تحت المجهر… الضرر البيئي الخفي للحرب على إيران

ما حدث في ماهشهر لم يكن مجرد حادث صناعي أو ضربة عسكرية عابرة، بل صورة مكثفة لتدمير بيئي منهجي يحدث في ظل الحروب الحديثة.

ميدل ايست نيوز: بينما ينشغل الرأي العام عادةً بحصيلة الحروب من خسائر بشرية وتداعيات سياسية، يظل وجهٌ أعمق وأكثر صمتًا وأشدّ دوامًا لهذه الأزمات بعيدًا عن الضوء: التدمير الواسع للبيئة واختلال التوازنات الإيكولوجية الهشّة. فالغارات الصاروخية واستهداف المنشآت الصناعية، خصوصًا في مناطق الطاقة الحسّاسة، لا تكتفي بتدمير البنى التحتية، بل تطلق سحابات من التلوث في الهواء والماء والتربة، آثارها قد تمتد سنوات طويلة، وربما عقودًا كاملة.

في هذا السياق يمكن قراءة الهجمات الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت المنطقة البتروكيميائية الخاصة في ماهشهر بمحافظة خوزستان بوصفها نموذجًا صارخًا لما يُعرف بـ”تلوث الحرب”. فالمسألة هنا تتجاوز الخسائر المادية المباشرة إلى أضرار بيئية عميقة وبعيدة المدى. فقد أدت الضربات على منشآت مثل فجر وأميركبير إلى انفجارات ضخمة وحرائق هائلة، خلّفت، إلى جانب الدمار الصناعي، آثارًا بيئية ثقيلة ستبقى لوقت طويل. أعمدة كثيفة من الدخان الأسود غطّت سماء ماهشهر وكأنها ستار معتم يطوي المدينة تحت رماده.

حرائق منشآت البتروكيماويات من هذا النوع تُطلق عادة مزيجًا خطيرًا من الملوثات: جسيمات دقيقة من السخام، مركبات كبريتية، وغازات شديدة السُميّة. هذه المواد لا تكتفي بخنق جودة الهواء، بل تفتح الباب أمام أمراض تنفسية مزمنة، واضطرابات قلبية، وحتى احتمالات متزايدة للإصابة بالسرطان على المدى البعيد. ومن أخطر ما يُغفل في مثل هذه الكوارث ظاهرة تُعرف بـ”الأمطار السامة”، حيث تختلط الجزيئات النفطية والمعادن الثقيلة والمركبات الكيميائية بالرطوبة في الغلاف الجوي، ثم تعود إلى الأرض على شكل أمطار سوداء أو رواسب ملوثة، تفتك بالتربة ومصادر المياه وحتى المحاصيل الزراعية.

أما تهديد المياه والتربة، فهو أكثر تعقيدًا مما يبدو. فاستهداف المنشآت البتروكيميائية يرفع احتمالات تسرب المواد الكيميائية والمخلفات الصناعية إلى البيئة المحيطة. في منطقة مثل ماهشهر، المرتبطة بمسطحات مائية ومناطق ساحلية في مياه الخليج، فإن هذه الملوثات لا تبقى محلية، بل تجد طريقها سريعًا إلى المياه السطحية والبحر. والنتيجة ليست فقط تهديد النظام البيئي البحري، بل ضرب مباشر لمصادر رزق المجتمعات المحلية، وعلى رأسها الصيادون.

ما يتركه هذا النوع من الضربات لا يُمحى بسهولة. فخبراء البيئة يحذّرون من أن الأثر يمتد لسنوات طويلة بعد توقف الدخان. التربة الملوثة تفقد خصوبتها تدريجيًا، والزراعة تتراجع، فيما تتسلل السموم إلى السلسلة الغذائية لتصل في النهاية إلى الإنسان والحيوان معًا. وفي البيئة البحرية، يمكن للتلوث النفطي والكيميائي أن يقضي على أنواع كاملة ويقلّص التنوع الحيوي بشكل حاد.

في الساعات الأولى للانفجارات التي ضربت المصانع والمعامل في إيران خلال الأيام الأخيرة لحرب الـ 40 يوماً، خصوصاً قطاع الصلب والصناعات البتروكيمائية، يشكّل الدخان والغازات السامة خطرًا مباشرًا على السكان والعاملين في المنطقة، إذ قد تؤدي إلى حالات تسمم حاد، وأزمات تنفسية، وتفاقم الأمراض المزمنة. ورغم إجراءات الإخلاء ومحاولات السيطرة، فإن أثر هذه اللحظات الأولى يظل محفورًا في الصحة العامة على المدى القصير والمتوسط.

لكن البعد البيئي للحرب لا يتوقف عند حدود المكان. فبحسب تقديرات عضو في المجلس الاستراتيجي لمنظمة حماية البيئة الإيرانية، أُطلق خلال أول 14 يومًا من العمليات العسكرية ضد إيران نحو ستة ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. رقم يوازي انبعاثات دولة صغيرة خلال عام كامل، أو ما يقارب مليون سيارة تعمل بالوقود. هذا يكشف كيف تتحول الحروب إلى محرّك مباشر لتسريع أزمة المناخ العالمية.

واللافت أن هذه الانبعاثات لا تأتي فقط من الطائرات العسكرية، بل أيضًا من تدمير البنى التحتية، وحرائق خزانات النفط، واستخدام المعدات الثقيلة، بل وحتى عمليات إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب، والتي تتطلب كميات هائلة من الإسمنت والحديد والطاقة. أي أن الأثر البيئي للحرب لا ينتهي بانتهائها، بل يستمر ويتضخم بعدها.

ما حدث في ماهشهر لم يكن مجرد حادث صناعي أو ضربة عسكرية عابرة، بل صورة مكثفة لتدمير بيئي منهجي يحدث في ظل الحروب الحديثة. حرب لا يسمع صراخ ضحاياها الحقيقيين بسهولة: الهواء، الماء، التربة، وفي النهاية الإنسان نفسه. وفي عالم يحاول بصعوبة احتواء أزمة المناخ، تصبح مثل هذه الأحداث بمثابة ضربات مضاعفة تعمّق الخلل وتدفع المستقبل نحو مزيد من الهشاشة.

وعلى ضوء ما سبق، فإن استهداف منشآت الطاقة في ماهشهر لم يكن مجرد تطور عسكري، بل ناقوس خطر ثقيل العيار، فالكلفة الحقيقية للحرب تتجاوز بكثير ما يظهر على سطح الركام، وتمتد لتطال الأجيال القادمة واستقرار الأنظمة البيئية بأكملها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − 12 =

زر الذهاب إلى الأعلى