بزشكيان ينفي الاستقالة وسط تفاقم الخلافات الداخلية
قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الثلاثاء، إنه لم يستقيل أو يلوّح بالتنحي، مؤكداً تمسكه بمنصبه، على وقع تصاعد الخلافات داخل مؤسسات الحكم حول المفاوضات.

ميدل ايست نيوز: قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الثلاثاء، إنه لم يستقيل أو يلوّح بالتنحي، مؤكداً تمسكه بمنصبه، على وقع تصاعد الخلافات داخل مؤسسات الحكم حول المفاوضات.
وأكد بزشكيان أن حديثه في بداية العام الثالث من تولي منصبه، يأتي رداً على حملة تستهدف إضعاف الحكومة وإظهارها منقسمة عن مؤسسات الدولة الأخرى. وقال في مقتطف من مقابلة تلفزيونية تحمل عنوان «تقرير إلى الشعب»، وتُنشر على أربعة أجزاء: «إذا أردت أن أستقيل، فسأعلن رسمياً أنني استقلت. لن أستقيل، وسأقف».
وأضاف أن جهات تسعى إلى إظهار انقسام بينه وبين المرشد الأعلى السيد مجتبى خامنئي، قائلاً: «هؤلاء يريدون صنع خلاف؛ القيادة تقول شيئاً وهم يقولون شيئاً آخر، لكن ما هو ظاهر لا يحتاج إلى بيان».
وأكد بزشكيان أن حكومته «منسقة بالكامل» مع القوات المسلحة. ورفض الروايات التي تصور الحكومة في مواجهة مع المؤسسة العسكرية. وقال إن تلويحه بالاستقالة خلافاً لرغبة المرشد الأعلى سيُعدّ ظلماً بحق العسكريين الذين يعملون معه، متسائلاً: «إذا هددت بالاستقالة رغم رغبة القيادة، ألن يقفوا ضدي؟ هذا ظلم بحق أولئك الأشخاص».
وقال: «لدينا تنسيق كامل مع القوات العسكرية. هناك أشخاص يعملون هناك؛ فإذا هددت بالاستقالة رغم رغبة القيادة، ألن يتجهوا نحوي؟ هذا ظلم بحق أولئك الأشخاص».
وجاء تشديده على التنسيق مع العسكريين بعد أشهر من تقارير عن تباينات داخل مؤسسات الحكم بشأن الحرب والتفاوض مع الولايات المتحدة.
وأشار إلى قانون الحجاب، وقال إن مجتبى خامنئي «قدّم مساعدة كبيرة» في هذا الملف، من دون أن يوضح طبيعة تلك المساعدة.
وفي سياق دفاعه عن موقعه وكذلك تشكيلته الحكومية، قال إن حكومته لن تسند أي منصب أو مسؤولية إلى شخص عاجز، مضيفاً أن الإيرانيين الذين يشاهدون المصاعب ويتحملونها يفعلون ذلك من أجل إيران.
وتطرق الرئيس إلى ضحايا الاحتجاجات الشعبية في يناير (كانون الثاني)، قائلاً إن الحكومة طلبت إعلان الأرقام الوطنية لجميع من قُتلوا أو تُوفوا، ودعت إلى تقديم أي أسماء إضافية غير مدرجة في القائمة الرسمية.
وانتقد تقديرات رفعت عدد القتلى من نحو ثلاثة آلاف إلى ما بين ثلاثين وأربعين ألفاً، وقال إن نشر هذه الأرقام يكشف عن مدى «الخسة وبيع الوطن» لدى مروجيها.
تحذير منسوب إلى المرشد الأعلى
جاء رد بزشكيان بعد انتشار تسجيل لمحمد باقر خرازي، الأمين العام جماعة «حزب الله إيران» في قم، إحدى أبرز جماعات الضغط المتشددة في البلاد، ويرأس خرازي مدير حوزة الإمام الهادي، زعم فيه أن بزشكيان استقال أو هدد بالاستقالة 28 مرة منذ توليه الرئاسة عام 2024.
ونقلت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن خرازي قوله إن مجتبى خامنئي كتب: «إذا أراد السيد بزشكيان أن يستقيل مرة أخرى، فسأوافق على استقالته». وأضاف خرازي أن هذا الموقف أُعلن «رسمياً وعلناً».
وقال خرازي إن التحذير المنسوب إلى مجتبى خامنئي دفع بزشكيان وفريقه إلى خفض سقف مواقفهم والتوقف عن التلويح بالاستقالة. ولم يحدد خرازي متى صدر التحذير أو الجهة التي أُبلغت به.
ووصف خرازي المرشد الأعلى الجديد بأنه دخل ساحة القرار بحزم، وقال: «أنتم لا تعرفون الحاج آقا مجتبى. والده، القائد الشهيد، كان يجامل قليلاً، أما هو فلا يجامل إطلاقاً».
وخرازي هو شقيق زوجة مسعود خامنئي، الشقيق الأصغر لمجتبى خامنئي، وابن شقيق كمال خرازي، وزير الخارجية الأسبق ورئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية الذي استشهد في الحرب الأخيرة.
ولم يقتصر حديثه على استقالة بزشكيان. فقد زعم أن مجتبى خامنئي يعتزم إجراء تغييرات في المجلس الأعلى للأمن القومي، تشمل إزاحة أمينه محمد باقر ذو القدر وتعيين محسن رضائي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني مكانه. وكل من رضائي وذو القدر من أبرز قادة «الحرس الثوري» وتوسع نفوذهما في الحرب بعد مقتل عدد كبير من قادة الأجهزة العسكرية والأمنية.
وذهب خرازي أبعد من ذلك؛ إذ قال وزير الخارجية عباس عراقجي أُبلغ بأنه «لا يحق له التدخل في المفاوضات تحت أي ظرف». ولم يقدم دليلاً علنياً على أي من هذه المزاعم.
وأصدر مكتب المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي مساء اليوم الثلاثاء بيانا أكد فيه أن “الادعاء المتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يزعم فيه أحد الأشخاص وجود ردّ من المرشد الأعلى على رسالة رئيس الجمهورية، عارٍ تمامًا من الصحة ولا يمتّ إلى الواقع بصلة”.
الولاء أولاً
تزامن الجدل مع بيان لهيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة دعا مسؤولي الدولة إلى الالتزام الكامل بتوجيهات مجتبى خامنئي، وهاجم الرهان على التفاوض مع الولايات المتحدة.
وقال البيان إن الثقة بواشنطن «سراب»، وإن الأمل في التفاهم أو الاتفاق معها لن يؤدي إلى نتيجة، مؤكداً أن أي تحرك لاستيفاء حقوق إيران يجب أن يتم في إطار «آراء وتوجيهات وتدابير» مجتبى خامنئي، وأن الالتزام العملي بتوجيهاته يمثل «واجباً عقلياً وشرعياً».
ووصف ما سماه «همسات الاستسلام» الصادرة عن «مثيري البلبلة والمتآمرين» تحت شعار الدفاع عن السلام بأنها «خيانة لا تُغتفر»، وطالب السلطات بمواجهتها قانونياً.
وجاء البيان بعد دفاع بزشكيان عن مذكرة تفاهم إسلام آباد، وتأكيده على أن المذكرة تعكس إجماع أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي، وأنها ستكون أساس السياسة الخارجية في المرحلة المقبلة.
وكان بزشكيان قد نفى أيضاً أن يكون التلويح بالاستقالة وسيلة للتأثير في قرارات مؤسسات الدولة، وقال خلال زيارة إلى قم إن الادعاء بأن رئيس الجمهورية غيّر قرارات المؤسسات العليا عبر التهديد بالاستقالة «ادعاء غير منطقي ويفتقر إلى المصداقية».
وسارع فريق بزشكيان، لنفي ما ورد على لسان خرازي. ووصف مهدي طباطبائي، مسؤول دائرة الاتصالات والإعلام في مكتب الرئيس، رواية الاستقالة بأنها «واهية وكذب محض»، وقال إن الموضوع لم يُطرح للنقاش.
بدوره، قال علي أصغر شفيعيان، مستشار الرئيس، في اليوم نفسه، إن خرازي لم يلتق مجتبى خامنئي ولا تربطه به قناة اتصال، واتهمه بترويج روايات غريبة.
وكان إلياس حضرتي، رئيس مجلس الإعلام الحكومي، قد قال في وقت سابق إن قضية استقالة بزشكيان أُثيرت ست مرات، عادَّاً أن الهدف منها إضعاف الحكومة، وأضاف أن الرئيس «لا يسعى إلى الصدام»، ويتمسك بشعار «الوفاق».
وخلال الحرب أيضاً، نفى يوسف بزشكيان، نجل الرئيس ومستشاره، تقارير مماثلة، وقال إن والده «ليس ممن يتراجعون»، داعياً إلى عدم الانجرار وراء ما وصفه بـ«الألعاب الإعلامية».
في المقابل، كتب النائب المتشدد حميد رسائي، تعليقاً ساخراً على نفي الرئاسة، قائلاً إنه يمكن لبزشكيان أن يستقيل مرة أخرى «لكي يتضح من الصادق: خرازي أم الرئاسة».
ودعا الصحافي والناشط السياسي أحمد زيد آبادي المؤسسات المعنية إلى توضيح حقيقة ادعاءات خرازي قبل أن يؤدي انتشارها الواسع إلى «إثارة أزمة سياسية جديدة» في هذه الظروف المعقدة.
وقال إن خرازي سبق خلال عهد الإصلاحات أن هدّد ناشطين سياسيين منتقدين بـ«الدخول إلى غرف نومهم وتفجير قنبلة في أفواههم»، مضيفاً أن هذا النوع من الخطاب يكفي، في رأيه، للحكم على أهليته للعمل السياسي.
وتدافع الحكومة عن المفاوضات استناداً إلى موافقة غالبية أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي، بينهم قادة الجيش و«الحرس الثوري» ومسؤولو الأجهزة الأمنية.
في المقابل، تطعن أصوات برلمانية ودينية وإعلامية في تفويض الفريق الدبلوماسي، وتستند إلى رسائل منسوبة إلى المرشد الأعلى للمطالبة بتقييد الحكومة وإعادة النظر في قرارات المجلس.



