أي الممرات تمتلك مفاتيح التجارة العالمية في القرن الحادي والعشرين؟
من شأن مشاريع النقل العابرة لأفغانستان أن تربط آسيا الوسطى بأسواق جنوب آسيا وموانئ الخليج والمحيط الهندي، بما يسهم في إحياء جانب من الدور التاريخي الذي لعبته أفغانستان في التجارة الإقليمية.

ميدل ايست نيوز: أبرزت الاضطرابات التي شهدتها ممرات حيوية، مثل مضيق هرمز وقناة السويس والبحر الأحمر، المخاطر المرتبطة باعتماد التجارة العالمية على عدد محدود من المسارات. في المقابل، بدأت الممرات الوسطى وممر الشمال–الجنوب ومشاريع النقل العابرة لأفغانستان والمسارات القطبية في تشكيل شبكة جديدة من الطرق البديلة، حيث لم تعد أفضلية الدول مرتبطة بالسيطرة على ممر واحد، بل بقدرتها على ربط المسارات المختلفة ببعضها.
ولسنوات طويلة، تمحور جزء كبير من التنافس الجيوسياسي حول السيطرة على الممرات التجارية، بدءًا من قناة السويس ومضيق هرمز، وصولًا إلى باب المندب ومضيق ملقا. لكن التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة تشير إلى أن معادلة التجارة العالمية تشهد تحولًا متسارعًا. فلم يعد السؤال المطروح: «من يسيطر على أحد المسارات؟»، بل أصبح السؤال الأهم: أي دولة تمتلك القدرة على ربط عدة مسارات وشبكات مختلفة ببعضها؟
نهاية عصر الممرات المنفردة
أشار تقرير نشرته مجلة «داون تو إيرث» إلى تشكل بنية جديدة لربط مناطق أوراسيا، وهي بنية لا تُنظر فيها إلى الممرات المختلفة على أنها مشاريع متنافسة بالضرورة، بل باعتبارها ممرات يمكن أن تؤدي أدوارًا تكاملية فيما بينها.
وفي هذا السياق، يبرز ممر الشمال–الجنوب، الذي يربط الهند وإيران ومنطقة القوقاز وروسيا وشمال أوروبا، إلى جانب الممر الأوسط، ومسارات النقل العابرة لأفغانستان، وموانئ الخليج، وطرق بحر قزوين، وحتى مسارات الملاحة في القطب الشمالي.
ويؤكد التقرير أن مستقبل التجارة في أوراسيا لا ينبغي اختزاله في المنافسة بين ممرين أو عدة ممرات، لأن ما يتشكل حاليًا هو «شبكة من الشبكات».
وهنا تتضح أهمية التمييز بين مفهومي الممر والشبكة؛ إذ قد يتعرض أحد الممرات للتعطل نتيجة الحروب أو العقوبات أو الأزمات الأمنية أو المشكلات المتعلقة بالبنية التحتية، بينما تستطيع الشبكات التي تضم عدة مسارات تحويل حركة التجارة إلى طرق بديلة. وبعبارة أخرى، توزع الشبكات المخاطر بين عدة مسارات بدلًا من تركيزها في ممر واحد.
التجارة العالمية تبحث عن مسارات بديلة
كما زادت التطورات الأخيرة في قناة السويس والبحر الأحمر من أهمية هذا التحول. فقد أظهرت الاضطرابات التي شهدتها الممرات الرئيسية أن الطريق الأقل تكلفة ليس بالضرورة الأكثر أمنًا أو الأكثر موثوقية.
ولهذا السبب، تتجه الحكومات وشركات النقل الكبرى نحو البحث عن مسارات بديلة، وتنويع خياراتها، وإنشاء قدرات إضافية. ولم يعد الهدف يقتصر على خفض تكاليف النقل، بل أصبح يتمثل في ضمان استمرار حركة التجارة خلال فترات الأزمات.
وفي ظل هذه البنية الجديدة، تتغير أيضًا مكانة دول مثل أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وجورجيا وتركيا. فلم تعد ميزة هذه الدول تقتصر على امتلاك الموارد الطبيعية أو القوة العسكرية، بل أصبحت ترتبط بقدرتها على ربط الأسواق والبنى التحتية والمناطق المختلفة.
وفي اقتصاد الشبكات، تزداد القيمة الاستراتيجية للدول القادرة على أداء دور الجسر بين عدة أنظمة تجارية.
آسيا الوسطى.. من قلب اليابسة إلى مفترق طرق
تمثل آسيا الوسطى نموذجًا بارزًا لهذا التحول. فالمنطقة التي كانت تُعرف سابقًا باعتبارها «قلب اليابسة» من الناحية الجيوسياسية، يمكن أن تتحول اليوم إلى مركز تجاري محوري.
كما أن تطوير خطوط السكك الحديدية والمراكز اللوجستية ومسارات الطاقة والشبكات التجارية حوّل آسيا الوسطى من ساحة تتنافس فيها المشاريع المختلفة إلى نقطة تلتقي فيها عدة شبكات.
وتكتسب أفغانستان أهمية خاصة في هذا الإطار، إذ يضعها موقعها الجغرافي عند نقطة التقاء آسيا الوسطى وجنوب آسيا وإيران والمسارات المؤدية إلى المحيط الهندي.
ومن شأن مشاريع النقل العابرة لأفغانستان أن تربط آسيا الوسطى بأسواق جنوب آسيا وموانئ الخليج والمحيط الهندي، بما يسهم في إحياء جانب من الدور التاريخي الذي لعبته أفغانستان في التجارة الإقليمية.
في المحصلة، يسلط التقرير الضوء على تحول جذري في النظرة إلى مستقبل التجارة في أوراسيا، إذ من المرجح ألا يتحدد هذا المستقبل من خلال تفوق ممر على آخر، بل من خلال قدرة الدول على تحويل مجموعة من المسارات المختلفة إلى شبكة مترابطة وفعالة.
وفي هذه الظروف، لم تعد الميزة الجغرافية وحدها كافية، بل أصبحت القدرة على الربط والتنويع وإنشاء مسارات بديلة هي العامل الأكثر أهمية.
وبعبارة أخرى، فإن القوة في تجارة القرن الحادي والعشرين لا تكمن في السيطرة على البوابات، بل في بناء شبكة من البوابات.



