المحافظ السابق للبنك المركزي الإيراني: لا بديل كاملاً عن دبي.. والحل في شبكة متعددة من المراكز والعملات

حذر محافظ البنك المركزي الإيراني السابق من تجنب خلق "إمارات جديدة" في المجال النقدي، موضحاً أن أي مركز بديل لن يكون قادراً بمفرده أو خلال فترة قصيرة على أداء الدور التاريخي الذي لعبته دبي.

ميدل ايست نيوز: قال عضو هيئة التدريس بجامعة العلامة الطباطبائي إن السوق الإماراتية كانت على مدى سنوات طويلة إحدى أهم مراكز تحويل العملات وتسوية المعاملات المالية بالنسبة لإيران، إلا أن التطورات التي شهدتها المنطقة أدت إلى تراجع هذا الدور بشكل كبير.

وفي حديثه لوكالة خبر أونلاين، ورداً على سؤال بشأن البدائل الممكنة بعد تراجع دور الإمارات في إدارة سوق الصرف الأجنبي الإيراني، أوضح ولي الله سيف أن هذا الموضوع يُعد من القضايا المحورية في السياسة النقدية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة.

وأضاف أن جزءاً مهماً من التجارة الخارجية الإيرانية وتحويلات العملات والتسويات المالية كان يُنفذ لعقود، ولا سيما عبر دبي، إلا أن القيود المتزايدة على هذا المسار دفعت إيران إلى البحث عن تنويع قنواتها المالية والنقدية.

وأكد أنه ينبغي تجنب خلق “إمارات جديدة” في المجال النقدي، موضحاً أن أي مركز بديل لن يكون قادراً بمفرده أو خلال فترة قصيرة على أداء الدور التاريخي الذي لعبته دبي، كما أنه لا يُنصح بإعادة تركيز هذه الأنشطة في مركز واحد. واعتبر أن الحل يكمن في اعتماد شبكة متنوعة من المسارات والقنوات بدلاً من الاعتماد على محور واحد.

وشرح المسؤول الإيراني السابق أن هناك خمسة محاور رئيسية ينبغي أخذها في الاعتبار.

وأشار إلى أن المحور الأول يتمثل في تعزيز التجارة بالعملات المحلية، موضحاً أن تسوية جزء من المبادلات التجارية بعملات الشركاء التجاريين يمكن أن يشكل أحد الحلول، لافتاً إلى أن دولاً مثل الصين والهند وتركيا وروسيا يمكن أن تلعب أدواراً مختلفة في هذا المجال. وأضاف أن الميزة الأساسية لهذا التوجه تكمن في تقليص الاعتماد على الدولار، إلا أن هذه العملات لا تتمتع دائماً بمستوى السيولة وقابلية التحويل اللذين يتمتع بهما الدولار.

وأضاف أن المحور الثاني يتعلق بتطوير مراكز مالية بديلة، مشيراً إلى أن بعض المحللين يطرحون مدناً مثل إسطنبول والدوحة ومسقط وشنغهاي كمسارات مكملة، إلا أن أياً منها لم ينجح حتى الآن في توفير مزيج متكامل من البنية التحتية المالية وحجم التجارة والعلاقات المصرفية وشبكات التجار الإيرانيين بما يمكّنه من أداء دور مماثل.

وأوضح عضو الهيئة العلمية في جامعة علامه طباطبائي أن تعزيز الصادرات غير النفطية يمثل المحور الثالث، معتبراً أن الحل الأكثر أهمية على المدى الطويل ليس مالياً بالدرجة الأولى، بل يتمثل في تنويع الصادرات بما يؤدي إلى تغيير جذري في بنية الاقتصاد ومصادر العملة الأجنبية.

وأكد المحافظ الأسبق للبنك المركزي الإيراني أن إصلاح هيكل سوق الصرف المحلية هو العامل الأكثر أهمية، مشيراً إلى أن العثور على أفضل القنوات الخارجية لن يكون كافياً طالما استمرت مشكلة تعدد أسعار الصرف وحالة عدم اليقين في السياسات الاقتصادية والفجوة بين السعر الرسمي والسعر الحر.

وأضاف أن المشكلة في كثير من الحالات لا تكمن في نقص العملة الأجنبية، بل في آليات تخصيصها وتسعيرها.

وبيّن أن المحور الخامس يتمثل في جذب الاستثمارات وتأمين مصادر دخل مستدامة، موضحاً أن تراجع التوترات الخارجية يمكن أن يفتح المجال أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وعودة جزء من رؤوس الأموال الإيرانية الموجودة في الخارج، ما قد يوفر مصدراً مهماً للعملات الأجنبية.

وأشار إلى أن هذا النوع من التدفقات المالية يكتسب أهمية خاصة لأنه لا يجلب العملات الأجنبية فقط، بل يصاحبه أيضاً نقل للتكنولوجيا والخبرات الإدارية وخلق فرص العمل.

وأوضح أن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن الاعتماد على مركز نقدي واحد، مهما بلغت كفاءته، ينطوي على مخاطر كبيرة، مؤكداً أن الاستراتيجية الأكثر استدامة بالنسبة لإيران تتمثل في إنشاء شبكة متنوعة من القنوات التجارية والمالية والنقدية لتقليل تعرض الاقتصاد للصدمات السياسية والجيوسياسية.

ورداً على سؤال بشأن تأثير الحرب الأخيرة على علاقات إيران مع الدول العربية المجاورة، قال سيف إن الحرب أفرزت مفارقة مهمة، إذ أدت من جهة إلى زيادة مستويات انعدام الثقة الأمنية بين إيران وبعض الدول العربية، لكنها من جهة أخرى جعلت جميع الأطراف أكثر إدراكاً للكلفة الباهظة لعدم الاستقرار.

وأضاف أن مختلف الأطراف الإقليمية باتت تدرك أن الاعتماد على الدعم الخارجي لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الاستقرار، بل قد يتحول في بعض الحالات إلى أحد أبرز عوامل زعزعته.

واعتبر أن أبرز التداعيات الاقتصادية للحرب على العلاقات بين إيران والدول العربية تتمثل في إدراك الجانبين بشكل أكبر لتكاليف المواجهة والصراع، إلا أنه استبعد أن يؤدي ذلك تلقائياً إلى نشوء تعاون اقتصادي واسع النطاق.

ورجّح أن يستمر التعاون الاقتصادي بين الطرفين، لكن ضمن أطر أكثر حذراً وتحت رقابة أكبر وبمنهج عملي أكثر مما كان عليه في السابق.

وختم بالقول إن المنطقة تتجه على الأرجح نحو نموذج يجمع بين المنافسة الجيوسياسية والتعاون الاقتصادي في آن واحد، بحيث لا تعود إلى مرحلة العداء الكامل، ولا تنتقل في الوقت نفسه إلى مرحلة تحالف اقتصادي عميق، بل إلى صيغة من التعايش الحذر هدفها الأساسي الحد من تكاليف عدم الاستقرار على جميع الأطراف الإقليمية، مع إمكانية توسع هذا النوع من التعاون مستقبلاً كلما تعززت مستويات الثقة المتبادلة بين الدول.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − خمسة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى