سوق العمل الإيراني بعد الحرب.. ظاهرة اقتصاد البقاء وتحول المهارات

لا يتجه سوق العمل الإيراني، بعد الحرب التي استمرت 40 يومًا، نحو التعافي أو الانتعاش، بل نحو ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد البقاء».

ميدل ايست نيوز: لا يتجه سوق العمل الإيراني، بعد الحرب التي استمرت 40 يومًا، نحو التعافي أو الانتعاش، بل نحو ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد البقاء»، في ظل اضطرار حتى أصحاب الشهادات العليا والكوادر المتخصصة إلى اللجوء لأعمال منخفضة المهارة وأجور يومية، مثل العمل في خدمات النقل عبر التطبيقات، وتوصيل الطلبات بالدراجات النارية، وأعمال التنظيف، من أجل تأمين الحد الأدنى من المعيشة.

وذكرت صحيفة شرق أن الاقتصاد الإيراني بعد الحرب الأخيرة واجه موجة بطالة وتسريح في عدد من الشركات والمؤسسات، إلا أن المشكلة الأساسية لم تعد تقتصر على فقدان الوظائف، بل باتت تتعلق بطبيعة الوظائف التي تستوعب هذه القوى العاملة بعد الأزمة.

وأضافت الصحيفة أن ما يظهر اليوم في سوق العمل الإيراني ليس عودة إلى التوازن، بل تشكل «توازن مشوّه»، يتمثل في زيادة التوظيف داخل القطاعات الأقل إنتاجية والأضعف من حيث القيمة المضافة الاقتصادية.

وأشارت إلى أن البيانات المتوفرة تظهر لجوء نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل إلى المنصات الرقمية، التي تحولت عمليًا إلى وسيلة لتخفيف ضغط البطالة، لا إلى محرك لتوفير وظائف مستقرة ومستدامة.

ولفت التقرير إلى أن حجم الأزمة يتضح من خلال تسجيل 318 ألف طلب توظيف خلال يوم واحد فقط، وهو رقم يعكس حجم الطلب على العمل مقابل تقلص الفرص الوظيفية المتاحة. واعتبرت الصحيفة أن الفجوة بين عرض القوى العاملة والطلب عليها لم تعد مجرد اختلال مؤقت، بل تحولت إلى أزمة هيكلية.

اندفاع نحو الوظائف منخفضة المهارة.. من المتخصص إلى ساعي التوصيل

وأوضحت شرق أن الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم خلال الشهر الماضي حاولوا الاندماج مجددًا في سوق العمل عبر المنصات الرقمية التي توفر أعمالًا يومية غير مستقرة.

وأضافت أن منصة «تبسي» للنقل الذكي أعلنت قبل أيام أن عدد السائقين الجدد المسجلين لديها خلال العام الحالي تجاوز التوقعات بنسبة تتراوح بين 15 و20 بالمئة، إلا أن هذا الارتفاع لا يعكس ازدهارًا اقتصاديًا، بل يعبر عن ضغوط متزايدة في عرض العمالة، في وقت لم يشهد فيه الطلب على الرحلات أي نمو، بل تراجع في بعض الحالات.

وأكدت الصحيفة أن النمط نفسه يتكرر في سوق خدمات التوصيل بالدراجات النارية، مشيرة إلى تصريحات رئيس اتحاد النقل الخفيف الحضري وخدمات التوصيل في طهران، الذي قال إن نحو أربعة إلى خمسة آلاف شخص يعملون حاليًا ضمن مكاتب خدمات التوصيل التابعة للاتحاد.

وأضاف المسؤول أن متوسط الدخل اليومي لساعي التوصيل يبلغ نحو مليون تومان، إلا أن جزءًا كبيرًا من هذا المبلغ يذهب لتغطية تكاليف الوقود، واستهلاك الدراجة، والعمولات، ما يجعل صافي الدخل النهائي محدودًا.

وأشارت الصحيفة إلى أن عدد طلبات خدمات التوصيل تراجع من نحو 700 طلب يوميًا إلى 200 فقط، معتبرة أن ذلك يعكس وجود فرص عمل من حيث الشكل، لكن بجودة متدنية للغاية من حيث الاستقرار والعائد المالي.

كما تناول التقرير بيانات صادرة عن منصة «سنجاق» المتخصصة في استقطاب المهنيين، والتي أعلنت تضاعف عدد المتخصصين المسجلين لديها خلال مايو مقارنة بالأشهر الستة السابقة.

واعتبرت الصحيفة أن أهمية هذه البيانات تكمن في أنها تظهر أن موجة البطالة والتسريحات لم تعد تقتصر على العمالة البسيطة، بل امتدت إلى أصحاب المهارات والخبرات المتخصصة، ما يشير إلى تراجع قدرة الأسواق الرسمية والتقليدية على استيعاب الكفاءات.

وأضاف التقرير أن منصة «آجاره» للخدمات المنزلية سجلت بدورها ارتفاعًا حادًا في طلبات التسجيل ضمن مجالات التنظيف والضيافة، حيث تضاعفت الأعداد ثلاث مرات مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

اقتصاد أصغر.. ومنافسة أكثر تدميرًا

ورأت صحيفة شرق أن ما يحدث حاليًا يمثل تحذيرًا اقتصاديًا خطيرًا، موضحة أن الاقتصادات تنمو عادة عندما تنتقل القوى العاملة إلى قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى، لكن الاتجاه الحالي يسير بالعكس، مع تزايد الاعتماد على الوظائف منخفضة المهارة وتراجع دور الأنشطة الإنتاجية.

وأكدت أن الأزمة لا تقتصر على تغير تركيبة سوق العمل، بل تشمل أيضًا تناقضًا اقتصاديًا أعمق يتمثل في زيادة المعروض من الخدمات مقابل تراجع الطلب عليها.

وأضافت أن «حجم الكعكة الاقتصادية أصبح أصغر، في حين ازداد عدد المتنافسين على حصص منها بشكل كبير»، ما أدى إلى منافسة مدمرة، وانخفاض الأسعار، وتراجع الدخل الحقيقي، واستنزاف رأس المال البشري.

وأشارت الصحيفة إلى أن اضطرابات الإنترنت أصبحت عاملًا إضافيًا في تعميق الأزمة، نظرًا لاعتماد اقتصاد المنصات الرقمية على الاتصال المستقر بالشبكة، في وقت تؤدي فيه الانقطاعات وضعف الإنترنت إلى تعطيل الوصول إلى التطبيقات، وإرباك عمليات الطلب، وتقليص فرص الحصول على الخدمات.

وختم التقرير بالتأكيد على أن القضية لم تعد مجرد بطالة، بل «انهيار في جودة العمل»، معتبرًا أن الاقتصاد الذي يضطر فيه أصحاب الكفاءات إلى اللجوء لأعمال منخفضة المهارة، في ظل ضعف الطلب وهشاشة البنية التحتية، يسير نحو التآكل التدريجي.

وأضاف أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى ترسيخ اقتصاد منخفض الإنتاجية والدخل، وأكثر تفاوتًا، مشيرًا إلى أن زيادة عدد العاملين لن تعني بالضرورة تحسن الأوضاع، بل قد تقود إلى مجتمع يعمل أكثر ويزداد فقرًا في الوقت نفسه.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى