الصحافة الإيرانية: ما السبيل للخروج من المأزق الراهن؟
يرى البعض أن ترامب بعد فشله في تحقيق النتائج المرجوة من الحرب يتبنى الآن نموذج ريغان في تعامله مع الاتحاد السوفياتي، ويأمل في تحقيق أهدافه من خلال الحصار البحري وفرض مزيد من العقوبات.
ميدل ايست نيوز: أظهر الهجوم غير القانوني والمخالف للقانون الدولي من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل بحق إيران في ثلاث فترات خلال الأشهر الـ15 الماضية أن الردع بعيد المدى والصاروخي والنووي الذي عملت إيران على بنائه على مدى عقود لمنع العدوان، لم يتمكن من الحيلولة دون اندلاع الحرب. لكن مع اندلاع الحرب، أثبتت جغرافيا إيران الفريدة، كما فعلت على مدى آلاف السنين، فعاليتها مرة أخرى، إذ أتاحت، إلى جانب القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، إمكانية المقاومة وإفشال أهداف المعتدين. ويبقى السؤال الكبير الآن: ما السياسة التي يتبعها طرفا هذا النزاع، وما السبيل للخروج من المأزق الراهن؟
يقول كوروش أحمدي، الدبلوماسي الإيراني السابق، في مقال لصحيفة شرق، إن بعضهم يرى أن ترامب، بعد فشله في تحقيق النتائج المرجوة من الحرب، يتبنى الآن نموذج ريغان في تعامله مع الاتحاد السوفياتي، ويأمل في تحقيق أهدافه من خلال الحصار البحري وفرض مزيد من العقوبات. كما يعتقد ترامب أن الترويج لفكرة أن إيران دولة متشددة وغير قابلة للتفاوض يمكن أن يساعده على التقريب بين جناحين داخل الولايات المتحدة وإدارته، هما جناح فانس وجناح روبيو، والتخفيف من ضغوط معارضي الحرب في الداخل. ولهذا الغرض، يعوّل ترامب على استمرار الحصار الاقتصادي و«عملية الإقصاء الاقتصادي لإيران».
وخلال الأيام الماضية، تحدث بعض المسؤولين الرسميين داخل إيران أيضاً عن تزايد صعوبة الظروف. وفي إطار عملية الإقصاء الاقتصادي، تسعى الولايات المتحدة إلى تجاوز استهداف المؤسسات والأفراد الإيرانيين بالعقوبات، لتطال الدول والشبكات والأنظمة المالية الأجنبية التي تتعامل مع إيران. وفي هذا السياق، تصاعدت مؤخراً الضغوط لقطع سبل وصول إيران إلى الدولار النقدي. كما كثفت الولايات المتحدة جهودها لزيادة القيود المرتبطة بالعقوبات، وتطبيقها بصورة أكثر هجومية، والعمل على جعل العقوبات أكثر فاعلية.
وبما أن استمرار الحصار الاقتصادي بالتزامن مع استمرار إغلاق مضيق هرمز لن يكون فعالاً، فقد بذلت الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة جهوداً لنقل النفط عبر مسارات بديلة للمضيق. وتوجد أدلة على أن واشنطن حاولت خلال الأشهر الماضية إعادة تفعيل ممر قديم يُعرف باسم «مضيق فك الأسد» في المياه الداخلية لعُمان، يقع بين جزيرة مسندم وشبه جزيرة مسندم، وكان يُستخدم حتى عام 1979 لمرور كامل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وإذا صح الادعاء بعبور نحو 15 مليون برميل من النفط عبر «المسار المظلم» في المضيق، إضافة إلى النفط المنقول عبر خطي الأنابيب السعودي والإماراتي، فإن ذلك يمثل تطوراً مهماً. كما أن بقاء أسعار النفط عند مستوى يقارب 90 دولاراً، وهو مستوى مقبول بالنسبة إلى ترامب، رغم وضع مضيقي هرمز وباب المندب والمخاطر الجيوسياسية، يمثل مؤشراً مهماً. ولا يمكن أيضاً استبعاد احتمال استمرار مواجهات عسكرية محدودة وموضعية، مثل الهجوم الذي استهدف جزيرة لارك مساء الأحد.
تتمثل الورقة التي تمتلكها إيران لإرباك حسابات الولايات المتحدة في الوضع غير المستقر والمتوتر المرتبط بمضيق هرمز والإبقاء عليه مفتوحاً، وهو وضع يمكن أن يستمر لأشهر ويعرقل خطط ترامب على الصعيد الداخلي، بما في ذلك انتخابات نوفمبر. كما ينبغي أن يتمثل القلق الأميركي الآن في احتمال قيام إيران بخطوة هجومية لكسر الحصار الاقتصادي، وهو ما يُعد في حد ذاته بمثابة إعلان حرب.
وهذا يعني استمرار المأزق وحالة عدم اليقين وحرب الإرادات، إلى جانب استمرار عدم الاستقرار في المضيق وسوق النفط، وإجبار ترامب على إبقاء قوة عسكرية كبيرة في المنطقة، وهو ما يفرض عليه كلفة سياسية واقتصادية. وستواجه إيران بالتأكيد تداعيات العقوبات والحصار البحري، لكن تجربة دول مثل كوريا الشمالية، رغم الفوارق الكبيرة بينها وبين إيران، أظهرت أن الصمود في ظل العقوبات ممكن، وإن كان بتكاليف باهظة. إلا أن تحمل حالة عدم الاستقرار سيكون أكثر صعوبة بالنسبة إلى ترامب، بالنظر إلى اختلاف المناخ السياسي في الولايات المتحدة.
وفي حين لم يكن هناك منذ البداية أي شك في فوائد مذكرة التفاهم بالنسبة إلى إيران، فإن التفسير الأقصى للمادتين الأولى والخامسة منها أدى إلى انهيارها، فإنه لا ينبغي الآن أن يكون هناك شك في أن العودة إلى ذلك التفاهم تصب في مصلحة إيران. وهناك أيضاً تيار داخل السلطة يطالب صراحة بالعودة إليه.
وفي ظل هذه الظروف، وبالنظر إلى التطورات التي حدثت بعد 16 يوليو، يبرز السؤال المهم الآن حول ما إذا كان ترامب، في ضوء الصعوبات التي تواجه سياسته الجديدة، مستعداً أيضاً للعودة إلى مذكرة التفاهم نفسها أم لا. ويرى البعض، استناداً إلى بعض المؤشرات، من بينها قول ترامب، رغم استعجاله المعروف، «لست في عجلة من أمري» و«لست مستعداً للتفاوض معهم»، فضلاً عن ادعائه أن مذكرة التفاهم لم تعد قائمة، أنه ربما يعتقد أن الظروف الجديدة تتيح له إلغاء مذكرة التفاهم التي تعرضت لانتقادات واسعة في الولايات المتحدة.
ويتمثل الخطر الآخر في أن هناك من يروّج في الولايات المتحدة لفكرة أن إبرام صفقة مع إيران غير ممكن، فيما يتحدث البعض في إيران أيضاً عن استحالة التوصل إلى صفقة مع الولايات المتحدة. وإذا ترسخت هذه المقولة، فلن يبقى أي خيار سوى استمرار المأزق والحصار الاقتصادي، وربما استئناف الحرب بعد الانتخابات الأميركية.



