هل غيّرت حرب إيران طريقة البنوك العالمية في توقع الأزمات؟

رغم أن حرب إيران لم تكن مدرجة ضمن البيانات التي تدرب عليها نموذج فيريسك، فإن الاختبارات التاريخية أظهرت أنه لو كان النموذج فعالًا في بداية يناير، لكان قد قدر احتمال اندلاع حرب في إيران خلال الشهر والنصف التاليين بنحو 66%.

ميدل ايست نيوز: لعقود طويلة، اعتمدت المؤسسات المالية والبنوك وشركات التأمين على نماذج تحليلية صُممت بالأساس اعتمادًا على البيانات التاريخية. كانت هذه النماذج تقوم على افتراض أن أنماط الماضي يمكن أن تشكل دليلًا مناسبًا للتنبؤ بالمستقبل. لكن تصاعد التوترات الجيوسياسية وزيادة عدد النزاعات العسكرية جعلا هذا الافتراض موضع شك أكثر من أي وقت مضى.

ووفقًا لبيانات معهد الاقتصاد والسلام، تضاعف تقريبًا منذ عام 2008 عدد الدول المنخرطة في نزاعات خارجية، ليصل إلى أكثر من 100 دولة. وفي الوقت نفسه، ارتفعت التكلفة الاقتصادية للعنف عالميًا إلى نحو 22 تريليون دولار، أي ما يعادل أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

هذه التطورات وضعت قدرة القطاع المالي على التنبؤ بالمتغيرات الاقتصادية أمام تحديات كبيرة. فالحروب باتت تؤثر اليوم في أسعار النفط، وتكاليف النقل، وأسعار الفائدة، والأسواق المالية، وحتى تكاليف قروض الإسكان، بينما أصبحت العديد من النماذج التقليدية عاجزة عن تفسير هذه التحولات.

لهذا السبب، حذرت بنوك مثل «سيتي غروب» من الاعتماد المفرط على النماذج القائمة على البيانات التاريخية، فيما دعت مؤسسات مثل «مورغان ستانلي» إلى إعادة النظر بشكل جذري في الطريقة التي يتم من خلالها تقييم المخاطر الجيوسياسية.

دخول نماذج الحروب إلى وول ستريت

استجابة لهذه الحاجة، بدأت شركات كانت تعمل سابقًا في مجال نمذجة الكوارث الطبيعية بتطبيق أساليبها على توقع الحروب والأزمات السياسية.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك شركة «فيريسك» (Verisk)، المعروفة بشكل أساسي بنماذجها الخاصة بالكوارث الطبيعية وسندات التأمين ضد الكوارث. وقد طورت الشركة مؤخرًا مؤشرًا يحمل اسم «مؤشر التنبؤ بالحرب»، يعتمد على خوارزميات التعلم الآلي لتقدير احتمال اندلاع حرب في دولة معينة خلال الأشهر الـ12 المقبلة.

ويعتمد هذا النموذج على مجموعة من البيانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تغطي الفترة بين عامي 1995 و2022. ورغم أن حرب إيران لم تكن مدرجة ضمن البيانات التي تدرب عليها النموذج، فإن الاختبارات التاريخية أظهرت أنه لو كان النموذج فعالًا في بداية يناير/كانون الثاني، لكان قد قدر احتمال اندلاع حرب في إيران خلال الشهر والنصف التاليين بنحو 66%.

ويهدف هذا النهج إلى الانتقال من تحليل ما حدث بالفعل إلى تقديم صورة عما يمكن أن يحدث مستقبلًا، وهو أمر يزداد أهمية بالنسبة للمستثمرين والبنوك وشركات التأمين.

قياس العلاقات بين الدول

إلى جانب نموذج التنبؤ بالحروب، طورت أدوات أخرى لقياس مستوى التوتر بين الدول. ومن بينها نموذج يحمل اسم «مؤشر العلاقات الجيوسياسية»، الذي يقيم مستوى التوتر بين أزواج الدول، مع الأخذ في الاعتبار عوامل مثل تاريخ النزاعات العسكرية، وتشابه أنظمة الحكم، والقرب الجغرافي.

وتتيح هذه الأدوات للعاملين في القطاع المالي مراقبة التحولات التدريجية في علاقات الدول قبل تحولها إلى أزمات واسعة، كما تساعدهم على تقييم تأثيراتها المحتملة على الأسواق والأصول المالية.

التنبؤ بسقوط الحكومات

لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي في تقييم المخاطر السياسية على الحروب فقط. فأحد النماذج الأخرى التي طورتها شركة «فيريسك» وأطلقتها في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تمكن خلال هذه الفترة من التنبؤ بشكل صحيح بست حالات من أصل سبع حالات لانهيار حكومات أو تغيرات سياسية كبرى.

ومن بين الحالات التي يشير إليها النموذج سقوط نظام بشار الأسد عام 2024، والإطاحة المفاجئة بنيكولاس مادورو في فنزويلا.

وبحسب خبراء الشركة، فإن اجتماع الأزمات الاقتصادية مع وجود تاريخ من عدم الاستقرار السياسي يمثل أحد أبرز العوامل التي ترفع احتمالات انهيار الحكومات.

وفي السياق نفسه، طور معهد «راند» نموذجًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي، يحاول تحويل أسئلة معقدة مثل احتمال حدوث تغيير في النظام السياسي إلى تقديرات رقمية قابلة للقياس. وأظهر تشغيل هذا النموذج في منتصف مايو/أيار أن احتمال عدم استمرار الحكومة الإيرانية حتى عام 2027 يبلغ نحو 20%.

لماذا فقدت النماذج القديمة فعاليتها؟

أحد الأسباب الرئيسية وراء توجه القطاع المالي نحو نماذج جديدة هو عجز الأدوات التقليدية عن التعامل مع الصدمات الجيوسياسية.

ووفقًا لمسؤولي المخاطر في «سيتي غروب»، فإن أحداثًا مثل الحصار التجاري، وفرض العقوبات، أو الحروب الإقليمية لا تتصرف مثل التقلبات المعتادة في الأسواق. فهي لا تؤدي فقط إلى تغيير الأسعار، بل تعيد تشكيل هيكل توزيع المخاطر بالكامل.

لهذا لم يعد من الممكن التعامل مع هذه التحولات باعتبارها مجرد انحرافات مؤقتة عن الاتجاهات التاريخية. فهذه الأحداث تغير قواعد اللعبة نفسها، وتتطلب أدوات تحليلية مختلفة قادرة على التعامل مع عالم أكثر اضطرابًا وعدم يقين.

مضيق هرمز وولادة جيل جديد من نماذج المخاطر

يُعد اضطراب حركة النقل البحري عبر مضيق هرمز أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول. فقد دفعت الحرب في إيران إلى تسليط الضوء بشكل أكبر على هشاشة الممرات التجارية الحيوية في العالم، وزادت الحاجة إلى تطوير خوارزميات جديدة للتأمين البحري والتجارة العالمية.

وبعد فترة قصيرة من اندلاع الحرب، ارتفعت معدلات التأمين ضد مخاطر الحرب لعبور السفن من مضيق هرمز إلى نحو 1% من قيمة السفينة في كل رحلة، بعدما كانت قبل الحرب لا تتجاوز جزءًا ضئيلًا من الواحد بالمئة.

وهنا، لم يعد خبراء نمذجة المخاطر يركزون فقط على حجم الأضرار المادية المباشرة، بل باتوا يسعون إلى تحليل سلسلة التأثيرات التي تنتج عن الحروب، بدءًا من اضطراب طرق النقل وصولًا إلى تأثيراتها على سلاسل الإمداد العالمية.

بمعنى آخر، لا يقتصر المنظور الجديد على قياس حجم الخسائر في أصل أو منشأة معينة، بل يشمل أيضًا التداعيات الاقتصادية الأوسع الناتجة عن تعطل التجارة والخدمات اللوجستية.

عصر «الدورة الجيوسياسية الكبرى»

يرى بعض المحللين أن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد مجموعة من الأزمات المؤقتة، بل جزء من مرحلة أوسع يمكن وصفها بـ«الدورة الجيوسياسية الكبرى»، وهي فترة تتزايد فيها بشكل مستمر أعداد الصدمات السياسية والأمنية وشدتها.

ووفقًا لهذا الرأي، فإن المخاطر الجيوسياسية لم تعد ظاهرة استثنائية أو مؤقتة، بل أصبحت تتوسع بوتيرة أسرع، في وقت تتراجع فيه العديد من القيود التي كانت تحد من اندلاع أزمات كبرى في السابق.

لذلك، لم يعد بإمكان كبار المسؤولين في الشركات والبنوك ومؤسسات التأمين التعامل مع خطر الحرب باعتباره احتمالًا بعيدًا. فالحرب أصبحت اليوم أحد أهم مصادر القلق بالنسبة للشركات التي تبحث عن تغطيات تأمينية لحماية أعمالها.

الحرب… الخطر الجديد الأكبر أمام الشركات

تتيح النماذج الجديدة لشركات التأمين والمستثمرين إمكانية إدخال احتمالات اندلاع الحروب ضمن عمليات تسعير المخاطر، وإدارة الأزمات، وتخصيص رؤوس الأموال.

وفي عالم يقول بعض مراكز الأبحاث إنه يبتعد تدريجيًا عن نموذج العولمة القائم على الكفاءة الاقتصادية وسلاسة التجارة، ويتجه نحو نظام أكثر تعددية وتجزؤًا، تتحول هذه الأدوات بسرعة إلى جزء أساسي من أدوات اتخاذ القرار المالي.

وفي هذا السياق، تشير التقييمات الحديثة إلى أن المخاوف من اندلاع الحروب أصبحت تتجاوز حتى المخاوف المرتبطة بالاضطرابات الداخلية والاحتجاجات الاجتماعية. فبالنسبة إلى العديد من الشركات، لم تعد الحرب سيناريو بعيد الاحتمال، بل أصبحت واحدة من أبرز المخاطر الاقتصادية والمالية التي تواجه العالم اليوم.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى