إيران من ندرة المياه إلى تهديد الحضارة.. أبحاث تحذر من مستقبل قاتم

تشهد إيران حالياً واحدة من أشد أزمات المياه في تاريخها الحديث، إذ انخفض متوسط الهطول السنوي إلى أقل من 250 ملم، وتراجعت مصادر المياه السطحية بشكل كبير.

ميدل ايست نيوز: تشير أبحاث حديثة إلى أن أزمة المياه في إيران تجاوزت حدودها البيئية لتتحول إلى تهديد مباشر للاستمرارية الاجتماعية والاقتصادية ولقدرة الاستيطان البشري في الهضبة الإيرانية.

يقول موقع قلمرو رفاه الإيرانية، إن الدراسات العلمية منذ سنوات تتعامل مع أزمة المياه في إيران من خلال مفاهيم مثل الجفاف، ندرة المياه، انخفاض المياه الجوفية وتراجع معدلات الهطول المطرية. غير أن دراسة جديدة نُشرت عام 2025 للباحث مصطفى هادي من جامعة طهران للعلوم الطبية، والبروفيسور فيليب ك. هاوبك من جامعة روتشستر في الولايات المتحدة، في مجلة علوم وتكنولوجيا البيئة (Environmental Science & Technology)، ترى أن الوضع الحالي لم يعد مجرد أزمة مائية أو بيئية بالمعنى التقليدي، بل دخل مرحلة يمكن وصفها بـ«الجفاف الحضاري»، حيث لا يهدد نقص المياه الموارد الطبيعية فقط، بل يطال أيضاً الأسس الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وإمكانية استمرار الحياة البشرية في البلاد.

ويشير الباحثان في بداية دراستهما إلى أن الأدبيات العلمية تصنف الجفاف عادة إلى أنواع متعددة، منها الجفاف المناخي المرتبط بانخفاض الأمطار مقارنة بالمعدل طويل الأمد، والجفاف الزراعي الذي يحدث عند عدم كفاية رطوبة التربة للإنتاج الزراعي وتربية المواشي، والجفاف الهيدرولوجي المتعلق بتراجع المياه السطحية والجوفية، والجفاف الاجتماعي-الاقتصادي الذي يظهر حين يؤثر نقص المياه في الاقتصاد والتوظيف والصحة والأمن الغذائي. كما يُستخدم مفهوم الجفاف البيئي لوصف تدهور الغابات والأراضي الرطبة والأنظمة البيئية على المدى الطويل. إلا أن الباحثين يؤكدان أن أياً من هذه التصنيفات لا يفسر بشكل كامل ما يحدث في إيران اليوم.

تشهد إيران حالياً واحدة من أشد أزمات المياه في تاريخها الحديث، إذ انخفض متوسط الهطول السنوي إلى أقل من 250 ملم، وتراجعت مصادر المياه السطحية بشكل كبير. في الوقت نفسه، أدى الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية إلى فقدان عشرات المليارات من الأمتار المكعبة من مخزون الأحواض المائية. وقد انعكس ذلك في جفاف الآبار، وملوحة المياه، وهبوط الأرض في مناطق واسعة من البلاد.

ويُعد هبوط الأرض (الانخساف الأرضي) من أخطر الظواهر البيئية في إيران، حيث وصل في بعض مناطق طهران وأصفهان وكرمان إلى أكثر من 25 سنتيمتراً سنوياً. ويشير هذا المعدل إلى تهديد مباشر للبنية التحتية، وإلى تدهور عميق وغير قابل للعكس أحياناً في الأحواض المائية التي تشكلت خلال آلاف السنين، وهو ما يعتبره الباحثون دليلاً على انتقال الأزمة من مستوى ندرة المياه إلى أزمة بنيوية وحضارية.

ضغط الزراعة على الموارد المائية

يركز التقرير أيضاً على دور القطاع الزراعي في تفاقم الأزمة، إذ يستهلك أكثر من 90% من المياه في إيران، ولا يزال يعتمد إلى حد كبير على أساليب ري تقليدية منخفضة الكفاءة. كما أن التوسع في زراعة المحاصيل الشرهة للمياه في المناطق الجافة وشبه الجافة، إلى جانب سوء إدارة الموارد، أدى إلى ضغط كبير على الموارد المحدودة. ونتيجة لذلك، تواجه مئات المدن وآلاف القرى إجهاداً مائياً حاداً، وفي بعض المناطق يتم تأمين مياه الشرب عبر الصهاريج المتنقلة.

لم تعد أزمة المياه في إيران مجرد قضية بيئية، بل تحولت إلى عامل يولد احتجاجات اجتماعية وهجرات قسرية وتوترات محلية. فقد شهدت السنوات الأخيرة احتجاجات في محافظات مثل أصفهان وخوزستان وسيستان وبلوشستان، كان جزء كبير منها مرتبطاً بندرة المياه والشعور بعدم العدالة في توزيع الموارد. ويرى الباحثون أن هذه التطورات تؤكد الارتباط المباشر بين أزمة المياه والاستقرار الاجتماعي والسياسي.

كما يُعد النزوح الريفي أحد أبرز تداعيات الأزمة، حيث يدفع فقدان الجدوى الاقتصادية للزراعة السكان إلى الهجرة نحو المدن، التي تعاني بدورها من نقص البنية التحتية والبطالة وتوسع الأحياء الهامشية والضغط على الخدمات العامة، ما يحول أزمة المياه إلى أزمة سكانية واجتماعية واسعة.

عجز المجتمع أمام الجفاف الحضاري

يستخدم الباحثان مفهوم «الجفاف الحضاري» لوصف هذه الحالة، حيث ينشأ عن تفاعل عوامل متعددة تشمل الضغوط المناخية، وسوء الإدارة المزمن، واختلال التوازن بين السكان والقدرة البيئية، وتآكل البنية التحتية. في هذه المرحلة لا يعود الأمر مجرد نقص في المياه، بل يصبح النظام الاجتماعي والاقتصادي نفسه مهدداً، وتصبح استمرارية أنماط الحياة الحالية موضع شك.

ويشير هذا المفهوم إلى أن انهيار الحضارات لا يحدث بسبب انخفاض الأمطار فقط، بل نتيجة تفاعل العوامل الطبيعية مع الضعف المؤسسي وسوء الإدارة. وتستشهد الدراسة بحضارات تاريخية مثل سومر وحضارة المايا، إضافة إلى أزمات حديثة مثل “يوم الصفر” في كيب تاون، والجفاف في كاليفورنيا، والهجرة الناتجة عن الجفاف في سوريا.

وتحدد الدراسة أربعة عوامل رئيسية وراء الجفاف الحضاري: الضغوط المناخية المستمرة، سوء إدارة المياه، عدم التوازن بين السكان والقدرة البيئية، وتدهور البنية التحتية. وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى حلقة متواصلة من الهشاشة المتزايدة، ما يعني أن إيران لم تعد على أعتاب الأزمة، بل دخلت بالفعل مرحلتها.

وتشير النتائج إلى أن مؤشرات الجفاف الحضاري أصبحت واضحة، من تراجع الموارد المائية وهبوط الأرض إلى الهجرة والاضطرابات الاجتماعية والضغط على المدن وتراجع الإنتاج الزراعي، وهو ما يهدد الأمن والاستقرار وجودة الحياة.

ورغم خطورة الوضع، فإن الجفاف الحضاري لا يعني انهياراً حتمياً، إذ تمكنت بعض الدول من تقليص حدته عبر تحسين الإدارة والتعاون الإقليمي وإصلاح أنماط الاستهلاك. لكن نافذة الفرص تضيق، وكل تأخير يزيد من تكلفة المعالجة.

وتشدد الدراسة على ضرورة اعتماد مقاربة شاملة تتجاوز الحلول التقنية مثل بناء السدود أو نقل المياه، لتشمل إصلاح الحوكمة، وتحديث القطاع الزراعي، وإعادة التخطيط الحضري، وتغيير نماذج التنمية، وتعزيز المشاركة الاجتماعية. فكما أن الأزمة نتجت عن تفاعل عوامل متعددة، فإن حلها يتطلب استجابة متعددة المستويات.

ويخلص الباحثان إلى أن أزمة المياه في إيران لم تعد قضية موارد طبيعية فحسب، بل تحولت إلى مسألة تمس مستقبل التنمية والاستقرار وإمكانية العيش في البلاد، ما يجعل استمرار الاتجاهات الحالية تهديداً مباشراً لقدرة إيران على الحفاظ على مقوماتها الحضارية في العقود المقبلة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة + 20 =

زر الذهاب إلى الأعلى