باب المندب على خط الأزمة بعد هرمز… رسائل ردع جديدة في المواجهة بين إيران وإسرائيل
يرى مراقبون أنه لا يمكن تجاهل التهديدات المماثلة المتعلقة بباب المندب. ويبدو أن النموذج نفسه ينتقل إلى أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وهو ممر قد يكون أقل حضوراً في الخطاب العام مقارنة بهرمز، لكنه قد يتمتع بتأثير أكبر في الحسابات الجيوسياسية الدولية.

ميدل ايست نيوز: دخلت تطورات البحر الأحمر مرحلة جديدة مع تصاعد المواجهة الإقليمية وتبادل الهجمات بين إيران وإسرائيل، في وقت أعلنت فيه القوات المسلحة اليمنية حظر مرور السفن الإسرائيلية عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
وتزامناً مع الهجمات الإيرانية التي استهدفت إسرائيل الليلة الماضية رداً على الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، تعرضت أهداف داخل إيران لهجمات أيضاً، ما أعاد إشعال فتيل الحرب بشكل علني. وفي خضم هذه التطورات، تصاعدت لهجة المسؤولين العسكريين والسياسيين الإيرانيين، وتوالت التحذيرات الموجهة إلى الطرف المقابل.
وكان من أبرز هذه التحذيرات ما صدر عن مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، الذي كتب في منشور على منصة “إكس” أن “إطلاق الصواريخ من منطقة ذات السلاسل، رداً على التحرك الإسرائيلي في بيروت والانتهاك الواضح لاتفاق وقف إطلاق النار، فعّل المرحلة الأولى من الرد التدريجي والمتسلسل”. وأضاف: “يجب ألا يدفع الوضع الأمني الراهن في باب المندب العدو إلى ارتكاب أخطاء في الحسابات، لأن قوى المقاومة تمتلك القدرة اللازمة لإغلاق كلا الممرين البحريين”.
وتأتي هذه التصريحات المتعلقة بإمكانية إغلاق باب المندب في وقت لا يزال فيه ملف مضيق هرمز أحد أكثر القضايا حساسية في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
وتتضح أهمية هذه المسألة بشكل أكبر عند الأخذ في الاعتبار أن الحديث عن إغلاق مضيق هرمز كان حتى سنوات قليلة مضت يقتصر إلى حد كبير على الخطاب السياسي للتيارات المتشددة وشخصيات مثل حسين شريعتمداري. إلا أن الأزمة الأخيرة والحرب التي استمرت أربعين يوماً نقلت هذه الفكرة، التي كانت تُعد سابقاً طرحاً متشدداً، من مستوى الشعارات إلى مستوى التأثير الفعلي، بعدما انعكست على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
ومن هذا المنطلق، يرى مراقبون أنه لا يمكن تجاهل التهديدات المماثلة المتعلقة بباب المندب. ويبدو أن النموذج نفسه ينتقل إلى أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وهو ممر قد يكون أقل حضوراً في الخطاب العام مقارنة بهرمز، لكنه قد يتمتع بتأثير أكبر في الحسابات الجيوسياسية الدولية.
تجربة إغلاق المضيق
لم تقتصر أهمية خطوة إغلاق مضيق هرمز على ارتفاع أسعار النفط، بل تمثلت أيضاً في تغيير النظرة الأمنية العالمية إلى مسار الطاقة القادم من الخليج، حيث يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد الدولي.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد هرمز مجرد “خيار سياسي”، بل تحول إلى عامل فعلي في معادلات القوة، وما زال تأثيره حاضراً في الحسابات الاستراتيجية والمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
وخلال الأشهر الأخيرة، برز في الخطاب السياسي الإيراني توجه جديد لم يعد يركز حصراً على مضيق هرمز، بل اتجه نحو باب المندب. ويُعد هذا المضيق، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي ومسار قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
ويمر عبر هذا الممر جزء كبير من حركة التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا، بما في ذلك النفط والسلع الأساسية وسلاسل التوريد الصناعية، ما يعني أن أي اضطراب فيه قد يتجاوز تأثيره أسواق الطاقة ليطال منظومة التجارة العالمية بأكملها.
وتكتسب تصريحات ولايتي الأخيرة أهميتها في هذا السياق، إذ إن قضية كانت تُطرح سابقاً على هامش النقاش السياسي باتت تُناقش الآن على لسان أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في السياسة الخارجية الإيرانية. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود قرار عملي، لكنه يعكس تحول باب المندب من مفهوم نظري إلى عنصر قابل للحساب ضمن معادلات الردع الإيرانية.
وفي الوقت نفسه، تشير التطورات الميدانية في البحر الأحمر إلى أن ملف باب المندب لم يعد يقتصر على التحذيرات السياسية. فبحسب ما أعلنه المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، تم حظر مرور السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر اعتباراً من الآن، ما يعني عملياً فرض قيود على جزء من خطوط الملاحة المرتبطة بإسرائيل في هذا الممر الاستراتيجي.
وأدى هذا الإعلان الصادر من صنعاء إلى رفع أهمية باب المندب من مجرد “نقطة اختناق محتملة” إلى “بؤرة توتر نشطة” ضمن المعادلات الإقليمية.
ماذا يحدث إذا أُغلق المضيقان في الوقت نفسه؟
يرى خبراء الطاقة والجغرافيا السياسية أن الفارق الرئيسي بين هرمز وباب المندب يكمن في نطاق التأثير. فبينما يتركز تأثير هرمز بصورة أساسية على تدفقات الطاقة، يمتد تأثير باب المندب إلى مجمل حركة التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا.
ولهذا السبب، فإن أي توتر خطير في هذا الممر قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل البحري العالمي، وإطالة مسارات الشحن، وزيادة تكاليف التأمين البحري بشكل كبير.
أما في السيناريو الأكثر خطورة، والمتمثل في حدوث اضطرابات متزامنة في هرمز وباب المندب، فقد يواجه العالم أزمة لا تقتصر على الطاقة فقط، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية بأكملها. وقد يؤدي ذلك إلى تسارع التضخم العالمي، وزيادة الضغوط على الاقتصادات المستوردة للطاقة، وربما دفع بعض الاقتصادات الهشة نحو الركود.
ومن هذا المنظور، يعتبر بعض المحللين أن باب المندب قد يكون أكثر حساسية من هرمز، لأن تأثيره لا يقتصر على النفط بل يمتد إلى قلب حركة التجارة العالمية.
رسالة سياسية.. من الردع إلى التفاوض
على الصعيد السياسي، يُنظر إلى طرح قضية باب المندب على أنه مؤشر على تغير في منطق الردع والتفاوض أكثر من كونه دلالة على تحول فوري في الميدان.
فخلال السنوات الأخيرة، أظهرت إيران أنها تسعى في مواجهة الضغوط الخارجية إلى توسيع نطاق أدواتها الاستراتيجية من نقطة جغرافية واحدة إلى عدة نقاط حيوية. وفي هذا الإطار، يمكن أن يؤدي باب المندب دوراً مكملاً لمضيق هرمز، بحيث لا تقتصر الرسائل المرتبطة به على الولايات المتحدة وحدها، بل تمتد أيضاً إلى أوروبا والصين وسائر القوى الاقتصادية الكبرى.
ولهذا السبب، يعتقد بعض المحللين أن هذه القضية قد تدخل تدريجياً ضمن الحسابات التفاوضية، حتى وإن لم تصل أبداً إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. فالقيمة الأساسية لهذا العامل لا تكمن في استخدامه، بل في امتلاك القدرة على استخدامه، وهي قدرة قد تمنح إيران وزناً أكبر على طاولة المفاوضات، لكنها في المقابل ترفع مستوى المخاطر المرتبطة بالتوترات الإقليمية.



