الحوكمة لا الجفاف… كيف تجاوزت الصين أزمة المياه بينما تتفاقم في إيران؟

أشار باحث في هندسة المياه والطاقة شإلى أن مقارنة تجربة إيران مع الصين في إدارة الموارد المائية تكشف أن جودة الحوكمة وآليات الإدارة لعبت دورًا حاسمًا في تفاقم الأزمة أو احتوائها.

ميدل ايست نيوز: أكد باحث في هندسة المياه والطاقة أن جزءًا كبيرًا من أزمة المياه الحالية في إيران لا يمكن عزوه إلى الجفاف والتغيرات المناخية فقط، مشيرًا إلى أن مقارنة تجربة إيران مع الصين في إدارة الموارد المائية تكشف أن جودة الحوكمة وآليات الإدارة لعبت دورًا حاسمًا في تفاقم الأزمة أو احتوائها.

وفي وقت تواجه فيه إيران صيفًا جديدًا يتسم بشح المياه، وتراجع المخزون الجوفي، وهبوط الأراضي، وقيود على إمدادات المياه في العديد من المدن، تظهر تجارب دول مثل الصين أن تجاوز أزمة المياه لا يعتمد فقط على معدلات هطول الأمطار أو حجم الموارد المالية، بل يرتبط أيضًا بجودة الحوكمة، وتطبيق القوانين، واستخدام التكنولوجيا.

وجاء ذلك خلال الندوة العلمية “إدارة الموارد المائية في إيران والصين.. الفرص واستراتيجيات التنمية المشتركة”، التي عُقدت في طهران الأسبوع الماضي بمشاركة خبراء وباحثين وممثلين عن القطاع الخاص ووسائل الإعلام، حيث ركزت على استعراض التجربة الصينية في إدارة المياه وتقييم آفاق التعاون بين البلدين في إطار اتفاقية التعاون الممتدة لـ25 عامًا.

وأكد المشاركون أن أزمة المياه ليست مجرد قضية فنية، بل ترتبط بضعف الحوكمة، وتعدد الجهات صاحبة القرار، وغياب الإدارة المتكاملة، وعدم استقرار السياسات، باعتبارها أبرز التحديات التي تواجه إدارة الموارد المائية في إيران. وفي المقابل، اعتبروا التجربة الصينية نموذجًا في الحوكمة المتماسكة، والتخطيط طويل الأمد، واستخدام التقنيات الحديثة، وإدارة الطلب، وإعادة تدوير المياه، وإشراك المجتمع في حماية الموارد المائية.

كما شدد المشاركون على ضرورة توسيع التعاون الإيراني الصيني ليشمل تبادل المعرفة، وتنفيذ مشاريع مشتركة، وتطوير التقنيات الحديثة، وتعزيز دور القطاع الخاص، إلى جانب اقتراح إنشاء أمانة دائمة للتعاون المائي بين البلدين.

وخلصت الندوة إلى أن الفارق الأساسي بين إيران والصين في قطاع المياه لا يكمن في حجم الموارد، بل في مستوى الحوكمة، والتنسيق بين المؤسسات المعنية، وتنفيذ السياسات المستدامة، واتخاذ القرارات استنادًا إلى الأدلة العلمية.

وقال جيار شريفي، وهو باحث في هندسة المياه والطاقة، في مقابلة مع موقع رويداد 24، إن دراسة مقارنة لإدارة الموارد المائية في إيران والصين خلال الفترة بين عامي 2016 و2026 تظهر أن جانبًا كبيرًا من أزمة المياه في إيران هو نتيجة سنوات من القرارات غير السليمة، وضعف حوكمة المياه، وهيمنة الإدارة الإنشائية على الإدارة المستدامة للموارد المائية، وليس نتيجة التغيرات المناخية وحدها.

وأضاف أن وقوع إيران ضمن المناطق الجافة وشبه الجافة في العالم يجعل قلة الأمطار حقيقة لا يمكن إنكارها، إلا أن تحميل التغيرات المناخية مسؤولية جميع المشكلات الحالية لا يعكس الواقع، لأن جانبًا كبيرًا من الأزمة هو حصيلة أسلوب إدارة الموارد المائية خلال العقود الماضية.

التكنولوجيا حلت محل الأساليب التقليدية

وأوضح شريفي أن الصين، التي كانت حتى قبل عقدين تواجه مشكلات حادة مثل الانخفاض الكبير في مستويات المياه الجوفية، وتلوث الأنهار، والارتفاع السريع في استهلاك المياه، غيّرت نهجها الإداري عبر استثمارات واسعة في التكنولوجيا، وإدارة الطلب، وإصلاح منظومة الحوكمة، ما مكنها من احتواء جزء كبير من الأزمة.

وأشار إلى أن الصين تعتمد اليوم على ملايين العدادات الذكية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي لاكتشاف تسربات شبكات المياه، وإعادة تدوير المياه، وإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، وتنفيذ مشروع “المدينة الإسفنجية”، إلى جانب الاستفادة من بيانات الأقمار الصناعية وإنترنت الأشياء، باعتبارها أدوات أساسية في الإدارة اليومية للموارد المائية.

في المقابل، رأى الباحث الإيراني أن إيران، رغم استثماراتها في إنشاء محطات معالجة المياه وشبكات النقل، لا تزال تعاني من ارتفاع فاقد المياه في المدن، وضعف إعادة التدوير، وغياب الأنظمة الذكية، واستمرار التوتر المائي في العديد من المناطق، وهو ما يعكس استمرار التركيز على زيادة الإمدادات بدلًا من إدارة الطلب.

المياه الجوفية… جرح يتفاقم يومًا بعد يوم

ووصف الباحث أزمة المياه الجوفية بأنها أكبر تحدٍ يواجه إيران حاليًا، موضحًا أن سنوات من الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية أدت إلى هبوط الأراضي في العديد من السهول، والانخفاض الحاد في مستويات المياه، وجفاف القنوات التقليدية، وازدياد ملوحة الموارد المائية، وتراجع جودة المياه، وهو ما يصفه بعض المختصين بأنه أحد أكبر إخفاقات حوكمة المياه في البلاد.

وأضاف أن الصين واجهت ظروفًا مشابهة في السابق، لكنها نجحت في الحد من تدهور الموارد الجوفية من خلال فرض حصص للاستخراج، والمراقبة الإلكترونية للآبار، وتطبيق القانون على المخالفين، وإعادة تغذية الخزانات الجوفية، وفرض قيود على استخراج المياه في المناطق الحرجة.

الزراعة… المستهلك الأكبر للمياه

وأشار شريفي إلى أن القطاع الزراعي يستحوذ على الحصة الأكبر من استهلاك المياه في إيران، موضحًا أنه رغم تطوير أنظمة الري الحديثة، فإن أنماط الزراعة في كثير من المناطق لا تزال غير متوافقة مع الإمكانات المائية، حيث تستمر زراعة محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه في المناطق الشحيحة.

وأوضح أن الصين تمكنت، في المقابل، من رفع كفاءة استخدام المياه بشكل ملحوظ عبر تطوير الزراعة الذكية، واستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد، وحساسات قياس رطوبة التربة، وتعديل أنماط الزراعة، وتقديم حوافز اقتصادية للمزارعين.

الاعتماد على الحلول الإنشائية

واعتبر الباحث في هندسة المياه والطاقة أن أحد أبرز أوجه القصور في إدارة المياه في إيران يتمثل في هيمنة الحلول الإنشائية، مثل بناء السدود، ونقل المياه، وزيادة الإمدادات، دون منح إدارة الطلب وحماية الخزانات الجوفية الاهتمام الكافي، الأمر الذي حال دون احتواء الأزمة.

وأضاف أن ضعف تنفيذ القوانين، وتعدد الجهات صاحبة القرار، وغياب التنسيق بين قطاعات المياه والزراعة والصناعة، وتأخر إصلاح أنماط الزراعة، وغياب الرقابة الفاعلة على السحب غير القانوني للمياه، كلها عوامل أضعفت فعالية السياسات المائية.

لماذا نجحت الصين ولم تنجح إيران؟

وأكد شريفي أن النجاح النسبي الذي حققته الصين لم يكن نتيجة الاستثمارات المالية فقط، بل جاء نتيجة إصلاح منظومة الحوكمة، واعتماد التخطيط طويل الأمد، وتوظيف التكنولوجيا، وتقييم أداء المسؤولين وفق مؤشرات بيئية، وإدارة الطلب، وتوسيع إعادة تدوير المياه، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية.

وفي ختام حديثه، أشار إلى أن إيران حققت تقدمًا ملحوظًا في إنشاء البنية التحتية المائية، وبناء السدود، وشبكات نقل المياه، ومحطات المعالجة، إلا أن تجارب الدول الناجحة تؤكد أن تحقيق إدارة مستدامة للموارد المائية لن يكون ممكنًا من دون إصلاح منظومة حوكمة المياه، وحماية الموارد الجوفية، ورفع كفاءة الاستخدام، واتخاذ القرارات استنادًا إلى البيانات والأدلة العلمية.

واختتم الباحث الإيراني بالتأكيد على أن أزمة المياه لم تعد قضية بيئية فحسب، بل أصبحت تمس الأمن الغذائي، والتنمية الاقتصادية، والهجرة، وهبوط الأراضي، وحتى الأمن القومي، مشيرًا إلى أن التجربة الصينية تثبت أن تجاوز هذه الأزمة ممكن، لكنه يتطلب إصلاحات هيكلية، وتطبيقًا صارمًا للقانون، وإدارة علمية تحل محل القرارات المؤقتة والجزئية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − إحدى عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى