حصة مائية «أكيدة لكن متغيرة».. مكسب عراقي أم فخ تركي؟

يقول خبير في الموارد المائية إن الاتفاق المائي بين العراق وتركيا يبدو غريباً، إلا أن ما قد يمنحه قدراً من الصحة هو عدم وجود اتفاقية مائية أساساً.

ميدل ايست نيوز: يدخل ملف المياه بين العراق وتركيا مساراً جديداً مع اعتماد معادلة تربط الإطلاقات باحتياجات البلاد الفعلية وبياناتها الزراعية والسكانية والصناعية والبيئية، في خطوة تعدها الحكومة أول حصة مائية واضحة للعراق، بينما يحذر مختصون من أن غياب الكمية الثابتة قد يبقي القرار المائي مرتبطاً بتقديرات أنقرة.

تنفيذ المذكرات المائية

ويقول مستشار رئيس الوزراء لشؤون المياه طورهان المفتي، إن “مذكرة آلية تمويل المشاريع للتنمية الإطارية بين العراق وتركيا، التي من المفترض أن تدخل حيز التنفيذ في أيلول المقبل، اعتمدت على مذكرتي تفاهم موقعتين بين البلدين في عامي 2014 و2024”.

ويبين، أن “مذكرة التفاهم الموقعة عام 2014، التي استندت إليها مذكرة آلية تمويل المشاريع، تنص على أن يقوم العراق بتقدير احتياجاته الفعلية من المياه، بما يشمل الاستخدامات المنزلية والزراعية والصناعية والبيئية، وتحويل مجموع هذه الاحتياجات إلى رقم يقدم إلى الجانب التركي، لتحدد على أساسه الإطلاقات المائية وفقاً لما يقدمه الجانب العراقي”.

ويرى، أن “هذه الآلية ستنتج، وفق معادلة رياضية، حصة مائية للعراق”، موضحاً أن “احتسابها لن يكون مرة واحدة في السنة، بسبب اختلاف الاحتياجات المائية بين الصيف والشتاء، فضلاً عن اختلاف أنواع المزروعات والاستخدامات الصناعية والمنزلية، ولذلك يمكن أن تكون المعادلة فصلية أو موسمية”.

حصة مائية متجددة

ويشير المفتي إلى أن “تحديد الحصة الرقمية المائية يتطلب عملاً من فريق عراقي يضم الأطراف ذات العلاقة، ومنها وزارات الموارد المائية والزراعة والبيئة والبلديات، إذ تجمع احتياجات هذه الجهات وتحول إلى معادلة رياضية تنتج رقماً محدداً يقدم إلى الجانب التركي”.

ويضيف، أن “مذكرة آلية تمويل المشاريع تتضمن أيضاً فقرات تتعلق بالالتزام بالاستدامة المائية، والتي تمنح نسبة أو حصة معينة ثابتة للمياه”.

وعن أسباب قبول العراق بربط حجم الإطلاقات التركية ببيانات احتياجاته بدلاً من الاتفاق على حصة ثابتة، يؤكد المفتي أن “العراق لم تكن لديه قبل هذه المذكرة أي حصة مائية متفق عليها حتى يمكن الحديث عن تقليصها أو زيادتها”، موضحاً أن “الدولة العراقية، منذ تأسيسها، لم تكن لديها أي اتفاقية أو معاهدة أو مذكرة تحدد الحصص المائية مع تركيا أو إيران، وهما الدولتان اللتان تأتي منهما المياه بصورة رئيسية”.

ويؤكد، أن” هذه المذكرة تمثل، للمرة الأولى، إشارة واضحة إلى الحاجة المائية للعراق من خلال معادلة رياضية تتحول إلى رقم أو حصة محددة”.

تجارب دولية مماثلة

ويلفت مستشار رئيس الوزراء لشؤون المياه إلى أن “هذه الطريقة في العمل ليست مقتصرة على العراق، وإنما توجد آليات مختلفة مستخدمة بين دول أخرى”، منبهاً إلى أن “المفاوضات المائية تعد من أعقد أنواع المفاوضات، وأن النموذج والتفاهم المائي يختلفان من منطقة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى”.

وأعلن رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، خلال لقائه وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار والوفد المرافق له، في (9 تموز يوليو 2026)، أن الحكومة العراقية تعمل على تأسيس الصندوق العراقي التركي، بهدف تمويل المشاريع الاستثمارية والتنموية في العراق، بما يسهم في تسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية وتعزيز الشراكة الاقتصادية بين البلدين.

وبحسب بيان رسمي، دعا الزيدي الشركات التركية إلى توسيع استثماراتها في القطاع الزراعي، مؤكداً أن العراق يمتلك فرصاً واعدة في هذا المجال، وأن الحكومة ماضية في تنفيذ برامج تنمية الثروة الحيوانية، وتطوير الإنتاج الزراعي، وتعزيز التكامل في سلاسل الإنتاج، فضلاً عن تهيئة البيئة المناسبة وتوفير جميع التسهيلات اللازمة لجذب الاستثمارات النوعية.

اتفاق غريب وآلية غير مضمونة

من جهته، يقول خبير الموارد المائية نجم الغزي، إن “الاتفاق المائي بين العراق وتركيا يبدو غريباً، إلا أن ما قد يمنحه قدراً من الصحة هو عدم وجود اتفاقية مائية أساساً”، معتبراً أن “الجانب التركي يحاول الالتفاف على مسألة الوصول إلى اتفاقية، وتجنب الضغوط الدولية، عبر إيجاد مسار بديل عن الاتفاقيات الدولية”.

ويعتبر، أن “هذه الآلية غير مضمونة، وأن الحديث عنها بهذه الصيغة يؤكد عدم وجود ضمانات للعراق للحصول على حصصه المائية في ظل المتغيرات الدولية والسياسية والاستراتيجية”.

ويشير إلى وجود عامل آخر يتعلق بسوريا بوصفها دولة تقع على مجرى المياه، متسائلاً عن الكيفية التي ستقسم بها هذه المياه مع الجانب السوري.

تحت رحمة تركيا

ويحذر الغزي من وصف حصة العراق بأنها “أكيدة لكنها غير ثابتة، فهذه النقطة تمثل خطراً كبيراً جداً، إذ يمكن أن تبلغ الإطلاقات 20 أو 30 أو 40 متراً، وربما تصل إلى 70 متراً، بحسب الموقف والحالة والرؤية التركية، ما يعني بقاء العراق تحت رحمة الجانب التركي”.

ويعتقد، أن “الاتفاق يمثل بديلاً عن وجود اتفاقية، ويتضمن قدراً كبيراً من التنازلات، في حين أن العراق بحاجة إلى استخدام وسائل أخرى للضغط، ولا سيما الضغط الأمريكي، في ظل افتقاد ضغط خارجي على تركيا، ما يسمح لها بالتصرف بهذه الطريقة”.

وعن البيانات التي ستقدم إلى الجانب التركي، يبين الغزي أنها “تشمل عدد السكان ودرجات الحرارة والمواسم الزراعية والحاجات الفعلية للمياه في كل شهر ونسب التبخر ومساحات الأراضي المزروعة، فضلاً عن طرق الري المستخدمة في العراق، سواء كانت حديثة أم غير حديثة، ووجود السدود والخططتين الصيفية والشتوية”.

ويردف، أن “هذه معلومات دقيقة سيحصل عليها الجانب التركي، وعلى أساسها ستحدد الحصص المائية، والنتيجة النهائية لهذه الآلية ستبقي تركيا متحكمة بالإطلاقات المائية التي تصل إلى العراق”.

وبموجب هذه المعادلة، سيحصل العراق للمرة الأولى على ما وصفه المفتي بـ”حصة مائية أكيدة لكنها غير ثابتة”، إذ ترتفع الكميات أو تنخفض وفقاً لطبيعة الاستهلاك والاحتياجات خلال الأشهر والفصول المختلفة، بدلاً من اعتماد كمية ثابتة طوال العام.

وبالتوازي مع بدء العمل بهذه الآلية، يواصل فريق تفاوضي متخصص اجتماعاته لتنظيم الترتيبات المائية مع تركيا وإيران وسوريا.

وبذلك، ينقل الاتفاق ملف المياه من غياب أي حصة محددة إلى معادلة تربط الإطلاقات بالحاجة الفعلية للعراق، إلا أن الاختبار الأهم سيبقى في كيفية ترجمة تلك البيانات إلى كميات مائية، ومدى قدرة الآلية الجديدة على ضمان وصول الاحتياجات التي تطلبها بغداد فعليا.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى