الصحافة الإيرانية: كيف غيّر إغلاق مضيق هرمز معادلات الموازنة الروسية؟

أظهرت تقارير أن الحرب في الشرق الأوسط واحتمالات تعطل الملاحة في مضيق هرمز غيّرت بشكل مباشر معادلات الموازنة الروسية.

ميدل ايست نيوز: أظهرت تقارير أن الحرب في الشرق الأوسط واحتمالات تعطل الملاحة في مضيق هرمز غيّرت بشكل مباشر معادلات الموازنة الروسية، إذ دفعت القفزة في أسعار النفط موسكو من أزمة مالية في بداية العام إلى تحقيق إيرادات نفطية غير متوقعة، غير أن هذه المكاسب، بحسب محللين، تبقى مرتبطة بالكامل باستمرار الأزمة وبسيناريوهات عالية المخاطر.

وبدأ العام الجاري بصورة صعبة بالنسبة للاقتصاد الروسي، حيث استمرت العقوبات الغربية في الضغط على قطاعي اللوجستيات والاقتصاد، فيما بقي سعر الفائدة الأساسي لدى البنك المركزي الروسي عند مستويات مرتفعة، ما جعل الحصول على القروض شبه مستحيل بالنسبة لشركات النفط. وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف الاستخراج والنقل، بينما ظلت أسعار النفط منخفضة نسبيًا.

وكتبت صحيفة “اطلاعات” الإيرانية أن بيانات وزارة المالية الروسية أظهرت تراجع الإيرادات النفطية والغازية في موازنة عام 2026 بنسبة 43% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وخلال مارس، دفعت الشركات الروسية الضرائب استنادًا إلى سعر خام الأورال في فبراير، والذي بلغ 44.6 دولارًا فقط للبرميل.

وفي المجمل، تجاوز عجز الموازنة الروسية خلال الربع الأول من العام السقف المتوقع لكامل السنة، إذ بلغ العجز الفعلي 4.6 تريليون روبل. كما خسرت موسكو 1.15 تريليون روبل من إيرادات النفط والغاز، بانخفاض نسبته 45% مقارنة بالعام السابق، ما دفع حكومة فلاديمير بوتين إلى اللجوء لصندوق الثروة الوطني الروسي.

لكن إغلاق مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو 20% من النفط العالمي، أدى إلى ارتفاع سعر خام الأورال بحلول أوائل أبريل إلى أكثر من 116 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ 13 عامًا.

كما تقلصت الفجوة السعرية بين خام الأورال وخام برنت بسرعة، حتى إن النفط الروسي المصدر إلى الهند جرى تداوله بعلاوة بلغت 6.75 دولارات فوق سعر برنت. ووفق التقرير، تجاوزت إيرادات روسيا النفطية والغازية خلال أبريل وحده حاجز تريليون روبل.

وأعادت وزارة المالية الروسية، للمرة الأولى منذ يونيو الماضي، شراء العملات الأجنبية والذهب لصالح صندوق الثروة الوطني، وسط توقعات بأن ينمو الصندوق بنحو 12 مليار دولار حتى نهاية العام، بما يعوض السحوبات التي جرت خلال الربع الأول.

وأشار التقرير إلى أنه إذا استمرت الظروف الحالية في مضيق هرمز، فقد تتجاوز إيرادات روسيا النفطية والغازية خلال عام 2026 حاجز 10 تريليونات روبل، رغم أن الموازنة الرسمية كانت قد توقعت نحو 8 تريليونات فقط.

حرب إيران وارتفاع إيرادات روسيا

وتستند موازنة روسيا لعام 2026 إلى سعر تقديري لخام الأورال يبلغ 59 دولارًا للبرميل، أي أقل بنحو 11 دولارًا من متوسط العام الماضي البالغ 69.7 دولارًا، وهو ما وصفه التقرير بأنه “احتياط متعمد” من وزارة المالية الروسية لتأمين هامش أمان في حال تراجع الأسعار.

وبحسب تقديرات محللين، فإن الموازنة الروسية، في ظل مستويات الإنفاق الحالية وخصوصًا العسكري، تدخل “المنطقة الحمراء” عندما تتجاوز أسعار النفط 93 دولارًا للبرميل. ولذلك، يُتوقع أن يحمل شهر مايو أرقامًا قياسية جديدة لإيرادات النفط والغاز الروسية.

وأضاف التقرير أنه إذا استمرت الحرب الأمريكية والإسرائيلية المرتبطة بإيران حتى نهاية العام، وبقيت أسعار النفط فوق 75 دولارًا للبرميل، فقد تحقق روسيا إيرادات إضافية تصل إلى 3 تريليونات روبل.

لكن الوضع يختلف بالنسبة لدول أخرى. فقد اعتبر أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، أن عدم إعادة فتح مضيق هرمز خلال الشهر المقبل سيؤخر عودة الاستقرار إلى سوق النفط حتى عام 2027.

وأوضح أن إعادة فتح المضيق بشكل فوري لا تعني عودة الأمور إلى طبيعتها مباشرة، لأن سلاسل الإمداد تعرضت لاضطرابات كبيرة، كما استُنزفت الاحتياطيات الاستراتيجية، إضافة إلى احتجاز مئات ناقلات النفط على جانبي المضيق.

وفي الوقت نفسه، توقعت وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” أن تستغرق إزالة الألغام من مضيق هرمز ما يصل إلى ستة أشهر. كما أشار التقرير إلى أن العالم استهلك احتياطياته الاستراتيجية بوتيرة غير مسبوقة بين مارس وأبريل، ما يعني أن الدول ستعود لشراء النفط ليس فقط للاستهلاك، بل أيضًا لإعادة تكوين مخزوناتها.

سيناريوهات موسكو

ويرى التقرير أن أمام روسيا ثلاثة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول: إذا أعيد فتح مضيق هرمز خلال يونيو أو يوليو، فستستمر الأسعار المرتفعة بين أربعة وستة أسابيع إضافية قبل أن تبدأ بالتراجع. ومع الفاصل الزمني الضريبي، ستستمر روسيا في جني إيرادات مرتفعة خلال يوليو وأغسطس، قبل أن يعود خام برنت إلى نطاق 70-80 دولارًا، وخام الأورال إلى 55-65 دولارًا للبرميل بعد احتساب الخصومات. ورغم أن هذه المستويات لا تكفي لتحقيق موازنة بلا عجز، فإنها تبقى أفضل من مستويات بداية العام.

السيناريو الثاني: إذا بقي المضيق مغلقًا حتى أوائل الخريف، فقد يقفز سعر برنت إلى 115-120 دولارًا للبرميل، ما يضمن لروسيا تدفقًا ثابتًا من الإيرادات الاستثنائية لمدة خمسة أو ستة أشهر، ويقلص العجز إلى الحد الأدنى بنهاية العام. غير أن هذا السيناريو يحمل خطر تباطؤ الاقتصاد العالمي بسبب ارتفاع أسعار النفط، ما قد يؤدي إلى تراجع أحجام الصادرات الروسية، مع تأجيل استقرار السوق حتى عام 2027.

السيناريو الثالث: إذا فشلت المفاوضات واتسعت الهجمات لتشمل البنية التحتية النفطية في دول الخليج، فقد يتراجع إنتاج السعودية والإمارات، ويقفز سعر برنت إلى ما بين 130 و140 دولارًا للبرميل. ويرى التقرير أن هذا هو السيناريو الأسوأ حتى بالنسبة لروسيا، لأن الاقتصاد العالمي سيدخل مرحلة ركود، وستتراجع مستويات الطلب على النفط، ما يفقد موسكو ليس فقط جزءًا من زبائنها، بل أيضًا جزءًا من نفوذها.

وأضاف التقرير أن هذه الأسعار المرتفعة ستؤدي أيضًا إلى زيادة كبيرة في إنتاج النفط الصخري الأمريكي، ما سيخلق ضغوطًا تنافسية جديدة على روسيا في المدى المتوسط.

ورغم ذلك، رجح التقرير أن يبقى السيناريو الثاني هو الأقرب للتحقق، معتبرًا أن روسيا تستفيد من حروب الآخرين، وخصوصًا الحرب المرتبطة بإيران، التي وفرت لموسكو ظروفًا اقتصادية مواتية في وقت كانت بحاجة شديدة إليها.

تحديات ارتفاع أسعار النفط بالنسبة لروسيا

ومع ذلك، لا ترغب روسيا في وصول أسعار النفط إلى مستويات “مفرطة الارتفاع”، إذ يقدّر الخبراء أن النطاق المثالي للاقتصاد الروسي يتراوح بين 100 و110 دولارات للبرميل، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية:

أولًا، لأن الأسعار المرتفعة جدًا تضعف الطلب العالمي على النفط، إذ تدفع الاقتصادات الكبرى المستهلكة مثل الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا إلى تقليص الاستهلاك وتسريع الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة.

ثانيًا، لأن الأسعار القياسية تجعل استخراج النفط من الحقول مرتفعة التكلفة، وخصوصًا النفط الصخري الأمريكي، أكثر ربحية، ما يغيّر قواعد السوق عند تجاوز الأسعار 130-150 دولارًا.

ثالثًا، لأن الصدمات النفطية الكبرى تدفع العالم نحو تسريع التحول في مجال الطاقة وتقليل الاعتماد على النفط على المدى الطويل.

كما ترتفع في المقابل تكاليف قطاع النفط الروسي نفسه، بما يشمل أجور ناقلات النفط، وتكاليف الوسطاء للالتفاف على العقوبات، ورسوم التأمين.

وأشار التقرير أيضًا إلى أن الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية النفطية الروسية تقلص بدورها القدرة الفعلية لموسكو على التصدير.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى