إيران وورقة هرمز: قوة ردع استراتيجية أم خطر يهددها؟

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي استراتيجي، بل تحوّل إلى أهم ساحة لاختبار السياسة الخارجية الإيرانية بعد الحرب.

ميدل ايست نيوز: لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي استراتيجي، بل تحوّل إلى أهم ساحة لاختبار السياسة الخارجية الإيرانية بعد الحرب. ففي الأيام التي لم تخرج فيها المنطقة بعد من ظلّ الحرب وهدنةٍ هشة، عاد مضيق هرمز مجددًا إلى مركز الثقل في التحولات الجيوسياسية العالمية؛ ذلك الممر البحري الضيق الذي ما إن يُذكر اسمه في عناوين الأخبار حتى تتأثر أسواق النفط وأمن الطاقة والتجارة العالمية وحتى التموضع العسكري للقوى الكبرى. لكن هذه المرة، لا يقتصر الأمر على التهديد بإغلاق المضيق أو تصاعد التوترات المعتادة؛ بل إن القضية الأساسية تتمثل في تشكّل معركة جديدة حول «إدارة أمن هرمز».

وحسب تقرير لصحيفة “توسعه إيراني” بدأت الأمور تأخذ منحى أكثر جدية عندما أعلنت بريطانيا، بالتعاون مع فرنسا، استضافة اجتماع متعدد الجنسيات لوزراء الدفاع بشأن «الخطط العسكرية لإعادة حركة التجارة عبر مضيق هرمز»؛ اجتماع يضم أكثر من 40 دولة، ما يُظهر عمليًا أن ملف هرمز لم يعد قضية بين طهران وواشنطن فقط.

تتحدث لندن وباريس عن «حماية الملاحة البحرية»، و«استعادة ثقة الأسواق»، و«ضمان العبور الآمن للسفن»؛ وهي لغة تبدو دفاعية ظاهريًا، لكنها تكتسب في طهران معنى مختلفًا تمامًا.

رد طهران الفوري على التصريحات الأوروبية

في الساعات الأولى من انتشار الخبر، حذّر كاظم غريب آبادي، بنبرة غير مسبوقة، من أن وجود السفن الحربية الأجنبية قرب مضيق هرمز لا يعني سوى تصعيد الأزمة وعسكرة ممر مائي حيوي. وأكد أن أمن هذا المضيق تؤمّنه الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحدها، وأن أي تنسيق أوروبي مع الإجراءات الأمريكية سيواجه برد إيراني فوري.

لم يكن هذا الرد مجرد تحذير دبلوماسي، بل محاولة مبكرة من طهران لمنع تشكّل رواية تسمح للقوى الغربية بتصوير وجودها العسكري في الخليج العربي على أنه «ضروري» و«مشروع». فإيران تدرك جيدًا أنه إذا تحوّل ملف هرمز إلى قضية أمنية بالكامل، فقد يتكرر السيناريو الذي أدى خلال السنوات الماضية إلى زيادة الحضور العسكري الأجنبي في المنطقة.

المعنى الخفي للتحركات الأوروبية

في المقابل، تحمل أوروبا رسالة واضحة. ففرنسا وبريطانيا تعتبران أن ما يحدث في هرمز لم يعد شأنًا إيرانيًا أو إقليميًا فحسب، بل بات يهدد أمن الطاقة العالمي بشكل مباشر.

وقد صرّح وزير الخارجية الفرنسي بوضوح أن المضائق «ممتلكات دولية» ولا يحق لأي دولة إغلاقها. وربما تشكّل هذه العبارة أبرز مؤشر على الفجوة العميقة بين روايتين متناقضتين؛ فطهران تؤكد على السيادة الساحلية وحقها في إدارة المضيق، بينما تتحدث أوروبا عن «حرية الملاحة العالمية».

في الواقع، هناك اليوم صورتان مختلفتان تمامًا لهرمز. ففي الرؤية الإيرانية، يُعد المضيق جزءًا من العمق الاستراتيجي والسيادة الوطنية للبلاد؛ نقطةً تمتلك طهران حق اتخاذ القرار بشأن أمنها ومنع تدخل القوى الأجنبية فيها. أما في الرؤية الأوروبية والغربية، فإن هرمز هو شريان الاقتصاد العالمي، وأي تهديد له يتجاوز كونه أزمة إقليمية.

هذا الاختلاف في الرؤية جعل هرمز يتحول تدريجيًا من ممر اقتصادي إلى ساحة جديدة للاصطفاف السياسي والعسكري. فإرسال فرنسا لحاملة الطائرات «شارل ديغول»، وإرسال بريطانيا للمدمرة «إتش إم إس دراغون»، وإن كان تحت عنوان «مهمة دفاعية»، إلا أنه يُنظر إليه في طهران باعتباره بداية تشكّل تحالف بحري جديد قد يؤدي مستقبلًا إلى حضور أوسع للقوات الأجنبية حول إيران.

التيارات السياسية أكثر تشددًا من الدبلوماسيين

لكن النقطة الأهم تدور داخل طهران نفسها، حيث تبدو لهجة بعض التيارات السياسية الداخلية أكثر حدة من الخطاب الرسمي للدبلوماسية الإيرانية. ففي حين تحاول وزارة الخارجية إدارة الملف ضمن إطار قانوني وسيادي، تستخدم بعض التيارات المتشددة لغة مواجهة مباشرة.

فقد تحدث حسين شريعتمداري، في مقال لافت، عن «الحق الطبيعي لإيران في مهاجمة السفن الفرنسية والبريطانية»، بل طرح فكرة «المواجهة الاستباقية». واعتبر وجود السفن الأوروبية بمثابة إعلان حرب، وكتب أن «الفريسة جاءت إلى ساحة الصيد بنفسها».

وفي الوقت نفسه تقريبًا، أعلن علي خزائي أن «أي سفينة لا تملك حق المرور عبر مضيق هرمز دون إذن من إيران»، وأن السفن التابعة للولايات المتحدة والدول المتحالفة معها لا ينبغي أن تحصل أساسًا على تصريح عبور. وتشير هذه التصريحات، إلى جانب مواقف مشابهة من شخصيات سياسية أخرى، إلى أن جزءًا من المشهد الداخلي يتجه نحو تعريف أكثر تشددًا لقضية هرمز.

هرمز… ورقة استراتيجية بيد إيران

الحقيقة أن مضيق هرمز يمثل بالنسبة لإيران ورقة استراتيجية كبرى. فجزء كبير من نفط العالم، وصادرات الطاقة لدول الخليج العربية، والتجارة البحرية بين الشرق والغرب، يمر عبر هذا المضيق.

وهذا ما وضع إيران في واحدة من أكثر النقاط الجيوسياسية حساسية في العالم؛ نقطة يمكن لأي توتر صغير فيها أن يؤثر على أسعار النفط، وتأمين السفن، والأسواق المالية، وحتى معدلات التضخم العالمية.

لكن امتلاك هذا الموقع الحساس لا يعني بالضرورة تحقيق النجاح. ففي السياسة الخارجية، امتلكت دول كثيرة أوراقًا مهمة، لكنها تحولت إلى عوامل عزلة عندما فشلت في استخدامها في الوقت المناسب وبالحسابات الدقيقة. وإيران تقف اليوم عند هذه النقطة الحساسة بالذات.

يمكن لطهران استخدام هرمز كأداة ردع ووسيلة تفاوض، كما تفعل قوى إقليمية ودولية عديدة بأدواتها الجيوسياسية. لكن إذا تحولت هذه الورقة إلى وسيلة لتهديد دائم لجميع الأطراف الدولية، فقد تأتي النتائج معاكسة تمامًا.

ومن هنا، تكتسب لهجة وسلوك إيران أهمية استثنائية. فبينما تريد طهران إظهار قدرتها على إدارة المضيق، عليها في الوقت نفسه أن تحذر من أن تتحول هذه القوة إلى سبب لتشكيل إجماع عالمي جديد ضدها.

بين الردع وإثارة الهلع

ربما تكمن أهم معضلة تواجه إيران اليوم في كيفية تحقيق التوازن بين «إظهار القوة» و«إنتاج الخوف العالمي». فهاتان المسألتان ليستا شيئًا واحدًا كما يُتصور عادة.

فالردع يعني أن يدرك الطرف المقابل أن إيران تمتلك القدرة على التأثير في معادلات هرمز. أما الخوف العالمي فينشأ عندما تشعر الأسواق والحكومات والشركات الدولية بأنها تتعامل مع طرف غير قابل للتوقع، قد يغير قواعد الملاحة أو أمن الطاقة في أي لحظة.

وفي هذا السياق، يكتسب التراجع النسبي لـ Emmanuel Macron أهمية خاصة. فبعد أن تحدث الرئيس الفرنسي عن مهمة مشتركة مع بريطانيا لتأمين هرمز، عاد بعد ساعات ليؤكد أن باريس لم تتخذ قرارًا بنشر قوات عسكرية في المضيق، وأن أي خطوة يجب أن تتم بالتنسيق مع إيران.

ويُظهر هذا التغيير في اللهجة أن أوروبا تدرك أيضًا أن الدخول المباشر والحاد في ملف هرمز قد يدفع المنطقة إلى دائرة من التوتر غير القابل للسيطرة. لكنه يحمل رسالة أخرى أيضًا: الغرب لا يزال يختبر حدود رد الفعل الإيراني.

فلندن وباريس تريدان معرفة مدى استعداد طهران لاستخدام ورقة هرمز عمليًا، وهل هي مجرد أداة ضغط سياسي أم أنها قد تؤدي إلى مواجهة ميدانية فعلية. ولهذا، أصبح نوع الرد الإيراني اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ورقة قد تنقلب على صاحبها

لا شك أن مضيق هرمز يمثل إحدى أعظم المزايا الجيوسياسية لإيران. فكثير من الدول تمضي عقودًا في محاولة الوصول إلى موقع يسمح لها بالتأثير على طرق التجارة العالمية، بينما تتمتع إيران بهذا الموقع طبيعيًا.

ولهذا السبب، لا يُنظر إلى هرمز في طهران على أنه مجرد ممر مائي، بل كجزء من منظومة الردع الخاصة بالجمهورية الإسلامية.

لكن التجارب الدولية تُظهر أن الأدوات الجيوسياسية إذا أُفرط في استخدامها، فقد تفقد تأثيرها أو حتى تنقلب ضد أصحابها. فالتهديد الدائم بإغلاق هرمز أو فرض سيطرة مشددة عليه، إذا تحول إلى حالة مزمنة، قد يدفع الدول المستهلكة للطاقة إلى البحث عن بدائل أخرى.

وفي الواقع، ينبغي أن يشكل هذا الأمر جزءًا من القلق الإيراني الحالي؛ فهرمز يبقى ورقة رابحة لطهران فقط ما دام «أداة ضغط»، لا «أزمة دائمة». وإذا توصل العالم إلى قناعة بأن أمن الطاقة مهدد باستمرار، فإن الجهود الرامية إلى تدويل أمن المضيق وزيادة الوجود الأجنبي ستكتسب شرعية أكبر؛ وهو المسار الذي عارضته إيران لسنوات طويلة.

وهنا تحديدًا تصبح «طريقة استخدام الورقة» أهم من الورقة نفسها. فبإمكان إيران استغلال موقع هرمز لتعزيز قدرتها التفاوضية، وتثبيت دورها الإقليمي، ومنع المزيد من الضغوط عليها. لكن إذا اختُزل هذا الموقع في لغة التهديد فقط، فقد تتحول قوة الردع تدريجيًا إلى عامل يدفع نحو بناء إجماع دولي ضد طهران.

صراع روايتين داخل طهران

حتى داخل إيران نفسها، يبدو أن هناك مقاربتين متنافستين. الأولى، التي تظهر أكثر في المؤسسة الدبلوماسية الرسمية، تسعى إلى تعريف قضية هرمز ضمن إطار القانون الدولي والسيادة الساحلية والردع المنضبط. وهذه الرؤية، رغم لهجتها الحادة، لا تزال تحاول منع تحول الأزمة إلى مواجهة مباشرة واسعة.

أما المقاربة الثانية، التي تظهر في بعض وسائل الإعلام والتيارات المتشددة، فتعتقد أن الوقت قد حان لاستخدام ورقة هرمز إلى أقصى حد، وأن على إيران اعتماد خطاب أكثر صرامة. ووفق هذه الرؤية، لا يُنظر إلى وجود السفن الأوروبية باعتباره تهديدًا يمكن احتواؤه، بل فرصة لـ«إظهار القوة».

وتكتسب هذه الازدواجية أهمية كبيرة، لأن العالم لا يراقب فقط السلوك الرسمي للدول، بل ينظر أيضًا إلى المناخ السياسي والإعلامي العام. وعندما يجري الحديث في الوقت نفسه عن «حق الضربات الاستباقية» و«منع السفن من العبور»، فمن الطبيعي أن تتزايد المخاوف بشأن أمن هرمز.

المعركة الحقيقية: مستقبل النظام الإقليمي

قد يبدو الأمر ظاهريًا متعلقًا بعدة سفن حربية وبعض التصريحات السياسية، لكن القضية في الحقيقة أعمق بكثير. فما يجري الآن في هرمز هو جزء من صراع أكبر حول مستقبل النظام الإقليمي بعد الحرب: من الذي سيحدد قواعد أمن الخليج العربي؟ إيران؟ التحالفات الغربية؟ أم مزيج من الطرفين؟

بالنسبة لطهران، لا يُعد هرمز مجرد أداة ضغط، بل رمزًا لفكرة أن إيران ما زالت لاعبًا حاسمًا في المنطقة. أما بالنسبة لأوروبا والغرب، فالمسألة تتعلق بمنع تحول ممر مائي حيوي إلى أداة ضغط دائمة.

وفي ظل هذه الظروف، قد يكون الاختبار الأهم للسياسة الخارجية الإيرانية ليس في القوة الصاروخية أو القدرات العسكرية، بل في «إدارة ورقة هرمز». فطهران تمتلك اليوم ورقة مهمة، لكن أي ورقة رابحة إذا استُخدمت دون حسابات دقيقة قد تتحول إلى نقطة ضعف.

وفي النهاية، ليست القضية ما إذا كانت إيران تمتلك قوة في هرمز أم لا؛ فالعالم يدرك هذه القوة. القضية الحقيقية هي ما إذا كانت طهران قادرة على تحويل هذه القوة إلى مكسب سياسي وردع مستدام، أم أن التوترات ستتجه نحو تحويل هرمز من أداة استراتيجية إلى ساحة مواجهة دائمة مع العالم.

لا يزال مضيق هرمز أكبر ورقة جيوسياسية لإيران، لكن في السياسة لا يكفي امتلاك الورقة المهمة؛ ففي أحيان كثيرة، لا تحدد قوة الورقة مصير اللعبة، بل الطريقة التي تُلعب بها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى