مشروع أفغاني لتوطين 49 ألف أسرة قرب الحدود الإيرانية يثير مخاوف ديموغرافية
دخلت أزمة حقوق إيران المائية من نهر هلمند المشترك مع أفغانستان مرحلة جديدة لم تعد تقتصر على الخلاف بشأن تنفيذ معاهدة عام 1973، بل باتت تشمل أبعاداً جيوسياسية وأمنية.

ميدل ايست نيوز: دخلت أزمة حقوق إيران المائية من نهر هلمند المشترك مع أفغانستان مرحلة جديدة لم تعد تقتصر على الخلاف بشأن تنفيذ معاهدة عام 1973، بل باتت تشمل أبعاداً جيوسياسية وأمنية وبيئية وحتى تغييرات سكانية على الحدود الشرقية لإيران. ويبدو أن حركة طالبان استغلت انشغال المشهد الإعلامي بالحرب الأخيرة لتسريع مشاريعها المائية، وهي مشاريع يعتبرها خبراء موجهة مباشرة ضد المصالح الإيرانية.
وأظهرت صور أقمار صناعية في أحدث التطورات أن جزءاً كبيراً من مياه هلمند، الذي كان يمكن أن بتدفق إلى بحيرة هامون، جرى تحويله مجدداً عبر سد كمال خان نحو منخفض غودزره الملحي؛ وهي خطوة يراها خبراء جزءاً من سياسة ممنهجة لإعادة هندسة الموارد المائية بل وحتى إحداث تغييرات سكانية على الحدود مع إيران.
وفي الوقت نفسه، أعلنت وزارة المياه والطاقة والشركة الوطنية للتنمية في أفغانستان رسمياً عن خطة لإحياء الأراضي المحيطة بغودزره وتوطين 49 ألف أسرة بشتونية قرب الحدود الإيرانية؛ وهو مشروع من شأنه، إلى جانب تفاقم الأزمة البيئية في سيستان، التأثير في التركيبة العرقية والأمنية للمنطقة.
هل تسعى طالبان إلى تغيير النسيج السكاني على حدود إيران؟
قال حسين سرغزي، معاون الشؤون الفنية في الإدارة العامة للموارد الطبيعية وإدارة الأحواض المائية في محافظة سيستان وبلوشستان، إن أحد أهداف تحويل المياه نحو غودزره يتمثل في إحداث تغييرات ديموغرافية على الحدود مع إيران.
وأوضح أن سد كمال خان افتُتح عام 2021، ويجري حالياً السعي إلى توجيه مياه تلك المناطق نحو سبخة غودزره. وأضاف أن أحد أسباب تمتع بحيرات هامون الثلاث بمياه عذبة وتربة مناسبة كان تصريف المياه المالحة نحو غودزره، معتبراً أن نقل المياه إلى هناك غير منطقي، إذ إن إحياء المنطقة سيستغرق قروناً، كما لا تتضح طبيعة النشاط الاقتصادي المفترض إقامته فيها.
وتابع أن من بين البرامج بعيدة المدى لطالبان إحياء 49 ألف هكتار من الأراضي المحيطة بغودزره وتوطين 49 ألف أسرة بشتونية هناك. وأشار إلى أن الجانب الإيراني من الحدود تسكنه غالبية بلوشية، وأن كمال خان سنجراني نفسه كان بلوشياً، مضيفاً أن نقل البشتون يهدف إلى تغيير التركيبة العرقية وإحداث اضطرابات جديدة.
ووفقاً له، تُظهر صور الأقمار الصناعية الأخيرة توجيه نحو ملياري متر مكعب من المياه خلال العام الجاري إلى غودزره، من دون تعريف استخدام اقتصادي واضح لهذه الكميات.
سدود جديدة وخطر «نهاية بيئية»
وحذر سرغزي من أن مشاريع السدود الجديدة في أفغانستان قد تدفع الأزمة البيئية في شرق إيران إلى مرحلة أكثر خطورة.
وقال إن سداً أُنشئ على نهر خاش رود مع خطط لتطوير ثمانية آلاف هكتار من الأراضي، كما يجري تنفيذ سد بخش آباد بسعة 1.3 مليار متر مكعب للسيطرة على ذروة الفيضانات. وأضاف أنه حذر منذ الإعلان عن سد خاش رود من أن أفغانستان تطلق النار على نفسها، لأن الغبار الناجم عن جفاف البحيرات سيعود إليها أيضاً.
وأوضح أن سد بخش آباد، الذي يُبنى على نهر فراه رود، سيؤدي عملياً إلى قطع جزء كبير من تدفقات هامون صابري، مضيفاً أنه في حال اكتماله، ومع تطوير 120 ألف هكتار من الأراضي الجديدة، ستنقطع إمدادات فراه رود بالكامل، ما سيعرض المنطقة لأزمة غبار حادة وتدمير للموارد المائية.
أزمة المياه من سيستان إلى مشهد
وحذر المسؤول من أن تداعيات الإجراءات الأفغانية لن تقتصر على سيستان، بل ستمتد إلى محافظة خراسان الرضوية.
وقال إن افتتاح سد باشدان سيؤثر في مياه نهر هري رود وسد دوستي، وإن المياه لن تصل إلى سد دوستي في الظروف العادية إلا أثناء الفيضانات، مشيراً إلى أن وضع خراسان ليس جيداً.
وأضاف أن نحو خمسة مليارات متر مكعب من المياه كانت تدخل حوض سيستان سنوياً في المتوسط، لكن الأنهار الدائمة جرى ضبطها، وإذا أُقيمت سدود على الأنهار الأخرى أيضاً، فإن الغطاء النباتي والنظام البيئي وحتى الحضارة المتشكلة في المنطقة ستواجه أزمة خطيرة.
وأشار إلى أن مدينة مشهد ستشهد تراجعاً في مواردها المائية نظراً لاعتمادها على سد دوستي.
ولفت كذلك إلى مشروع نقل المياه من بحر عُمان إلى خراسان، قائلاً إنه كان من المقرر نقل 180 مليون متر مكعب من المياه المحلاة، إلا أن معلومات تشير إلى خفض مخصصات المشروع بسبب نقص التمويل.
أداة ضغط
واعتبر فرشيد عابدي، الصحافي من سيستان وبلوشستان والناشط في دبلوماسية المياه مع أفغانستان، أن طالبان لا تنظر إلى السدود من منظور تنموي فحسب، بل تعتبر المياه أداة جيوسياسية.
وأوضح أنه في إطار المقاربة الهيدروسياسية الأفغانية، يجري إنشاء مشاريع مثل سد كمال خان، وسد بخش آباد بدعم من تركيا وقطر، وقنوات تحويلية وسدود صغيرة على خاش رود، بهدف استخدام المياه كورقة ضغط على دول المصب.
وأضاف أن صور الأقمار الصناعية تُظهر امتلاء الجزء الأفغاني من بحيرة هامون بوزك بالمياه، إلا أن الحواجز الترابية والمنشآت الاصطناعية تمنع تدفقها نحو إيران.
وحذر من أن استكمال سد بخش آباد سيضع سيستان في ظروف كارثية خلال السنوات المقبلة، معتبراً أن السياسة المائية لطالبان تترافق مع مشروع لتغيير النسيج السكاني.
وقال إن إيران متأخرة في الحرب الإعلامية ودبلوماسية المياه، موضحاً أن أفغانستان تبني روايتها بذكاء، في حين لم تُنجز في إيران حتى الآن دراسات شاملة حول الآثار البيئية لسدود أفغانستان.
وانتقد ضعف الأداء الدبلوماسي الإيراني، مشيراً إلى أن المقرات الدبلوماسية الأفغانية سُلّمت لطالبان خلال السنوات الماضية من دون الحصول على ضمانات واضحة بشأن حصة هلمند وهامون وهري رود.
وحذر من أنه في حال استكمال سد بخش آباد وعدم إطلاق مياه فراه رود، فإن أزمة الغبار في سيستان ستصبح أسوأ بكثير من الوضع الحالي، إلى حد قد يدفع السكان إلى تمني الظروف الراهنة.



