حلقة مفرغة في بناء التحالفات: لماذا تحتاج منطقة غرب آسيا إلى الأمن الجماعي؟

ما تحتاج إليه غرب آسيا، أكثر من تحالف جديد، هو قواعد أمنية مشتركة، وحوار دائم، وبناء للثقة، وآلية تُبقي جميع دول المنطقة، حتى في ظل الخلافات، ضمن إطار موحد.

ميدل ايست نيوز: في الوقت الذي شهد فيه غرب آسيا خلال العقود الماضية تشكيل تحالفات وترتيبات أمنية مختلفة، تُظهر تجربة المنطقة أن التحالفات المحدودة والمنافسات الأمنية لم تؤدِ إلى توفير أمن مستدام، بل أسهمت في بعض الحالات في تعميق دوامة انعدام الأمن وتشكيل التحالفات، وهو ما يبرز بصورة متزايدة ضرورة التحرك نحو آلية للأمن الجماعي بمشاركة جميع دول المنطقة.

وقالت وكالة إرنا في تقرير لها، إن قادة كل من السعودية وتركيا وباكستان وقعوا، يوم الجمعة 7 أغسطس، اتفاقية دفاعية تحولت، بسبب توقيت توقيعها وأطراف الاتفاق وأهدافه المعلنة والخفية، خلال الساعات الأولى إلى واحدة من أبرز الأخبار والموضوعات التي حظيت باهتمام وسائل الإعلام والمحللين في العالم والمنطقة.

وكان البند الذي حظي باهتمام عدد كبير من وسائل الإعلام والمحللين ينص على أن أي هجوم مسلح ضد إحدى الدول الثلاث سيُعد هجومًا على الدول الثلاث مجتمعة. ويشكل هذا البند جوهر الاتفاق الأخير والأساس الذي يقوم عليه مفهوم الردع الجماعي.

هل يمكن تحقيق أمن غرب آسيا عبر تحالفات محدودة؟

إن التحالفات الثنائية والثلاثية، إذا تشكلت في بيئة يشعر فيها اللاعبون الإقليميون الآخرون بأنهم مستبعدون منها أو أنهم مستهدفون من خلالها، فإنها ستؤدي إلى تفاقم المعضلة الأمنية وتعزيز التنافس على تشكيل التحالفات في المنطقة.

وتروي حقيقة الواقع في غرب آسيا قصة مختلفة عن رغبة وإرادة مؤسسي الاتفاق الأخير؛ إذ قد توفر التحالفات المشار إليها نوعًا من الردع لأعضائها على المدى القصير، لكن آفاقها على المدى البعيد، عندما تتجاهل اللاعبين الرئيسيين الآخرين في المنطقة أو حتى تعتبرهم أهدافًا لتحالفاتها، لا تكون إيجابية، بل تتحول هي نفسها إلى عقدة جديدة في مسار الأحداث والتطورات.

ورغم أن التأكيد والتصريح بأن «التفاهمات الموقعة ثنائيًا أو ثلاثيًا ليست موجهة ضد أي دولة» يعكس للوهلة الأولى قدرًا من حسن النية، فإن الحقيقة هي أن الترتيبات الأمنية، ولا سيما في منطقة مثل الشرق الأوسط، لن تقتصر على ما يقوله أعضاؤها بشأن دوافعهم ونواياهم، بل ستؤثر أيضًا في تصورات اللاعبين الآخرين للأمن والتحالف والاستقرار.

فإذا أدى تصور هذه التحالفات وانطباع الدول الأخرى عنها إلى تشكيل ترتيبات جديدة، وذات طابع تهديدي بطبيعة الحال، فإن النتيجة الطبيعية ستكون زيادة القدرات الدفاعية والعسكرية أو تشكيل تحالفات مضادة. وهذه هي الحلقة أو الدورة الأمنية التي وقعت المنطقة في أسرها خلال السنوات الأخيرة، فلم تخسر أمنها فحسب، بل تدفقت أيضًا مليارات الدولارات، نتيجة هذه الاتفاقيات، إلى خزائن مصانع الأسلحة في الشرق والغرب.

والحقيقة أن كلما كان التحالف أصغر وأكثر تماسكًا وطابعًا عسكريًا، زادت احتمالية أن يتجه اللاعبون من خارج دائرته، لمواجهته، نحو تشكيل تحالفات أخرى. وفي مثل هذه الظروف، ستواجه المنطقة، بدلًا من بنية أمنية مشتركة، مجموعة من الترتيبات المتبادلة والمتنافسة.

تحالف يمكنه إخراج غرب آسيا من دوامة الأمننة

إن الترابط، وربما حتى التشابك، بين الأمن في غرب آسيا جعل من هذا المفهوم ونقيضه، أي انعدام الأمن، ظاهرة معدية، في حين أن أمن أي دولة لا ينفصل عن أمن الأراضي المحيطة بها.

وما تحتاج إليه غرب آسيا، أكثر من تحالف جديد، هو قواعد أمنية مشتركة، وحوار دائم، وبناء للثقة، وآلية تُبقي جميع دول المنطقة، حتى في ظل الخلافات، ضمن إطار موحد.

وقد طرحت طهران وسعت، على مدى كل هذه السنوات، إلى تنفيذ أفكار في هذا الاتجاه، وكانت «مبادرة هرمز» واحدة من أبرزها، إذ اقترحت أن يكون أمن المنطقة نتيجة للتعاون بين إيران والعراق والدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي.

وتأخذ المبادرة الإيرانية المقترحة في الاعتبار العديد من التحديات التاريخية والسياسية والمذهبية وحتى الاجتماعية التي تواجه التعاون والتنسيق بين الدول، ولذلك فهي لا تتضمن التفاؤل المفرط الذي تقوم عليه مشاريع مثل «ناتو الشرق الأوسط» و«الناتو الإسلامي»، كما أنها لا تتضمن الاستحالات التي تتسم بها مشاريع مثل «اتفاقيات إبراهيم».

وتقوم الآلية التي تقترحها إيران على التعاون من أجل إدارة الخلافات والتحديات وتجاوز الأزمات الناجمة عنها. وفي مثل هذه الصيغة، لا يتعلق الأمر بتوحيد مبادئ وسياسات ووجهات نظر جميع الدول، بل بتنسيق وتثبيت نقاط التوافق المشتركة، ومن أمثلتها ما أشار إليه وزير الخارجية الإيراني في رسالته، وهو «الأخوة الحقيقية».

ويمكن لمبادئ من قبيل احترام سيادة الدول، وعدم استخدام القوة، والتصدي للإجراءات المزعزعة للاستقرار التي تتخذها دول من خارج المنطقة، ودعم أي خطوة من شأنها بناء الثقة، أن تؤدي في نهاية المطاف إلى تشكيل تحالف يضم جميع دول المنطقة، وإقامة منظومة أمنية يشعر بها سكان الرياض وطهران، وكذلك أبوظبي وبغداد.

وإذا نظرنا إلى التفاهمات والتحالفات الإقليمية من منظور سلبي وحللناها على هذا الأساس، فيمكن تفسير هذا الاتفاق الأمني الأخير، كما يُسمى، باعتباره نوعًا من التحذير الموجه إلى طهران. لكن هل طهران غريبة عن مثل هذه التحالفات والتحذيرات؟ تُظهر التجربة التي عاشتها، على الأقل خلال العقود الأربعة الأخيرة، أن الإجابة هي بالنفي.

واستنادًا إلى هذه التجربة تحديدًا، يذكّر وزير الخارجية الإيراني المنطقة بأن القوات المسلحة الإيرانية القوية أثبتت استعدادها وقدراتها واقتدارها في مواجهة أكثر القوات العسكرية تطورًا في العالم.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − 16 =

زر الذهاب إلى الأعلى