الصحافة الإيرانية: فخ الفجيرة.. هل يدفع التصعيد إيرانَ إلى حرب غير مرغوبة؟
يرى العدد من المراقبين أن التحول في سلوك طهران تجاه أبوظبي يرتبط بمحاولات الإمارات تقليص ورقة الضغط الإيرانية في مضيق هرمز.
ميدل ايست نيوز: تشهد منطقة الخليج هذه الأيام أحد أكثر التحولات السياسية والعسكرية حدة في السنوات الأخيرة. فالإمارات، التي كانت تُعد حتى وقت قريب الرئة الاقتصادية لإيران ومصدر أكثر من 70 بالمئة من وارداتها، تحولت إلى بؤرة صدامات صاروخية وهجمات بطائرات مسيّرة.
وأدى استهداف منشآت البتروكيماويات في الفجيرة ومرافق الطاقة إلى زعزعة معادلات تجارية راسخة، وأثار تساؤلات جدية حول أسباب ضرب هذا الشريك الاستراتيجي. وفي وقت يتحدث فيه مسؤولون إماراتيون بلهجة حادة عن «عداء قديم» ويتهمون إيران بالمسؤولية المباشرة عن الهجمات، تصاعدت داخليًا موجة تصريحات متشددة وتحذيرات دبلوماسية. ويبرز سؤال أساسي حول كيفية تحوّل علاقات قامت على مليارات الدولارات من التجارة إلى تهديدات بـ«العودة إلى زمن ركوب الجمال»، وما إذا كانت هذه التطورات جزءًا من فخ يهدف إلى جرّ إيران إلى حرب غير مرغوبة.
لماذا استُهدف شريان إيران التجاري؟
يقول طهمورث كيلاني، الخبير في الشؤون السياسية، في مقال لصحیفة توسعه إيراني، إن العدد من المراقبين يرون أن التحول في سلوك طهران تجاه أبوظبي يرتبط بمحاولات الإمارات تقليص ورقة الضغط الإيرانية في مضيق هرمز. فقد سعت أبوظبي إلى تطوير ميناء الفجيرة على بحر عمان وإنشاء خط أنابيب يتجاوز المضيق، في خطوة تهدف إلى خفض اعتماد العالم على هذا الممر الخاضع لنفوذ إيران.
وأشارت شبكة «سي إن إن» في تحليل لها إلى أن الإمارات تمكنت من إيصال كميات أكبر من النفط الخام إلى الأسواق مقارنة بجيرانها المعتمدين على مضيق هرمز، ما جعل الفجيرة هدفًا استراتيجيًا. كما أن التقارب غير المسبوق بين الإمارات وإسرائيل، ونشر أنظمة دفاع جوي من طراز «القبة الحديدية» على أراضيها، اعتُبر في طهران تجاوزًا لخطوط حمراء أمنية.
ونقلت وكالة «تسنيم» عن مصدر عسكري تحذيره من أن الإمارات «إذا تحولت إلى أداة بيد إسرائيل، فستتلقى درسًا لن تنساه». وتصاعد التوتر مع تصريحات حاكم الإمارات الذي قال إن «الإيرانيين احتلوا جزرنا وعليهم أن يحذروا من الغضب العربي»، في ظل تقارير عن تعاون عسكري بين أبوظبي وتل أبيب، ما هيأ أجواء مواجهة عسكرية.
في المقابل، يحذر بعض المحللين من احتمال وجود «فخ أمني» أو اختراق يدفع نحو التصعيد. ويُطرح تساؤل حول الجهة المستفيدة من نسف وقف إطلاق النار واستهداف أكبر شريك تجاري لإيران في وقت تخوض فيه مفاوضات لرفع العقوبات. وأظهرت إدانات دولية من الهند وفرنسا وألمانيا وحتى باكستان، التي لعبت دور الوسيط، مؤشرات على عزلة دبلوماسية محتملة. وأدان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الهجمات بلهجة واضحة، معتبرًا أنها تقوض المناخ الدبلوماسي.
تعزز هذه التطورات فرضية سعي أطراف ما إلى دفع إيران نحو مستنقع يعيد تشكيل إجماع دولي ضدها ويقوض مسار المفاوضات. ويرى بعض المراقبين أن أي اختراق استخباراتي في دوائر صنع القرار قد يقود إلى خطوات تفوق كلفتها مكاسبها العسكرية، خصوصًا مع اعتماد 70 بالمئة من واردات إيران على هذا المسار.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن مضيق هرمز وبحر عمان يعيشان حالة توتر حاد. وتواجه إيران اختبارًا صعبًا بين الدفاع عن سيادتها وأمنها في مواجهة النفوذ الإسرائيلي في الخليج، وبين تجنب الوقوع في فخ يهدد بنيتها الاقتصادية والدبلوماسية. ويُنظر إلى ضبط الخطاب الداخلي وإدارة الرد على الولايات المتحدة كعاملين حاسمين لتجاوز الأزمة.
كما أن أي اضطراب في العلاقات مع أبوظبي ينعكس مباشرة على معيشة الإيرانيين، في ظل اعتماد جزء كبير من الاحتياجات الأساسية على الموانئ الإماراتية. والدخول في مواجهة عسكرية من دون بدائل اقتصادية قد يفضي إلى صدمات تضخمية حادة. ولا يقتصر مفهوم الاختراق هنا على التجسس العسكري، بل قد يمتد إلى تبني سياسات تقود إلى إضعاف اقتصادي داخلي. وفي ظل حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إخفاق محاولات محاصرة النفط الإيراني، فإن إشعال صراع عند نقطة ارتكاز الواردات الإيرانية قد يشكل الحلقة المفقودة في استراتيجية العقوبات.
وعلى الصعيد الدولي، يُعد تغير موقف باكستان، الوسيط التقليدي، مؤشرًا مقلقًا للدبلوماسية الإيرانية. فعندما تدين إسلام آباد الهجمات صراحة، فإن ذلك يعكس تراجع الغطاء الإقليمي. ويرى مراقبون أن هذه العزلة قد توفر لإسرائيل ولتيارات متشددة في الولايات المتحدة أرضية لتبرير هجمات محتملة. كما أن تقارير «سي إن إن» عن احتمال تنفيذ هجوم مشترك أميركي-إسرائيلي خلال 24 ساعة توحي بتهيئة الرأي العام لسيناريو تصعيد، ما يجعل أي خطوة غير محسوبة عرضة لتسريع هذا المسار.



