقع في يناير 2025 في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، التزامًا قانونيًا بالتدخل العسكري. تدرك روسيا «المفارقة الأمنية»، إذ إن إبرام التزام دفاعي ملزم مع إيران يعني تلقي ضمانات أمنية غير متكافئة قد تجرّها إلى تبعات قرارات إيرانية محتملة ذات طابع تصعيدي في المنطقة.

ويرى بعض المراقبين الروس أن الامتناع عن دخول الحرب يمثل ممارسة لحق السيادة الاستراتيجية في «اختيار عدم الانخراط».

  1. ديناميات القوة الإقليمية ومهارة الموازنة

لا يمكن تفسير السلوك الروسي فقط بمتغير القوة، بل ينبغي النظر إلى مفهوم «توازن القوى». فقد تعاملت موسكو في السنوات الأخيرة مع إسرائيل بوصفها فاعلًا براغماتيًا يسهم في إدارة التوازنات الإقليمية، ولا سيما في كبح نفوذ تركيا والجماعات المدعومة منها. وكان التدخل المباشر لصالح إيران سيخل بهذا التوازن الدقيق ويحوّل تل أبيب إلى تهديد مباشر للمصالح الروسية.

كما أن تعقيد ساحة الصراع، مع تعدد الفاعلين غير الحكوميين، وانتشار القواعد الأمريكية، وأهمية مضيق هرمز، يعزز «مخاطر الدوامة» في نظرية الحرب. تدرك موسكو أن السيطرة على مستوى التصعيد في حرب متعددة الأبعاد وشبكية تكاد تكون مستحيلة. إضافة إلى ذلك، فإن تراجع نفوذ النظام السوري وانخفاض القدرة اللوجستية – العسكرية الروسية في شرق المتوسط قلّصا أدوات موسكو لنقل القوة إلى الجبهة الإيرانية.

  1. إدارة الهوية والسمعة الدولية

تحرص روسيا على تقديم نفسها بديلًا للهيمنة الغربية ومدافعًا عن نظام متعدد الأقطاب. وكان الانخراط العسكري المباشر في حرب وكالة جديدة سيقوّض هذه الصورة ويضعها في موقع مماثل لتجارب الولايات المتحدة في العراق أو أفغانستان. لذلك بدت الاستفادة من المنابر الدولية، مثل مجلس الأمن، وتقديم دعم معلوماتي وتقني محدود وغير معلن، استراتيجية أكثر ملاءمة للحفاظ على السمعة دون تحمل أعباء مادية كبيرة.

  1. استشراف المستقبل

تنظر موسكو إلى اغتيال المسؤولين الإيرانيين بوصفه «صدمة نظامية» تعطل المسار الخطي للسياسة الخارجية الإيرانية. وتتعامل مع هذا الوضع عبر عدسة «نظرية الألعاب في ظل معلومات ناقصة». ومن بين السيناريوهات المتصورة:

1- تعميق التعاون العسكري لتعويض الضغوط، مع احتمال ارتفاع كلفة التوتر مع الجوار.
2- عودة طهران إلى طاولة المفاوضات مع الغرب لتخفيف الضغط، ما قد يقلص اعتمادها الاستراتيجي على روسيا.

وفي كلا الاحتمالين، تميل موسكو إلى تبني «تفاعل شبكي» مع مراكز قوى متعددة داخل إيران بدل الارتكاز إلى علاقات فردية، مع الحفاظ على «الوضع المؤسسي القائم» لتجنب تحولات بنيوية في السلطة، لا تقديم دعم مطلق لها.

خلاصة

يعكس الموقف الروسي من الحرب ضد إيران مقاربة حذرة في العلاقات الدولية، تقوم على أن الشراكة الاستراتيجية لا تعني تطابق المصالح ولا تُساوي تحالفًا عسكريًا. فقد دافعت موسكو دبلوماسيًا عن مبادئ النظام الدولي بإدانة الهجوم، لكنها امتنعت عن التدخل الميداني تفاديًا للوقوع في تعارض بين أولوية أوكرانيا، والعلاقة مع الولايات المتحدة، وتوازنات الشرق الأوسط.

وتؤكد التجربة أن القدرات المادية والقيود البنيوية تتقدم في سلوك الدول على الالتزامات الأيديولوجية أو البيانات السياسية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى