كيف قرأت وسائل الإعلام العالمية مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني؟

رأت وسائل الإعلام الأجنبية أن مراسم تشييع آية الله علي خامنئي تمثل نقطة التقاء أربع روايات رئيسية: الحداد الديني، واستعراض القوة السياسية، واختبار الشرعية الشعبية، وترسيخ انتقال القيادة.

ميدل ايست نيوز: اعتبرت وسائل إعلام دولية مراسم التشييع الممتدة لعدة أيام للمرشد الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي أكثر من مجرد مراسم عزاء.

ورأت هذه الوسائل أن مراسم التشييع تمثل ساحة لإعادة بناء الشرعية، وترسيخ انتقال القيادة، وإظهار النفوذ الإقليمي، وتوجيه رسائل إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي هذا السياق، حظيت الرموز الدينية للمراسم، واحتمال الظهور العلني الأول لآية الله مجتبى خامنئي، ووصف التشييع بأنه بمثابة “استفتاء”، إضافة إلى الإجراءات الأمنية واللوجستية غير المسبوقة، باهتمام واسع من وسائل الإعلام الأجنبية.

من الراية الحمراء إلى ذكرى استقلال الولايات المتحدة.. وسائل الإعلام تركز على رموز المراسم

ركزت وكالة “أسوشيتد برس”، في تغطيتها لمراسم الوداع، قبل كل شيء على الرموز الدينية والطقوسية المحيطة بالنعش، بدءًا من زهور التوليب الحمراء الموضوعة أمامه والفراشات الورقية المعلقة في السقف، وصولًا إلى الأوشحة والأغراض التي كان المشيعون يلقونها باتجاه القائمين على المراسم طلبًا للتبرك.

وأولت الوكالة اهتمامًا خاصًا بالراية الحمراء التي كُتب عليها “يا حسين” والتي غُطي بها النعش. ووفقًا لتقريرها، فإن هذه الراية كانت قد رُفعت سابقًا فوق قبة مرقد الإمام الحسين في كربلاء. ووصفت الوكالة الراية الحمراء في الموروث الشيعي بأنها ترمز في الوقت نفسه إلى الدم المهدور ظلمًا وإلى الدعوة للثأر.

من جانبها، وصفت شبكة “سي إن إن” المراسم بأنها “عرض حافل بالرمزية”، وكتبت أن حتى توقيت إقامتها يبدو أنه اختير بعناية. وذكرت أن إتاحة جثمان المرشد الراحل أمام الجمهور لتوديعه تزامنت مع الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، معتبرة أن ذلك يحمل رسالة سياسية إلى واشنطن، في وقت تسعى فيه السلطات الإيرانية إلى إظهار أنها ما زالت صامدة بعد حرب وصفتها بالشديدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما سلطت الشبكة الضوء على إقامة المراسم في شهر محرم، الذي يرتبط في التقليد الشيعي بالشهادة والخيانة والحزن والثأر. واعتبرت أن السلطات الإيرانية تحاول وضع وفاة المرشد الراحل ضمن سياق رواية استشهاد الإمام الحسين، وتقديم مراسم التشييع ليس باعتبارها مراسم هزيمة، بل بوصفها استعراضًا للانتصار.

وقال سينا طوسي، الباحث في مركز السياسة الدولية، لشبكة “سي إن إن”، إن اغتيال آية الله خامنئي جعله، من الناحية الرمزية، أكثر قوة بعد وفاته مما كان عليه في حياته، ومهّد الطريق لتصويره بوصفه مرجعًا دينيًا شهيدًا.

بدورها، أشارت صحيفة “نيويورك تايمز” إلى الرمز الرسمي للمراسم، والمتمثل في صورة القبضة المرفوعة للمرشد الراحل إلى جانب شعار “يجب أن ننهض”. ورأت الصحيفة أن الحكومة الإيرانية تسعى إلى تحويل المراسم إلى استعراض للوحدة الوطنية، والكفاءة البيروقراطية، والصمود في مواجهة الأعداء الخارجيين.

كما اعتبرت أن مسار التشييع يشكل جزءًا من هذه الرمزية، إذ إن نقل الجثمان من طهران إلى قم، ثم إلى النجف وكربلاء، وأخيرًا إلى مشهد، صُمم، بحسب “نيويورك تايمز” و”سي إن إن” و”فايننشال تايمز”، لإظهار المكانة العابرة للحدود للجمهورية الإسلامية ونفوذها داخل العالم الشيعي.

وكتبت “فايننشال تايمز” أن هذا المسار يهدف إلى إبراز مكانة آية الله خامنئي ليس داخل إيران فحسب، بل أيضًا بين المجتمعات الشيعية في العراق والمنطقة.

السؤال الأبرز في مراسم التشييع.. هل يظهر مجتبى خامنئي؟

كان احتمال ظهور السيد مجتبى خامنئي في مراسم التشييع من أكثر المواضيع التي تكررت في التقارير الأجنبية. فمنذ الهجوم الذي أدى إلى مقتل والده وعدد من أفراد عائلته، لم يظهر في العلن، كما لم تنشر السلطات الإيرانية حتى الآن أي صورة أو تسجيل صوتي جديد له.

وكتبت “نيويورك تايمز” أن غياب المرشد الجديد يمثل أحد التحديات أمام رواية “استمرار السلطة”، إذ ترغب الحكومة في أن تعكس مراسم التشييع انتقالًا هادئًا ومنظمًا للسلطة، لكن غياب الخليفة عن الأنظار قد يضعف هذه الصورة.

ورجحت “سي إن إن” أن تتحول مراسم التشييع إلى أول ظهور علني لمجتبى خامنئي، معتبرة أن مثل هذه المشاركة قد تساعد في ترسيخ مكانته وشرعيته. لكنها أشارت أيضًا إلى أنه إذا لم يحضر، فمن المرجح أن تبرر السلطات غيابه باعتبارات أمنية.

أما “فايننشال تايمز” فوصفت المراسم بأنها فرصة لتمهيد الطريق أمام استقرار المرشد الجديد في منصبه. ونقلت عن سعيد ليلاز قوله إن مراسم تشييع الإمام الخميني ساعدت سابقًا على ترسيخ المرحلة التالية، وإن هذه المراسم قد تشكل أيضًا بداية فصل جديد في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

وفي السياق نفسه، أبرزت وكالة “أسوشيتد برس” الظهور مجددًا لأحمد وحيدي بعد أشهر من الغياب، وافتتحت تقريرها بالإشارة إلى مشاركته في اجتماع مرتبط بالمراسم ثم ظهوره إلى جانب النعش، مؤكدة أنه يعد من الشخصيات المقربة من دائرة صنع القرار المحيطة بالمرشد الجديد.

وأشارت “سي إن إن” إلى تحذيرات الجيش الإيراني من أي “حسابات خاطئة” خلال أيام المراسم، وذكرت أن عباس عراقجي تعهد أيضًا بأن أي تهديد يستهدف قيادة البلاد سيقابل برد فوري وقوي.

وجاءت هذه المخاوف في وقت وصف فيه وزير الدفاع الإسرائيلي آية الله مجتبى خامنئي بأنه “هدف محدد للقتل”. وكانت صحيفة “واشنطن بوست” قد أفادت في وقت سابق بأن مسؤولين أمريكيين حذروا طهران من خطط إسرائيلية لاغتيال مسؤولين إيرانيين كبار، بمن فيهم أعضاء في فريق التفاوض وشخصيات بارزة في هيكل السلطة.

التشييع أم الاستفتاء؟ اختبار للشرعية بعد الحرب

بنت وكالة “رويترز” تقريرها حول توصيف استخدمه إمام جمعة قم، محمد سعيدي، عندما قال: “إن الحضور الجماهيري الواسع في مراسم التشييع سيكون عمليًا استفتاءً جديدًا للجمهورية الإسلامية”.

وأضافت الوكالة أنه إذا كانت السلطات تعتبر المراسم بالفعل نوعًا من الاستفتاء، فلا يبدو أنها تركت نتيجته للصدفة. ورأت أن حشد إمكانات النقل والإقامة والإطعام والدعاية يشكل جزءًا من جهد منظم لزيادة أعداد المشاركين وإظهار القوة الاجتماعية للحكومة.

كما نقلت “فايننشال تايمز” الوصف ذاته على لسان سعيد ليلاز، الذي قال إن 37 عامًا من قيادة آية الله خامنئي ستخضع خلال هذه المراسم لحكم الرأي العام، “في ما يشبه إلى حد كبير الاستفتاء”. ومن هذا المنظور، يمكن أن يشكل عدد المشاركين مؤشرًا على قدرة الحكومة على حشد أنصارها بعد الحرب وإنجاز انتقال السلطة.

وكتبت “نيويورك تايمز” أيضًا أن الحكومة تريد أن تجعل المشاركة الشعبية الواسعة دليلًا على الشرعية والانضباط والارتباط الشعبي بالثورة.

أما “سي إن إن” فاعتبرت أن مراسم التشييع تمثل رسالة إلى خصوم الجمهورية الإسلامية مفادها أن النظام لم ينجُ فقط من حرب وجودية، بل لا يزال قادرًا على حشد ملايين الأشخاص لتشييع مرشده الراحل.

ومع ذلك، رأى بعض المحللين أن المشاركة الواسعة قد تتحول إلى “سلاح ذي حدين”. وقال محمد علي أبطحي لصحيفة “فايننشال تايمز” إن الحضور الجماهيري الكبير قد يزيد الضغوط على القيادة الجديدة لمواصلة السياسات المتشددة التي انتهجها المرشد الراحل ورفض التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، لكن في سيناريو آخر قد يتحول هذا الحضور إلى رمز للوحدة الوطنية ودعم فريق المفاوضين.

من 50 مليون رغيف خبز إلى تحذيرات من الاغتيال.. استعدادات غير مسبوقة لإقامة مراسم التشييع

خصصت وسائل الإعلام الأجنبية جانبًا كبيرًا من تقاريرها للجوانب الأمنية واللوجستية لمراسم التشييع، التي من المقرر أن تمتد على مدى ستة أيام وتشمل خمس مدن في بلدين.

وذكرت شبكة “سي إن إن” أن طهران ستشهد أكبر عملية تنظيم مروري في تاريخها. ووفقًا للتقرير، ستُفرض قيود على حركة السيارات الخاصة في محيط المسارات الرئيسية، مع تخصيص أكثر من 700 موقف لسيارات الوافدين إلى المراسم.

كما أشارت الشبكة إلى تركيب أكثر من ستة آلاف جهاز لرش المياه في محيط مصلى طهران لمواجهة حرارة الصيف، وإعداد 50 مليون رغيف خبز، ونشر 16 مخبزًا متنقلًا، وحشد 2500 سيارة إسعاف و21 مروحية و100 طائرة مسيرة وآلاف فرق الإنقاذ.

وأضافت أن أكثر من عشرين مستشفى، إلى جانب توفير 500 ألف لتر من المحاليل الوريدية وتجهيز 20 ألف فصل دراسي، أصبحت جاهزة للتعامل مع الحالات الطارئة واستقبال المشيعين. كما ستتوقف حركة الطيران في مطارات طهران خلال جزء من أيام المراسم، في حين أُعلنت عطلات رسمية في المدن التي سيمر بها الجثمان.

من جانبها، تحدثت صحيفة “نيويورك تايمز” عن إغلاق العاصمة طهران لمدة ثلاثة أيام، وإنشاء مواقف سيارات كبيرة خارج المدينة، ونقل المشاركين بالحافلات، واستخدام المدارس والثكنات العسكرية لإيواء المشيعين. كما أشارت إلى إنشاء منصات خاصة وتصميم مسارات منفصلة للدخول والخروج في مصلى طهران.

أما صحيفة “فايننشال تايمز” فأفادت بأن الزائرين سيكونون ملزمين بعدم البقاء أمام النعش لأكثر من 20 دقيقة. وأضافت أن مكان إلقاء النظرة الأخيرة على الجثمان صُمم بشكل منفصل ومجهز بأنظمة للتحكم في درجات الحرارة لمنع احتكاك الجمهور المباشر بالنعش، في خطوة تهدف بوضوح إلى تجنب تكرار الفوضى التي شهدتها مراسم تشييع آية الله الخميني.

واستهلت الصحيفة تقريرها بالتذكير بما جرى عام 1989، عندما أدى ضغط الحشود إلى انفتاح النعش وسقوط الجثمان بين المشيعين، ما اضطر السلطات آنذاك إلى نقل الجثمان بطائرة مروحية من موقع الحادث.

كما أشارت كل من “نيويورك تايمز” و”سي إن إن”، إلى جانب تلك الواقعة، إلى التدافع المميت الذي شهدته مراسم تشييع قاسم سليماني في كرمان، معتبرتين أن التجربتين جعلتا السيطرة على الحشود إحدى أبرز أولويات منظمي مراسم التشييع الحالية.

وأفادت وكالة “رويترز” بأن الفنادق ستقدم خصومات بنسبة 50%، مع تجهيز المدارس والمساجد والصالات الرياضية لاستقبال المشيعين، وتعديل مسارات القطارات والحافلات لتسهيل نقلهم. وأضافت أن قيودًا مؤقتة ستُفرض على المجال الجوي فوق طهران ومدن أخرى.

كما ذكرت “فايننشال تايمز” أن شبكة مترو الأنفاق ستعمل مجانًا وعلى مدار الساعة، إلى جانب نشر آلاف المواكب لتوزيع الطعام والمياه، في نموذج مستوحى من مراسم عاشوراء ومسيرات الأربعين.

وبالتوازي مع مخاطر الاكتظاظ، خيمت تهديدات الهجمات أو عمليات الاغتيال على أجواء المراسم. وأشارت الصحيفة إلى أن تقرير “واشنطن بوست” بشأن تحذير الولايات المتحدة لطهران من مخططات اغتيال إسرائيلية، إلى جانب التهديدات العلنية الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين ضد المرشد الجديد، قد يفسران جانبًا من الإجراءات الأمنية المشددة والحذر في الظهور العلني لكبار المسؤولين.

مراسم تنهي مرحلة وتفتتح أخرى

وفي المحصلة، رأت وسائل الإعلام الأجنبية أن مراسم تشييع آية الله علي خامنئي تمثل نقطة التقاء أربع روايات رئيسية: الحداد الديني، واستعراض القوة السياسية، واختبار الشرعية الشعبية، وترسيخ انتقال القيادة.

فقد ركزت وكالة “أسوشيتد برس” على الرموز الدينية ودلالات الثأر، بينما اعتبرت “نيويورك تايمز” المراسم استعراضًا محسوبًا لاستمرار بنية السلطة، ووصفتها “رويترز” بأنها “استفتاء” منظم، في حين رأت “سي إن إن” أنها رسالة حازمة إلى واشنطن وتل أبيب، أما “فايننشال تايمز” فاعتبرتها أول اختبار كبير يواجه القيادة الجديدة بعد الحرب.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 + 11 =

زر الذهاب إلى الأعلى