هل یتجه الاقتصاد الإيراني إلى الانهيار؟

إن الأزمة المعيشية في إيران شديدة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة فقدان القدرة الفعلية على الوصول إلى الغذاء على نطاق واسع.

ميدل ايست نيوز: يعيش الاقتصاد الإيراني بلا شك واحدة من أصعب مراحله. فقد فرضت الحرب، وتدمير أجزاء من المنشآت الصناعية والبنية التحتية للطاقة، واضطراب النقل والتجارة، وتراجع إيرادات الحكومة، وتصاعد الضغوط الاقتصادية الخارجية، سلسلة من الصدمات على اقتصاد كان يعاني أصلاً لأكثر من عقد من دوامة شرسة من العقوبات.

وبات تراجع قيمة الريال الإيراني والارتفاع الحاد في الأسعار جزءاً من الحياة اليومية للأسر الإيرانية، فيما أقر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بتراجع كبير في إيرادات البلاد.

في هذا السياق، يرى ميدل ايست نيوز أن تدهور الوضع الاقتصادي الإيراني، رغم خطورته، لا يعني بالضرورة أن البلاد أصبحت على أعتاب انهيار اقتصادي شامل، إذ لا تزال هناك آليات وموارد تسمح للاقتصاد بامتصاص جزء من الضغوط، كما أن الانهيار الاقتصادي نفسه، حتى في حال وقوعه، لا يضمن بالضرورة تحقيق النتيجة السياسية التي تراهن عليها واشنطن.

ويبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أصبحت أكثر أملاً في فاعلية استراتيجية الضغط الاقتصادي، بعدما لم تؤد الضربات والقصف المكثف إلى إسقاط النظام في إيران. تعتمد واشنطن الآن على فرضية مفادها أن تصعيد الضغوط الاقتصادية قد يدفع الاقتصاد الإيراني إلى نقطة يصعب العودة منها، وهو ما ينسجم مع حديثها عن تنفيذ أضخم عملية اقتصادية ضد دولة.

لكن السؤال الأساسي يبقى: هل يمكن اعتبار التدهور الاقتصادي الحاد مؤشراً على اقتراب الانهيار؟

بين الأزمة والانهيار

منذ عام 2011، امتص الاقتصاد الإيراني جانباً كبيراً من كلفة العقوبات الطويلة عبر التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية. وكانت النتيجة تآكل القوة الشرائية الحقيقية للمواطنين، لكن تدفق السلع استمر عبر شبكات التجارة الرسمية وغير الرسمية.

بمعنى أكثر وضوحاً، ارتفعت أسعار السلع، لكن رفوف المتاجر لم تفرغ.

وخلال هذه السنوات، تكيف الاقتصاد تدريجياً مع القيود الخارجية عبر تنويع طرق التجارة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتوسيع الشبكات غير الرسمية للالتفاف على العقوبات، إلى جانب استخدام برامج الدعم الاجتماعي.

وأنتجت هذه الآليات اقتصاداً مرتفع الكلفة ومتدنياً من حيث مستوى الرفاه، لكنه تمكن رغم الضغوط والحظر الأجنبي من مواصلة الإنتاج والتجارة، وإتاحة الحد الأدنى من الموارد للدولة للوفاء بالتزاماتها الأساسية.

لا شك أن الحرب والحصار يهددان هذه القدرة أكثر من السابق، لكنهما لم يقضيا عليها حتى الآن. ولذلك، فإن الحديث عن الانهيار يفترض الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الاقتصاد عاجزاً عن امتصاص الضغوط والتكيف مع الصدمات الجديدة، وهو ما يتطلب تعطل عدة قطاعات أساسية في وقت واحد وبصورة مستمرة، وهي حالة لا تبدو متحققة حتى الآن.

من أبرز مؤشرات الانهيار المحتملة فقدان الريال لوظيفته كوسيلة رئيسية للدفع أو الادخار، بحيث يلجأ الإيرانيون والشركات على نطاق واسع إلى الدولار أو العملات الأجنبية الأخرى.

وقد تبدأ هذه العملية مع ارتفاع التضخم الشهري إلى مستويات شديدة، بالتزامن مع انهيار سريع ومتواصل في قيمة العملة الوطنية.

لكن الاقتصاد الإيراني لم يصل إلى هذه المرحلة بعد، إذ لا تزال الرواتب والأسعار تُحدد وتُدفع بالريال، ولا توجد مؤشرات على انهيار يومي حاد في قيمته. يُقدّر التضخم الشهري حالياً بنحو 5 إلى 6%، وقد يتجاوز 10% مع استمرار الحصار، لكن وصوله إلى مستوى 40 أو 50% شهرياً خلال الأشهر الأربعة أو الخمسة المقبلة يبدو احتمالاً بعيداً.

الدولة لا تزال قادرة على تمويل التزاماتها

المؤشر الثاني على الانهيار يتمثل في عجز الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها المالية الأساسية.

لا شك أن الميزانية العامة الإيرانية تواجه ضغوطاً شديدة، مع ارتفاع الإنفاق العسكري وتكاليف إعادة الإعمار والدعم الاقتصادي والاجتماعي، مقابل تراجع الإيرادات.

وتشير بعض التقديرات إلى أن الحرب خفّضت إيرادات إيران التصديرية بنحو 30 إلى 35 مليار دولار، فيما يتطلب تعويض جزء من الضرر الذي لحق بمستوى رفاه الأسر موارد تعادل نحو 31% من حجم الميزانية العامة.

لكن رغم ذلك، لا توجد حتى الآن مؤشرات على أن الحكومة ستكون عاجزة، في المستقبل القريب، عن دفع رواتب موظفي القطاع العام، ومعاشات المتقاعدين، ونفقات الأجهزة الأمنية، والإعانات الأساسية.

ولا تزال الحكومة قادرة على تمويل هذه الالتزامات عبر الاقتراض من القطاع المصرفي، وزيادة الكتلة النقدية، وإعادة توزيع الموارد بين بنود الإنفاق المختلفة.

صحيح أن هذه الوسائل تحمل كلفة اقتصادية مرتفعة وقد تؤدي إلى مزيد من التضخم، لكن ثمة فارقاً كبيراً بين تمويل الدولة لالتزاماتها بأساليب مكلفة، وبين العجز الكامل عن تمويلها.

أما على المستوى المعيشي، فقد أصبحت الأزمة أكثر حدة. إذ وصل تضخم أسعار المواد الغذائية إلى نحو 130%، وتشير تقديرات إلى أن أكثر من 70% من السكان يواجهون صعوبات اقتصادية، فيما لا يستطيع نحو 90% تأمين كامل السلة الغذائية الموصى بها.

كما أن نحو 10% من السكان لا يستطيعون حتى توفير الحد الأدنى من السعرات الحرارية اللازمة للحياة، ما يعني أنهم يعيشون في حالة فقر شديد.

ومع ذلك، لا يزال الوضع بعيداً عن أزمة شاملة في الوصول إلى الغذاء، وهي حالة يمكن الحديث عنها عندما يُحرم أكثر من 30% من السكان من الحصول على الغذاء.

ولا تزال الحكومة تمتلك الموارد اللازمة للحفاظ على برامج المساعدات الغذائية العامة، كما يمكنها، عند الضرورة، العودة إلى نظام التقنين الذي اعتمدته خلال الحرب العراقية الإيرانية.

بالتالي، فإن الأزمة المعيشية شديدة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة فقدان القدرة الفعلية على الوصول إلى الغذاء على نطاق واسع.

موارد تمنح الاقتصاد مزيداً من الوقت

أحد أسباب قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود هو التنوع الجغرافي والاقتصادي للبلاد، إذ لا تزال إيران تمتلك موارد يمكن أن تخفف ولو مؤقتاً من آثار الضغوط الخارجية.

وقد ساهمت عائدات تقدر بنحو 6 مليارات دولار من النفط الذي صُدّر خلال الفترة القصيرة لتنفيذ التفاهم مع الولايات المتحدة في إبقاء الإيرادات النفطية الإيرانية أعلى من مستويات عام 2020.

إلى جانب ذلك، تُقدّر احتياطيات إيران من الذهب بنحو 45 مليار دولار، وهي كمية يمكن أن تغطي احتياجات البلاد الأساسية من الغذاء والدواء لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.

كما يتيح التنوع الجغرافي لإيران الحفاظ على طرق وصول للسلع الأساسية والمواد الغذائية والأدوية، وإن كان ذلك بكلفة أعلى.

لكن هذه الموارد لا تعني أن الاقتصاد الإيراني محصن من الانهيار. فاستمرار الحرب والحصار يمكن أن يؤدي تدريجياً إلى استنزاف الاحتياطيات، وارتفاع كلفة الواردات، وزيادة الضغط على الميزانية والعملة الوطنية.

غير أن العامل الأهم هنا هو الوقت. فالموارد المتبقية، إلى جانب الخبرة المتراكمة خلال سنوات في إدارة السيولة وسوق الصرف والواردات والتوقعات الاقتصادية في ظروف العقوبات والحرب، تقلل من احتمال حدوث انهيار شامل خلال الأشهر القليلة المقبلة.

وقد تمكن الاقتصاد الإيراني، خلال السنوات الماضية، من امتصاص جانب كبير من الضغوط عبر نقل كلفتها إلى المجتمع، من خلال تراجع القوة الشرائية وانخفاض مستوى المعيشة.

وهذا يفسر كيف يمكن لاقتصاد ما أن يصبح أكثر فقراً بصورة كبيرة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة توقفه عن العمل.

لماذا لا تؤدي الأزمة الاقتصادية بالضرورة إلى تغيير سياسي؟

حتى إذا وصلت الضغوط الاقتصادية في نهاية المطاف إلى مرحلة يتوسع فيها استخدام العملات الأجنبية في المعاملات وتفقد الدولة جزءاً كبيراً من قدرتها المالية، تبقى هناك فجوة أساسية في استراتيجية الضغط الاقتصادي، وهي كيفية تحويل الانهيار الاقتصادي إلى تغيير سياسي.

وتشير تجربة الاحتجاجات خلال السنوات الماضية وفي يناير من هذا العام 2026 إلى أن الحكومة لا تزال تمتلك القدرة على احتواء جانب كبير من السخط العام.

كما أثرت الحرب في سلوك المجتمع، إذ تحولت بعض أشكال السخط الاقتصادي إلى مخاوف أمنية وشعور بالخوف وعدم اليقين، فضلاً عن التردد بشأن نتائج الاحتجاج.

وقد يدفع الشعور بأن البلاد تتعرض لهجوم خارجي بعض الإيرانيين، حتى أولئك غير الراضين عن الأوضاع الداخلية، إلى إظهار قدر أكبر من التحمل أمام الصعوبات الاقتصادية.

كذلك، ارتفعت كلفة الاحتجاج في ظروف الحرب. فالهجمات على البنية التحتية المدنية والمدارس والجامعات والجسور، إلى جانب الخطاب المتشدد الذي تبناه ترامب تجاه إيران، عززت الشكوك بشأن عواقب أي تحرك احتجاجي.

وعليه، فإن تصاعد السخط الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى تعبئة شعبية واسعة ومستدامة.

ضغط أكبر ونتيجة سياسية غير مضمونة

لا يمكن للاقتصاد الإيراني تحمل الضغوط إلى ما لا نهاية. فاستمرار الظروف الحالية قد يؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة السخط الشعبي، وربما يهيئ الأرضية لاحتجاجات واسعة.

لكن حدوث ذلك قد لا يتم بالسرعة التي تتوقعها واشنطن، وقد لا يتحقق حتى خلال فترة رئاسة ترامب الحالية.

والأهم أن الانهيار الاقتصادي، حتى لو حدث، لا يضمن استسلاماً سياسياً من جانب طهران.

فقد تكون النتيجة إيراناً أكثر فقراً وتضرراً، لكنها في الوقت نفسه أكثر ميلاً إلى التصعيد، مع احتفاظها بالقدرة والدافع لإحداث اضطرابات في حركة الملاحة وأسواق الطاقة، وفرض تكاليف عسكرية واقتصادية وسياسية إضافية على الولايات المتحدة.

إذا، لا تكمن المشكلة الرئيسية في استراتيجية الضغط الاقتصادي الأمريكية في قدرتها على إلحاق الضرر فحسب، بل في الفجوة بين إحداث الألم الاقتصادي وتحقيق النتيجة السياسية.

فالضغط قادر على زيادة فقر الإيرانيين، وقد يدفع الاقتصاد، على المدى الطويل، إلى حافة الانهيار، لكنه لا يضمن وحده تغيير سلوك طهران السياسي.

وإذا كان هدف واشنطن هو تغيير حسابات إيران ودفعها نحو تسوية، فإن الضغط الاقتصادي يحتاج إلى أن يقترن بمسار للخروج وحوافز اقتصادية ملموسة. وقد يؤدي اتفاق يقدم مكاسب اقتصادية قابلة للتصديق مقابل خفض التوتر إلى تغيير حسابات كلفة وفائدة الاستمرار في المقاومة داخل إيران.

أما الاستراتيجية القائمة فقط على زيادة الضغط، فقد تنتهي إلى جعل المجتمع الإيراني أكثر فقراً والاقتصاد أكثر هشاشة، من دون أن تقود بالضرورة إلى النتيجة السياسية التي تنتظرها الولايات المتحدة.

اقرأ ايضا

الصحافة الإيرانية: هل تنجح عملية “الغضب الاقتصادي” بدون استراتيجية ودبلوماسية؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة − اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى