زيدان في دمشق.. زيارة قضائية بوزن سياسي وأبعد من أمني
تحمل زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إلى دمشق، رسائل أعمق من مجرد ملفات قانونية، فهي، بحسب مراقبين، بداية لتنسيق أمني وسياسي أكثر استقراراً بين البلدين.

ميدل ايست نيوز: تحمل زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إلى دمشق، رسائل أعمق من مجرد ملفات قانونية، فهي، بحسب مراقبين، بداية لتنسيق أمني وسياسي أكثر استقراراً بين البلدين، كما تأتي لاختبار قدرة “سوريا الجديدة” على إدارة مؤسساتها، إلى جانب بحث ملف معتقلي “داعش” السوريين لدى بغداد، وسط حرص عراقي متزايد على سد أي فراغ أمني قد يهدد استقرار المنطقة.
أبعد من زيارة قضائية
ويقول الخبير بالعلاقات الدولية معتز النجم، إن “زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إلى سوريا لا ينبغي قراءتها باعتبارها زيارة قضائية بحتة، بل تأتي ضمن مسار يتعلق بتنظيم العلاقات بين دولتين جارتين لهما تأثير متبادل، سواء على صعيد التعاون القضائي وتبادل المعلومات أو التعاون الأمني وضبط الحدود والتنسيق السياسي الأوسع”.
ويضيف، أن “الانتقال من الزيارات الأمنية إلى زيارات قضائية متلاحقة يمثل نقطة مهمة، ولا سيما أن زيارة زيدان سبقتها زيارة مستشار الأمن الوطني العراقي وزيارات أخرى، كما أن العراق لديه مصلحة حقيقية في أن تكون الدولة السورية قوية وقادرة على السيطرة على أراضيها”.
ويتابع، أن هذه الزيارة تنشئ مقاربة في عملية التعامل بين العراق وسوريا، وكذلك مع الوضع الداخلي السوري بمكوناته ومؤسساته، وسوريا أصبحت، بحسب وصفه، دولة حديثة النشأة بعد سيطرة أحمد الشرع على مقاليد الحكم، وهو ما أظهر لدى العراق مجموعة من الهواجس، ولا سيما الأمنية منها.
وزن سياسي وقانوني
ويشير النجم إلى أن “العراق معني جداً بعدم عودة تنظيم داعش أو التنظيمات الأخرى في سوريا، خصوصاً أن الجغرافيا المشتركة تؤثر في طبيعة العلاقات الأمنية بين البلدين، والمرحلة الحالية تتطلب تثبيت القانون مقابل الفوضى، مستفيدة من تجربة العراق الطويلة في التعامل مع عصابات داعش وبناء المؤسسات القانونية والقضائية، وهو ما يمكن أن يخدم الدولة السورية أيضاً”.
ويعتقد، أن “ذلك يخلق حاجة إلى مد نفوذ التعاون القضائي داخل سوريا وفتح قنوات اتصال رسمية مع دمشق، وزيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى تحمل وزناً سياسياً وقانونياً، إذ يمكن أن يشكل التعاون القضائي مدخلاً أقل حساسية للتعاون السياسي والأمني المباشر، خصوصاً في ظل مرحلة إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية والمشهد الأمني الجديد في منطقة الشرق الأوسط”.
ويردف النجم، أن “العراق بات أمام متغير جديد، بعد استقبال أكثر من 5 آلاف شخص من تنظيم داعش انتقلوا من السجون في شمال شرق سوريا بالتنسيق مع قوات التحالف، فيما بدأت السلطات العراقية إعداد ملفاتهم القضائية، ومع انسحاب قوات التحالف وبقاء القوات العراقية لإدارة هذا الملف يفرضان الحاجة إلى تعاون سوري مستمر بسبب وجود أدلة ووثائق وهويات وشهود ومعلومات استخبارية مرتبطة به”.
ويتوقع، أن “التعاون القضائي قد يتحول، في هذه الحالة، إلى تعاون أمني غير مباشر، وأن هذا التحول الأمني يمكن أن يكون محركاً للتحول السياسي، ودمشق تحتاج اليوم إلى أكثر من الدعم السياسي، إذ تحتاج أيضاً إلى مؤسسات إقليمية”.
اختبار سوريا الجديدة
ويواصل خبير العلاقات الدولية، أن “العراق يريد سوريا مستقرة تمتلك مؤسسات قادرة على ضبط أراضيها وحدودها، لأن ما يحدث داخل سوريا يمكن أن ينعكس على العراق سلباً أو إيجاباً، وبالتالي فإن استقرار الدولة السورية ينعكس مباشرة على الأمن العراقي”.
وينبه إلى أن “هناك حسابات دقيقة تحكم هذا المسار، إذ لا تريد بغداد الدخول في علاقة مع دمشق بمعزل عن حسابات الاتصال مع واشنطن والدول العربية والأطراف الإقليمية الأخرى، كما أن المسار العراقي يمكن أن ينتقل من دعم الدولة السورية ومؤسساتها والتعاون معها إلى دعم الاستقرار السياسي السوري”.
ويشدد على أن “مصلحة العراق الحقيقية تكمن في وجود دولة سورية قوية وقادرة على السيطرة على أراضيها، لأن أي فراغ أمني داخل سوريا سينعكس مباشرة على الأمن العراقي، فيما قد تمثل زيارة زيدان اختباراً لقدرة سوريا الجديدة على التعامل مع العراق عبر مؤسسات الدولة والقانون”.
ويخلص النجم إلى أن “الزيارة لا تمثل تحركاً قضائياً فقط، ولا إعلاناً عن تحالف سياسي مع دمشق، بقدر ما تفتح مسارات جديدة لوضع أطر أمنية وسياسية وقضائية للتعاون بين الدولتين، باعتبارهما جزءاً من منظومة أمنية إقليمية وتتأثر كل منهما بالأخرى بصورة مباشرة”.
طلب سوري متوقع
من جانبه، يقول الخبير القانوني السوري إيهاب عبد ربه، إن “الأساس القانوني يتمثل في أن تتنازل الدولة صاحبة الاختصاص، وهي العراق، عن اختصاصها لسوريا، باعتبار أن الاختصاص ينعقد في العادة بالدرجة الأولى للدولة التي ارتكبت الجريمة على أراضيها، ثم يأتي بعد ذلك اختصاص دولة الجنسية”.
ويضيف، أن “سوريا تستطيع إكمال المحاكمات التي بدأت في العراق أو تنفيذ العقوبات الصادرة، لكنها لا تستطيع محاكمة المتهمين مرة أخرى عن الجريمة ذاتها”، مرجحاً أن “تطلب سوريا من العراق التنازل بصورة كاملة عن اختصاصه في هذه القضايا”.
وتفتح زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إلى دمشق، في وقت سابق من اليوم الخميس، ملف الموقوفين السوريين الموجودين لدى العراق، بعد أن تركزت مباحثاته مع وزير العدل السوري مظهر الويس على أوضاعهم القانونية وآليات حسم ملفات محاكماتهم، بالتوازي مع تحرك أوسع لتعزيز التعاون القضائي بين بغداد ودمشق.
وتأتي الزيارة تلبية لدعوة رسمية من وزير العدل السوري، إذ وصل زيدان إلى دمشق على رأس وفد قضائي عراقي، وكان في استقباله الويس ومستشار الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين محمد طه الأحمد، في زيارة وصفت بأنها الأولى من نوعها لرئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى سوريا.
وخلال الاجتماع، أبدى زيدان استعداد القضاء العراقي لتقديم الدعم والإسناد القضائي إلى دمشق، مشيدا بمسار إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، فيما ثمن الويس مستوى العلاقات الثنائية، ولا سيما على الصعيدين الأمني والاقتصادي، وأعرب عن تطلع دمشق إلى تعزيز الشراكة مع بغداد في المجالات القضائية والقانونية.
دواعش مخيم الهول
لكن الملف الأبرز في الزيارة ظهر مع كشف رئيس هيئة الإشراف القضائي ليث جبر، في تصريح للوكالة الرسمية، أن المباحثات ركزت على الموقوفين السوريين الذين تسلمهم العراق من سجن الهول ووضعهم القانوني، مؤكداً أن التحقيقات القضائية أجريت لهم في العراق، مع توفير جميع الضمانات القضائية لهم وفق القانون.
ويبين جبر، أن الجانبين اتفقا على تشكيل لجان قضائية مشتركة تعقد اجتماعات متواصلة لحسم الملفات المتعلقة بمحاكمات هؤلاء الموقوفين، بالتزامن مع تبادل الرؤى بشأن تعزيز التعاون القضائي وتطوير تبادل المعلومات والخبرات، فضلاً عن الإعداد لتوقيع مذكرات تفاهم قضائية بين العراق وسوريا مستقبلا.
تسليم المتهمين والمحكومين
إلى ذلك، يقول الخبير القانوني السوري ياسر شالتي ، إن “هناك أكثر من أساس قانوني يمكن أن يستند إليه الاتفاق بين العراق وسوريا، يأتي في مقدمتها اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي لعام 1983، التي صادق عليها العراق عام 1984، كما صادقت عليها سوريا”.
ويبين، أن “الاتفاقية تتضمن باباً كاملاً يتعلق بتسليم المتهمين والمحكوم عليهم، إذ تلزم المادة 38، ضمن الشروط الواردة فيها، بتسليم الأشخاص المتهمين أو المحكوم عليهم الموجودين لدى الدول المتعاقدة، فيما تنظم المواد اللاحقة شروط وإجراءات التنفيذ”.
ويرى، أنه “يمكن للعراق وسوريا إبرام اتفاق ثنائي أكثر تفصيلاً يستند إلى اتفاقية الرياض وتشريعات الدولتين، على أن يحدد من سيحاكم في العراق، ومن ستنقل محاكمته إلى سوريا، ومن سينقل لتنفيذ الحكم العراقي فقط”.
وفيما يتعلق بالاختصاص القضائي، يؤكد شالتي أن الجنسية السورية للشخص المنقول لا تعني تلقائياً أن سوريا وحدها صاحبة الاختصاص، فإذا ارتكبت الجرائم داخل العراق، فإن بغداد تمتلك أساساً قوياً للاختصاص استناداً إلى مبدأ الإقليمية، إذ تجعل المادة 6 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 القانون والقضاء العراقيين مختصين بالجريمة الواقعة على الأراضي العراقية بصرف النظر عن جنسية مرتكبها”.
ويلفت إلى أن “سوريا قد يكون لديها اختصاص وفق قانونها، ولا سيما استناداً إلى جنسية الجاني أو إذا كانت الأفعال قد وقعت داخل أراضيها، فيما يستطيع الاتفاق بين الدولتين تنظيم الجهة التي ستمارس الاختصاص فعلياً، لكنه لا ينبغي أن يخلق اختصاصاً بصورة مطلقة من دون أساس قانوني، لأن الاتفاق الثنائي ينظم التعاون والنقل والإجراءات، بينما يجب أن تبقى سلطة المحكمة في التجريم والعقاب مستندة إلى القانون”.
تنفذ أحكام أم إعادة محاكمة؟
ويعتقد الخبير القانوني السوري، أن الأشخاص الذين لم تصدر بحقهم أحكام يمثلون الفئة الأسهل قانونياً، إذ يمكن الاتفاق على نقلهم إلى سوريا لتتولى السلطات السورية محاكمتهم، لكنه يتساءل عما إذا كانت دمشق تريد بالفعل محاكمتهم؟، خصوصاً من نقلوا أخيراً من سوريا واتهموا بالانتماء إلى تنظيم داعش.
ويعرب عن اعتقاده الشخصي بأن “هؤلاء لن تجري محاكمتهم، وأن السلطات السورية تسعى إلى استعادتهم لإطلاق سراحهم، مستنداً في ذلك إلى ما حدث مع أشخاص كانوا في سجون قوات سوريا الديمقراطية وأطلق سراحهم”.
أما الحالة الأكثر تعقيداً، بحسب شالتي فتتعلق بالمحكومين الذين صدرت بحقهم أحكام نهائية في العراق، إذ يرى أن الأصل القانوني السليم يتمثل في ألا يعني نقلهم إلى سوريا إخضاعهم لمحاكمة جديدة، وإنما نقلهم لتنفيذ العقوبة، بحيث يبقى الحكم عراقياً وتصبح سوريا دولة تنفيذ العقوبة، وهو نموذج معروف في التعاون الجنائي الدولي، مكررا اعتقاده بأنها تسعى إلى استعادتهم لتجنيبهم السجن، باستثناء بعض الأسماء التي قد تشكل ضغطاً عليها ولا تستطيع الإفراج عنها، فيما يتوقع الإفراج عن غالبية الأسماء.
ويعرب شالتي عن تخوفه من تضمين الاتفاق بنوداً تسمح بالعفو أو تخفيض العقوبة أو وقف التنفيذ أو إعادة توصيف الجريمة، لما قد تتيحه هذه الإجراءات من إمكانية الإفراج عن عناصر انتمت إلى تنظيمات متطرفة، لكنه يؤكد أن ذلك يبقى مرتبطاً بالنية السياسية وليس بالجانب القانوني”.
ويأمل الخبير القانوني السوري، أن”يلتزم العراق بما صدر عن مجلس القضاء الأعلى العراقي في 22 كانون الثاني 2026، والذي أكد أن المتهمين، بصرف النظر عن جنسياتهم أو مواقعهم داخل التنظيم، يخضعون حصراً لسلطة القضاء العراقي، وأن تصر بغداد على تنفيذ الأحكام الصادرة عنه، فيما يبقى ملف غير المحكومين عائداً إلى القضاء السوري”.
ويحذر من أن “يتحول الملف إلى فرصة لإطلاق سراح أشخاص تربط بعضهم علاقات أو صلات قرابة بأعضاء أو مسؤولين في السلطات السورية الجديدة، كما أن ” غالبية الموقوفين ليسوا متهمين بجرائم جنائية اعتيادية، وإنما بجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو بالانتماء سابقاً إلى تنظيم داعش”.
اتفاقية مشتركة
وبالتوازي مع ملف الموقوفين، أفادت تقارير صحفية، في وقت سابق من اليوم الخميس، بوجود ترجيحات بشأن قرب توقيع اتفاقية مشتركة بين العراق وسوريا تتعلق بنقل ومحاكمة المعتقلين السوريين، مشيرة إلى أن الجانب السوري أدخل تعديلات وملاحظات على مسودة الاتفاقية التي اقترحتها بغداد بشأن آليات النقل والمحاكمة.
وبحسب تلك المعلومات، اتفق الطرفان على تشكيل لجنة عراقية – سورية مشتركة تتولى دراسة بنود الاتفاقية بصورة تفصيلية، ومناقشة التعديلات التي طرحتها دمشق، تمهيدا للوصول إلى صيغة نهائية يمكن إقرارها وتوقيعها رسميا بين البلدين.
ولا يقف مسار زيارة زيدان عند قضية الموقوفين، إذ تتجه بغداد ودمشق إلى توسيع التعاون في ملفات العدالة الانتقالية والشفافية ومكافحة الفساد والقضايا القضائية المشتركة، في وقت تسعى فيه سوريا إلى إعادة بناء مؤسساتها وترسيخ دعائم القانون، بينما تبحث بغداد عن قنوات مؤسساتية وقضائية أكثر انتظاما في التعامل مع الملفات المشتركة.
ويأتي هذا التحرك القضائي ضمن مسار تقارب أوسع بين البلدين، بعد انتقال ملف العلاقة العراقية – السورية خلال الفترة الأخيرة من الاتصالات السياسية والأمنية إلى مستوى التعاون المؤسسي، ولا سيما في ظل الملفات الأمنية المرتبطة بتنظيم داعش والموقوفين والحدود المشتركة.



