من ظل الحرب إلى رمادها: البحث عن طريق وسط
إن وقف إطلاق النار الهش، والوضع القائم الذي لا هو حرب كاملة ولا تفاوض فعّال، بالتوازي مع إغلاق مضيق هرمز وفرض حصار بحري، بدأت انعكاساته تظهر في صورة نقص في السلع وارتفاع في الأسعار وغيرها من التداعيات.
ميدل ايست نيوز: في قراءة نقدية تتسم بالصراحة والواقعية السياسية، استعرض المحلل في القضايا السياسية، صادق ملكي، مآلات الصراع الراهن بين طهران وواشنطن، معتبراً أن المنطقة انتقلت بالفعل من “ظل الحرب إلى رمادها”، في وقت كان فيه الوصول إلى طريق وسط يقود نحو السلام ممكناً، لولا أن المسارات اتخذت منحىً “ما كان ينبغي أن يحدث”.
وفي المقال الذي نشره موقع دبلوماسي إيراني، حسم ملكي موقفه في ثنائية الحرب والسلام بالانحياز التام لخيار السلم، مؤكداً أن هذا الخيار لا ينبع من موقف ضعف أو خوف، بل هو تجسيد لـ “عقلانية تملي شجاعة التمسك بالسلام” وسط ضجيج طبول الحرب التي تقرع في المنطقة.
وعلى صعيد قراءته للميدان، أشار ملكي إلى أن آفاق المرحلة المقبلة تظل ضبابية وغير واضحة، بالنظر إلى مواقف الطرفين الإيراني والأميركي تحت مظلة وقف إطلاق نار هش. ووصف ملكي الحالة الراهنة بأنها “مغامرة التحمل” التي دخلتها طهران وواشنطن بين الخوف والرجاء، محذراً من أن استمرار هذا الوضع “الرمادي” — الذي يفتقر لسمات الحرب الكاملة أو التفاوض الفعّال — لا يخدم أياً من الطرفين.
ولم يغفل المحلل السياسي التداعيات المباشرة للوضع القائم، حيث لفت إلى أن إغلاق مضيق هرمز وفرض الحصار البحري بدأ يلقي بظلاله القاتمة على الداخل الإيراني، متمثلاً في نقص السلع الأساسية وارتفاع الأسعار. وفي هذا الصدد، وجه ملكي نقدًا صريحًا لآلية الإدارة الحكومية، مؤكدًا أنه إذا قررت السلطات المضي في خيار المواجهة أو الثبات على النهج الحالي، فإن “أسلوب الإدارة القائم للدولة لن يكون قادراً على تلبية متطلبات هذا القرار”. وطالب بضرورة إحداث تغييرات جذرية في إدارة شؤون البلاد تتلاءم مع مقتضيات الحصار، الذي اعتبره “شكلاً من أشكال الحرب”.
سقف العقلانية مقابل “صوت الشارع”
وفي نبرة حازمة، أعلن ملكي عدم إيمانه بالشعارات التي تُطلق في الشارع أو بأصوات الحماسة التي تقرع طبول الحرب، مشدداً على أن مسار السياسة يجب أن يُرسم تحت “سقف العقلانية” وليس انفعالات الجماهير. واعترف صراحةً بأن إيران “لا تملك، في حال الحرب، القدرة على هزيمة الولايات المتحدة”.
ووضع ملكي السلطات أمام مسؤولياتها في حال قررت الاستمرار في مواقف قد تؤدي للحرب أو استمرار الحصار، ملخصاً خطوات المواجهة في:
- التخلي الفوري عن الخطاب الشعبوي ومصارحة المواطنين بالواقع بشكل مباشر.
- إعلان “حالة استثنائية” لإدارة شؤون البلاد وتأمين الاحتياجات الأساسية بآليات الحرب.
- تهيئة الرأي العام لاحتمال المرور بمرحلة صعبة وطويلة، معتبراً هذه المكاشفة “الخطوة الأهم في إدارة الأزمات”.
واختتم ملكي رؤيته بالتأكيد على أن تجنب مزيد من الدمار ما زال ممكناً إذا ما غلبت “عقلانية البقاء” على “الرؤى الكارثية”. وأشار إلى أن المفاوضات المباشرة التي احتضنتها “إسلام آباد” مثلت تحولاً مهماً في الأزمة الممتدة منذ عقود، مؤكداً أنه في حال توافر الإرادة الحقيقية، فإن كافة الملفات العالقة قابلة للحل التفاوضي، مما يجعل كفة الأمل بالسلام أرجح من كفة شبح الحرب.



