الصحافة الإيرانية: هل تفرض الحرب «طلاق تجاري» بين طهران وأبوظبي؟
اشتعلت نيران الحرب في مياه الخليج ووصلت تداعياتها إلى شريكين تجاريين كبيرين.

ميدل ايست نيوز: اشتعلت نيران الحرب في مياه الخليج ووصلت تداعياتها إلى شريكين تجاريين كبيرين. فبعد الحرب، اصطدمت الإمارات بعقبة صعبة أمام تصدير نفطها بسبب مضيق هرمز، كما تواجه ركوداً في قطاع السياحة، فيما تعيش إيران من جهة أخرى علاقات متوترة مع أحد أكبر شركائها التجاريين، وهي الدولة المجاورة التي كانت تستحوذ على نحو ثلث تجارة إيران، وتمتلك شبكة مالية واسعة ومعقدة كانت تساعد في الالتفاف على العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران.
الإمارات.. أكبر شريك تجاري لإيران
تأتي حالة الغموض التي تحيط بالتجارة بين إيران والإمارات في وقت تحولت فيه الإمارات خلال السنوات الماضية إلى إحدى أهم بوابات التجارة الإيرانية، وكانت بعد الصين صاحبة أكبر حجم من المبادلات التجارية مع إيران. وكان الفارق بين الصين والإمارات في حجم التجارة مع إيران ضئيلاً إلى درجة أن الإمارات تجاوزت الصين خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي وأصبحت أكبر مصدر للسلع إلى إيران.
وبحسب تقرير للجمارك الإيرانية، استحوذت الإمارات خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 على أكثر من ثلث واردات إيران، بقيمة 13 ملياراً و533 مليون دولار، فيما جاءت الصين في المرتبة الثانية بقيمة 12 ملياراً و108 ملايين دولار وحصة بلغت 27.4% من إجمالي الواردات الإيرانية.
ويظهر النظر إلى حصص باقي الشركاء التجاريين من السوق الإيرانية أن الفارق بينهم وبين هذين البلدين كبير. إلا أن اعتماد إيران الكبير على بعض شركائها التجاريين، مثل الإمارات والصين، كان ظاهرة نتجت عن العقوبات، ولها أضرارها الخاصة. وتُظهر دراسة تقارير الجمارك أن عدد الدول التي تستحوذ مجتمعة على نحو 80% من صادرات إيران انخفض من 21 دولة في عام 2004 إلى سبع دول فقط في عام 2023.
وجاء تقلص عدد الشركاء التجاريين لإيران خلال سنوات العقوبات في وقت تتبع فيه العديد من دول العالم بشكل جاد استراتيجية تنويع الشركاء وتجنب الاعتماد على دولة واحدة أو عدد محدود من الدول.
وكان الاعتماد التجاري على الإمارات أيضاً ظاهرة نتجت عن العقوبات، إذ لم تكن الإمارات تستحوذ على أكثر من 30% من تجارة إيران فحسب، بل كانت نحو 13% من صادرات إيران تتجه إليها. كما تحولت الإمارات إلى مركز مهم للتحويلات والتبادلات المالية الإيرانية خارج الأطر التي تفرضها العقوبات.
وفي هذا الإطار، لعبت الشركات ذات الأصل الإيراني المسجلة في الإمارات، ضمن شبكة معقدة من الشركات الائتمانية والوسيطة، دوراً مهماً في الالتفاف على العقوبات من خلال إعادة التصدير. وكانت نسبة كبيرة من السلع التي كان مقصدها النهائي إيران تُفرغ أولاً في ميناء جبل علي، ثم تُنقل عبر الأسطول البحري والتجاري إلى الموانئ الإيرانية.
ولم تقتصر أهمية الإمارات بالنسبة إلى إيران على تجارة السلع، بل تحولت الدولة إلى أهم مركز مالي ومركز للعملات الأجنبية للتجارة الخارجية الإيرانية. وتشير التقديرات إلى أن نحو 80% من العملة الأجنبية اللازمة للواردات الإيرانية كانت تُؤمَّن عبر سوق الدرهم الإماراتي.
تشابك مصالح الجارتين
يقول فرشيد فرزانغان، الرئيس السابق لغرفة التجارة الإيرانية الإماراتية، لصحيفة شرق، إن اضطراب العلاقات الاقتصادية بين إيران والإمارات ستكون له تكلفة باهظة، لأن الإمارات كانت خلال السنوات الماضية إحدى بوابتين رئيسيتين لإيران للالتفاف على العقوبات، واستبدالها في تجارة البلاد ليس أمراً سهلاً، بل سيحمّل الاقتصاد الإيراني تكاليف إضافية.
ويؤكد فرزانغان أن هذه التكاليف ليست من جانب واحد، مشيراً إلى أن الإمارات أيضاً ستتحمل تكلفة كبيرة نتيجة استبعاد إيران، إذ أدى التوتر في العلاقات بين البلدين إلى إصابة قطاع السياحة الإماراتي بالشلل إلى حد كبير، كما أن حجم استثمارات الإيرانيين في الإمارات كبير، ولا تستطيع الإمارات التخلي بسهولة عن هذه الاستثمارات، ما يعني أن المصالح الاقتصادية بين البلدين متشابكة بدرجة كبيرة.
ويضيف الرئيس السابق لغرفة التجارة الإيرانية الإماراتية أن الإمارات، بعد الحرب والتوتر في العلاقات بين البلدين، سمحت بشكل صارم للتجار والناشطين الاقتصاديين والمهاجرين الإيرانيين بالإقامة فيها فقط إذا لم تكن لهم أي صلة بالحكومة أو النظام الحاكم في إيران، فيما اقتصر نشاط اللنجات التجارية على التجارة التقليدية والمحلية في المنطقة، التي تمتد جذورها بين البلدين منذ سنوات طويلة، ولا تستطيع الإمارات إلغاءها.
ويؤكد فرزانغان في الوقت نفسه أن المصالح السياسية والاقتصادية بين الدولتين الجارتين متشابكة إلى حد كبير، ولا يستطيع أي من الطرفين تجاهلها بسهولة. ويقول: «لذلك أعتقد أن على البلدين إعادة النظر في علاقاتهما وتهيئة الظروف للسلام والمصالحة بينهما».
ومع ذلك، ينبغي التأكيد أن حسن الجوار مع الدول المجاورة والشركاء التجاريين، ولا سيما في العلاقات الاقتصادية، يجب ألا يؤدي إلى اعتماد البلاد تجارياً على شريك واحد أو عدد محدود من الشركاء. وعلى إيران، بالتوازي مع خفض التوترات الخارجية ورفع العقوبات، العمل على تنويع شركائها التجاريين.



