الصحافة الإيرانية: هل تتحول الحرب إلى مصير يشبه العقوبات الممتدة على إيران؟

يُنظر إلى تصريحات رئيس البرلمان الإيراني باعتبارها محاولة لفتح نافذة أمام المسار الدبلوماسي واحتواء التصعيد، إلا أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرتبطاً بإمكانية الوصول إلى تسوية مستدامة.

ميدل ايست نيوز: في ظل ما يحيط بالشرق الأوسط من بيئة مضطربة ومعقدة، يشكل انهيار المحرمات السياسية الراسخة مقدمة للانتقال إلى ترتيبات جديدة أو إلى فوضى مفتوحة بلا أفق.

يقول الخبير في الشؤون الاقتصادية، علي رضا سلطاني، في مقال لصحيفة شرق، إنه خلال السنوات الأخيرة، سقط محظوران رئيسيان في السياسة الخارجية الإيرانية: الأول هو محظور المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، والثاني هو محظور الانخراط العلني في مواجهة عسكرية مع إسرائيل. وقد تجلت هذه التحولات أولاً خلال حرب الأيام الاثني عشر، ثم خلال الحرب التي استمرت أربعين يوماً، ما أدى إلى تغيير المعادلات الأمنية في المنطقة.

غير أن ذروة هذا المسار تحققت مساء الأحد، عندما دخلت إيران للمرة الأولى في مواجهة مباشرة استباقية استمرت 17 ساعة مع إسرائيل. هذه الحرب القصيرة، التي انتهت بوقف إطلاق نار عقب وساطة عاجلة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وطلبات من بعض دول المنطقة، اختلفت في طبيعتها عن جميع المواجهات السابقة. تعتبر طهران أنها جاءت رداً على خرق وقف إطلاق النار الذي استمر أربعين يوماً وعلى الهجوم الإسرائيلي على بيروت، إلا أن المسألة تتجاوز هذا التفسير، إذ إن المعضلة الأمنية بين إيران وإسرائيل دخلت مرحلة جديدة.

وبعد مرور شهرين على وقف إطلاق النار الهش، لم تسفر المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء ما يوصف بـ«حالة الحرب الدائمة» عن نتائج ملموسة. وتتزايد المخاوف من أن تتحول الحروب القصيرة والاستنزافية إلى النمط السائد في العلاقات الخارجية الإيرانية على المستويين الثنائي والإقليمي، وأن تعتاد الأطراف، في ظل غياب استراتيجية حقيقية لتحقيق سلام مستدام وتراكم الخطوط الحمراء، على العيش في حالة «لا حرب ولا سلم»، حيث تتحول فترات وقف إطلاق النار من فرص للدبلوماسية إلى فترات تكتيكية لإعادة بناء القدرات العسكرية.

وفي هذا السياق، رسم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إطاراً سياسياً واضحاً للمفاوضات، مؤكداً أن الهدف من الحوار مع الولايات المتحدة هو «إنهاء الحرب وليس تطبيع العلاقات». وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تميز بين مفهومين استراتيجيين مختلفين: إنهاء الصراع من جهة، وتطبيع العلاقات من جهة أخرى.

ورغم أن هذا الطرح لا يبدو دقيقاً بالكامل من منظور استراتيجي، لأن التهديدات العسكرية والأمنية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران لن تنتهي من دون تطبيع العلاقات مع واشنطن أو تحول إيران إلى قوة اقتصادية وعسكرية وسياسية مؤثرة على الساحة الدولية، فإنه يملك في الظروف الحالية ميزة مهمة تتمثل في إمكانية وقف الحرب الجارية مؤقتاً وتهيئة الأرضية لدبلوماسية تقوم على إنهاء الصراع بصورة دائمة. بعبارة أخرى، يمكن النظر إلى هذا الموقف باعتباره خطوة تكتيكية للخروج من دائرة الاستنزاف الحالية.

لكن الخطر الأكبر يتمثل في احتمال تكرار تجربة العقوبات الاقتصادية مع النمط الجديد من الحروب. فالعقوبات القاسية المفروضة على إيران منذ أكثر من 25 عاماً لم يُرفع منها سوى جزء محدود خلال فترة الاتفاق النووي، فيما استمرت بقية المنظومة العقابية دون تغيير جوهري.

وخلال ربع قرن، استنزفت هذه العقوبات بصورة تدريجية ومستمرة القدرات الاقتصادية والعسكرية والأمنية والسياسية والاجتماعية للبلاد. وكانت النتيجة تراجع قدرة إيران على التأثير الإقليمي وضعف مستوى الردع في مواجهة التهديدات الخارجية. كما عطلت العقوبات محركات النمو الاقتصادي، وأضعفت القدرة الشرائية للمواطنين، ورسخت التضخم الهيكلي، وقلصت القدرة التنافسية لإيران في الأسواق العالمية، وخاصة في قطاع النفط.

تشير هذه القراءة إلى أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية والحروب الأخيرة جاءت في سياق تقديرات استندت إلى تأثير العقوبات الممتدة على القدرات الاقتصادية والعسكرية الإيرانية واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع. ورغم أن بعض هذه التقديرات أثبتت عدم دقتها، خصوصاً خلال الحرب التي استمرت أربعين يوماً، فإن العقوبات تركت آثاراً ملموسة على القدرات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

وفي هذا السياق، تتزايد المخاوف من انتقال حالة الاستنزاف الحالية من إطار العقوبات الاقتصادية إلى مرحلة تتسم بالحروب المتكررة وانعدام الاستقرار. ووفق هذا التصور، قد تتحول المواجهات المحدودة والمتقطعة إلى نمط دائم، بالتزامن مع تصاعد تأثير ما يوصف بالحصار البحري، بما يعزز الضغوط الاقتصادية والأمنية المفروضة على إيران.

كما يُنظر إلى تزامن العقوبات المستمرة مع المواجهات العسكرية المتكررة والقيود البحرية باعتباره عاملاً من شأنه تقليص قدرة إيران على الصمود مقارنة بالوضع الراهن، فضلاً عن زيادة احتمالات اتساع رقعة التوترات والصراعات الإقليمية.

وفي المقابل، يُعتقد أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان هامشاً أكبر للتعامل مع استمرار هذا الواقع بحكم طبيعة بنيتهما العسكرية وقدرتهما الاقتصادية، في حين أن استمرار الضغوط والعقوبات والمواجهات قد يدفع إيران نحو مزيد من الضعف والعزلة ضمن معادلة تقوم على الاستنزاف التدريجي بدلاً من المواجهة الشاملة.

ولا تقتصر تداعيات هذا المشهد على إيران وحدها، إذ إن استمرار أجواء التوتر وعدم الاستقرار من شأنه أن ينعكس أيضاً على دول الخليج، التي واجهت خلال الفترة الماضية تداعيات أمنية واقتصادية مباشرة، بما قد يؤثر على تدفقات الاستثمار الأجنبي وخطط التنمية الاقتصادية في المنطقة.

وتبرز في هذا الإطار مخاوف من تحول الحروب المحدودة والمتكررة إلى عنصر ثابت في العلاقات الإقليمية، على غرار ما حدث مع العقوبات التي بدأت كأداة ضغط مؤقتة قبل أن تتحول إلى واقع طويل الأمد.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى تصريحات رئيس البرلمان الإيراني باعتبارها محاولة لفتح نافذة أمام المسار الدبلوماسي واحتواء التصعيد، إلا أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرتبطاً بإمكانية الوصول إلى تسوية مستدامة تتجاوز اتفاقات وقف إطلاق النار المؤقتة، وتمنع ترسيخ واقع أمني وعسكري دائم في المنطقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة عشر + 20 =

زر الذهاب إلى الأعلى