«هرمز» يلتهم الخزينة.. كيف ينجو العراق من العاصفة المالية؟

لم تكن عودة الحرب بين واشنطن وطهران حدثاً أمنياً بالنسبة للعراق فقط، بل تحولت سريعاً إلى اختبار مالي حقيقي، بعد أن فقدت الخزينة جزءاً كبيراً من إيراداتها النفطية.

ميدل ايست نيوز: لم تكن عودة الحرب بين واشنطن وطهران حدثاً أمنياً بالنسبة للعراق فقط، بل تحولت سريعاً إلى اختبار مالي حقيقي، بعد أن فقدت الخزينة جزءاً كبيراً من إيراداتها النفطية، بالتزامن مع استمرار العمل بقاعدة الصرف المؤقت وغياب موازنة عام 2026. وبين الحديث عن الاحتياطيات والسندات الحكومية والدين الداخلي، تتصاعد التساؤلات بشأن الآليات التي تعتمدها الحكومة لإدارة الإنفاق خلال هذه المرحلة.

وتعتمد الحكومة حالياً على مزيج من الإيرادات النفطية المحدودة المتبقية، والسيولة المتاحة لدى وزارة المالية، إلى جانب السندات الحكومية والاقتراض الداخلي من المصارف العامة، فيما يتولى البنك المركزي توفير غطاء مالي يسمح باستمرار تمويل الرواتب والنفقات الأساسية ضمن حدود معينة، غير أن استمرار الحرب واتساع فجوة الإيرادات قد يدفعان الدولة إلى استنزاف مساحة الاقتراض المتاحة، وتأجيل المشاريع الاستثمارية، وترحيل جزء أكبر من الالتزامات إلى موازنة العام المقبل.

تزايد الدين وتراجع الاحتياطي

وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني إن “الحكومة العراقية لجأت منذ الأشهر الأولى لتراجع الإيرادات النفطية إلى تمويل جزء من نفقاتها عبر خصم الحوالات من البنك المركزي، وهو ما بدأ بصورة واضحة منذ الشهر الثالث من الأزمة، قبل أن يتوسع تدريجياً مع استمرار الضغوط على المالية العامة”.

ويضيف، أن “الدين الحكومي الداخلي تجاوز حالياً 120 تريليون دينار، فيما انخفضت احتياطيات البنك المركزي إلى نحو 83 مليار دولار نتيجة استمرار تمويل الإنفاق العام وبيع الدولار لتغطية احتياجات السوق، إلا أن البنك المركزي ما زال يمتلك هامشاً يتيح له الاستمرار في دعم وزارة المالية حتى الأشهر الأخيرة من العام الحالي، من دون أن تظهر أزمة سيولة بالدينار”.

الاقتراض الداخلي والخارجي

ويحذر المشهداني من أن “الاستمرار في التوسع بالاقتراض الداخلي ليس الخيار الأمثل، لأنه يزيد الضغوط على البنك المركزي والسوق المحلية، بينما يبقى الاقتراض الخارجي، إذا تم بشروط مدروسة، خياراً أقل كلفة على الاستقرار النقدي، إذ يوفر سيولة بالدولار، ويحافظ على احتياطيات البنك المركزي، ويمنحه القدرة على مواصلة دعم المالية العامة خلال المرحلة المقبلة”.

ورغم استمرار الحكومة في تأمين الرواتب والنفقات التشغيلية، إلا أن هذا المسار لا يخلو من تحديات متزايدة، في ظل استمرار تراجع الإيرادات النفطية، وغياب موازنة عامة تتيح مرونة أكبر في إدارة الإنفاق، فضلاً عن تنامي الالتزامات المالية التي تتطلب مصادر تمويل مستدامة إذا ما طال أمد الأزمة.

السندات الحكومية 

بدوره، قال المختص في الشأن المالي والاقتصادي صفوان قصي إن “البنك المركزي تعهد بتمويل وزارة المالية بصورة مستدامة خلال هذه المرحلة، وهناك هامش مالي يتراوح بين 105 و141 تريليون دينار يمكن من خلاله الاستمرار بتغطية النفقات العامة، إلا أن تجاوز هذا السقف سيجعل الخيارات أكثر تعقيداً، وقد يفرض مع نهاية عام 2026 إعادة النظر في بعض البنود التي تحكمها قوانين نافذة، مثل الرواتب أو سعر الصرف، إذا استمرت الظروف الحالية من دون تحسن في الإيرادات”.

ويوضح، أن “السندات الحكومية أصبحت اليوم الأداة الرئيسة لتمويل الإنفاق العام بالتعاون مع البنك المركزي، في وقت تجاوز فيه حجم الدين الداخلي 100 تريليون دينار، وهو ما يسمح بزيادة محدودة في الاقتراض الداخلي إذا اقتضت الحاجة، لكن من الأفضل البحث عن بدائل تمويلية أخرى تحد من الضغوط على السياسة النقدية”.

إدارة الأزمة المالية

ويشير قصي إلى أن “الحل لا يقتصر على إدارة الأزمة المالية، بل يتطلب تسريع المشاريع الاستثمارية التي بدأت الحكومة بإطلاقها، إذ نجحت في جذب استثمارات دولية تقارب 60 مليار دولار لتطوير قطاعات النفط والغاز، وإيقاف حرق الغاز، وإنشاء المدينة الاقتصادية في الفاو، فضلاً عن العمل على فتح منافذ تصدير جديدة عبر جيهان التركي وبانياس السوري، بما يقلل من الاعتماد على مضيق هرمز ويؤمن تدفق الإيرادات النفطية حتى في أوقات الأزمات”.

ومع استمرار الإنفاق الشهري على الرواتب والنفقات التشغيلية، تتجه الأنظار إلى قدرة البنك المركزي على مواصلة تمويل وزارة، في وقت تؤكد فيه تقديرات اقتصادية أن استمرار هذا المسار حتى نهاية العام قد يفرض البحث عن بدائل تمويلية جديدة.

سياسة ردود الأفعال

من جهته، يقول المستشار الاقتصادي عادل الدلفي إن “استمرار الحرب يتطلب الانتقال من سياسة ردود الأفعال إلى إدارة أزمة مالية واقتصادية متكاملة، تبدأ بإنشاء صندوق احتياطي للطوارئ، وتخصيص جزء من أي إيرادات إضافية لتعزيز قدرة الدولة على مواجهة الصدمات، مع الحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار، وتأمين تمويل استيراد السلع الأساسية، وزيادة المخزون الاستراتيجي من المواد الغذائية والأدوية والزيوت والسكر تحسباً لأي اضطرابات في سلاسل الإمداد”.

ويرى، أن “الاعتماد على احتياطيات البنك المركزي لا ينبغي أن يتحول إلى حل دائم، لأن هذه الاحتياطيات وجدت لحماية الاستقرار النقدي وتمويل المشاريع الاستراتيجية، وليس لتغطية النفقات الجارية بصورة مستمرة، ورغم أنها قد توفر هامشاً مالياً حتى نهاية العام الحالي، فإن استمرار استنزافها سيزيد من حجم المخاطر الاقتصادية في المرحلة المقبلة”.

تنويع مصادر الدخل

ويعتبر الدلفي، أن “اللجوء إلى الاقتراض الخارجي قد يصبح خياراً أكثر جدوى من مواصلة التوسع في الاقتراض الداخلي إذا استمرت الأزمة، بالتوازي مع الإسراع في تفعيل منافذ التصدير البديلة، ولا سيما عبر خطي جيهان التركي وبانياس السوري، لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز وضمان استمرار تدفق الإيرادات النفطية”.

ويؤكد، أن “الأزمة الحالية أعادت التأكيد على ضرورة تنويع مصادر الدخل، لأن العراق ما زال يعتمد بصورة مفرطة على النفط، في وقت لا تزال فيه الإيرادات غير النفطية دون مستوياتها الحقيقية بسبب ضعف الجباية والرقابة واستمرار الهدر، وهو ما يتطلب إصلاحات مالية وإدارية حقيقية تعزز موارد الدولة بعيداً عن النفط”.

وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد الدعوات إلى الانتقال من سياسة احتواء الأزمة إلى إعداد خطة مالية طويلة الأمد، تقوم على حماية الاحتياطيات الأجنبية، وتنويع مصادر التمويل، وتقليل الاعتماد على الاقتراض الداخلي، تحسباً لسيناريو استمرار الحرب حتى نهاية العام.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 + اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى