تلميح أميركي لطهران… اتفاق يقترب أم مناورة أمريكية جديدة؟

في الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن انطلاق مسار جاد للمحادثات، بل وحتى عن إعداد اتفاق نهائي ضمن مهلة تمتد 60 يوماً، تواصل طهران نفي بدء أي مفاوضات مباشرة.

ميدل ايست نيوز: دخلت العلاقات الإيرانية الأمريكية مرحلة شديدة الحساسية، ففي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن انطلاق مسار جاد للمحادثات، بل وحتى عن إعداد اتفاق نهائي ضمن مهلة تمتد 60 يوماً، تواصل طهران نفي بدء أي مفاوضات مباشرة.

وحسب تقرير لموقع رويداد24 الإيراني عادت العلاقات بين طهران وواشنطن إلى واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً، إذ أحيا التوقيع الإلكتروني على مذكرة تفاهم مؤلفة من 14 بنداً بين مسعود بزشكيان ودونالد ترامب، أواخر يونيو، الآمال بإطلاق هدنة دبلوماسية، غير أن تطورات الأيام الأخيرة أظهرت أن الطريق نحو اتفاق نهائي أكثر صعوبة بكثير مما بدا عليه في الساعات الأولى التي أعقبت الإعلان عن التفاهم.

وفي حين يؤكد مسؤولون أمريكيون اقتراب جولة جديدة من المحادثات، بل والانتقال إلى مرحلة صياغة الاتفاق النهائي، تشدد طهران على أن المفاوضات المباشرة لم تبدأ بعد، وأن أي تقدم يبقى مشروطاً برؤية “إجراءات عملية” من جانب واشنطن. وأصبحت هاتان الروايتان المتباينتان أبرز مؤشر على الواقع الفعلي للمفاوضات، بما يعكس أن الخلاف بين البلدين لم يعد يقتصر على مضمون الاتفاق، بل يمتد أيضاً إلى توصيف المرحلة الحالية من العملية التفاوضية.

الضوء الأخضر من واشنطن… ولكن من دون ضمانات

وجاءت أحدث المواقف الأمريكية على لسان نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي وصف التفاهم الأولي بأنه “انتصار للولايات المتحدة”، في إشارة إلى رغبة البيت الأبيض في مواصلة هذا المسار. وبالتوازي مع ذلك، وبعد وساطات مكثفة قادتها قطر وسلطنة عمان وباكستان، تقرر أن تستضيف سويسرا محادثات فنية لوضع خريطة طريق للاتفاق النهائي خلال فترة تمتد 60 يوماً.

لكن البداية التي أحاطت بها أجواء التفاؤل واجهت سريعاً عراقيل، إذ إن تأجيل الاجتماعات المقررة في جنيف والدوحة لم يكن ناجماً عن أسباب فنية بقدر ما عكس عمق انعدام الثقة بين الجانبين. فطهران تتمسك بمبدأ “التزام مقابل التزام”، وترفض الانتقال إلى مرحلة تنفيذ التعهدات قبل تلقي مؤشرات ملموسة، بينما تسعى واشنطن أولاً إلى اختبار مدى استعداد إيران للانخراط في اتفاق شامل.

ويُعد هذا الخلاف أبرز ما يميز المرحلة الحالية عن جولات التفاوض السابقة، إذ لم يتفق الطرفان حتى الآن على جدول أعمال الجولة الأولى من المفاوضات.

لماذا لم تتحول الدوحة إلى محطة للاتفاق؟

وخلال الأيام الماضية، عادت الدوحة لتتصدر مشهد المشاورات، إلا أن إيران وقطر، خلافاً لما تردد، لم تعلنا بدء مفاوضات مباشرة، في حين واصلت واشنطن التأكيد أن المحادثات مستمرة وأن الجهود الرامية إلى دفع الاتفاق قدماً لم تتوقف.

ويكشف هذا التباين في الروايات عن حقيقة مهمة، مفادها أن الولايات المتحدة تسعى إلى طمأنة الأسواق وحلفائها بأن المسار الدبلوماسي لا يزال قائماً، بينما تفضل إيران خفض سقف التوقعات حتى لا تتحمل كلفة سياسية في حال تعثر المفاوضات أو تأخرها.

وبعبارة أخرى، فإن ما يجري حالياً بين طهران وواشنطن لا يتمثل في التفاوض على نص الاتفاق بقدر ما يتمثل في التفاوض على آلية إطلاق المفاوضات النهائية.

التطورات الميدانية تلقي بظلالها على طاولة المفاوضات

وفي موازاة ذلك، ألقت التطورات الميدانية بظلالها مجدداً على المسار الدبلوماسي. فالهجمات الأمريكية الأخيرة على الأراضي الإيرانية واستمرار التوترات الإقليمية تعدها طهران انتهاكاً لروح مذكرة التفاهم. وأكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن هذه الإجراءات تتعارض مع الالتزامات الأولية، مشددة على أنه لا يمكن الجمع بين الحديث عن الدبلوماسية وتصعيد الضغوط العسكرية في الوقت نفسه.

في المقابل، يرى عدد من المحللين الغربيين أن البيت الأبيض يحاول استخدام ورقة الضغط العسكري لتعزيز موقعه التفاوضي قبل الانتقال إلى مرحلة تحديد الخطوط الحمراء للاتفاق النهائي، وهو نهج قوبل حتى الآن برفض إيراني.

ويشير ذلك إلى أن التفاهم الأخير لم يكن نهاية للتوتر، بل بداية مرحلة جديدة من التنافس على تحديد قواعد اللعبة.

المعارضة الداخلية… عقبة لا تزال قائمة

ورغم الدعم الذي أبدته دول مثل الصين لاستمرار المسار الدبلوماسي وضرورة الحفاظ على التفاهم، لا تزال الساحة الداخلية الإيرانية تشهد معارضة قوية لمسار المفاوضات.

وتصف التيارات المنتقدة للحكومة وبعض وسائل الإعلام المحافظة التفاهم الأخير بأنه تراجع أمام الولايات المتحدة، وتسعى إلى رفع الكلفة السياسية للمفاوضات، في وقت لم تغلق فيه المؤسسات العليا في البلاد باب الدبلوماسية بشكل كامل، رغم تشديدها على ضرورة الحفاظ على الخطوط الحمراء.

ويفسر هذا التباين جانباً من الحذر الذي تنتهجه حكومة بزشكيان في تنفيذ التفاهم.

الإعفاءات من العقوبات… فرصة أم أداة ضغط؟

وعلى الصعيد الاقتصادي، لا تزال المؤشرات غير حاسمة. فقد أظهرت تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بشأن الطابع المؤقت للإعفاءات من العقوبات أن واشنطن لا تنوي تثبيت هذه التسهيلات من دون إحراز تقدم في المفاوضات.

وفي ظل استمرار الضغوط التضخمية، وتقلبات سعر الصرف، والقيود المصرفية التي يواجهها الاقتصاد الإيراني، قد تشكل هذه الإعفاءات فرصة لالتقاط الأنفاس على المدى القصير، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تتحول إلى انفراج اقتصادي دائم.

ولهذا السبب، باتت الأسواق تتعامل مع أخبار المفاوضات بحذر أكبر مقارنة بالأيام الأولى التي أعقبت التفاهم، بعدما أدركت الأوساط الاقتصادية أن التفاهم الأولي لا يعني إزالة العقبات بصورة نهائية.

الاتفاق لم يبدأ بعد

وتتمثل الحقيقة الأبرز اليوم في أن طهران وواشنطن، خلافاً للأجواء المتفائلة التي سادت خلال الأسابيع الماضية، لا تزالان في مرحلة بناء الثقة، لا مرحلة صناعة الاتفاق. فالخلاف حول شكل المفاوضات، واستمرار الضغوط العسكرية، والمعارضة الداخلية، والغموض الذي يكتنف مستقبل العقوبات، كلها عوامل تشير إلى أن مهلة الستين يوماً المقبلة ستكون اختباراً لمدى استعداد الطرفين لتجاوز إرث انعدام الثقة التاريخي، أكثر من كونها طريقاً ممهداً نحو اتفاق نهائي.

وإذا كان من المقرر أن يتحول التفاهم الأخير إلى اتفاق مستدام، فإن عقد الاجتماعات الفنية أو تبادل الرسائل عبر الوسطاء لن يكون كافياً. فالعامل الحاسم يتمثل في قرار طهران وواشنطن الانتقال من مرحلة “اختبار النوايا” إلى مرحلة “الإجراء مقابل الإجراء”. وحتى يتحقق ذلك، فإن كل خبر يصدر من الدوحة أو جنيف أو واشنطن سيظل جزءاً من معركة سياسية وإعلامية يخوضها الطرفان لتعزيز أوراقهما التفاوضية، أكثر من كونه مؤشراً على اقتراب التوصل إلى اتفاق نهائي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − إحدى عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى