الطبقة الوسطى على وشك الانهيار.. كم صدمة أخرى تستطيع الأسرة الإيرانية تحملها؟

في فترة تشديد العقوبات والحصار الاقتصادي، تحتاج القرارات الاقتصادية المهمة إلى «تقييم أثرها على الأسرة الإيرانية». ينبغي للحكومة، قبل تنفيذ أي قرار، أن تحسب تأثيره على القوة الشرائية للشرائح المتوسطة وقدرة الأعمال الصغيرة على مواصلة نشاطها.

ميدل ايست نيوز: تتضح أهمية الاهتمام بوضع الطبقة الوسطى من الدور الأساسي الذي تؤديه في أي اقتصاد؛ فهي تضم شريحة واسعة من أصحاب الكفاءات والموظفين وأصحاب الأعمال الصغيرة، كما تمثل ركناً رئيسياً للطلب الاستهلاكي والادخار والإيرادات الضريبية. لذلك، بالنسبة لإيران فإن تراجع القدرة المالية لهذه الطبقة لا يقتصر أثره على مستوى معيشة الأسر، بل يمتد إلى الأسواق والإنتاج والنشاط الاقتصادي عموماً، ويضعف قدرة الاقتصاد على الصمود أمام الضغوط والأزمات طويلة الأمد.

يقول موقع عصرإيران، إن تشديد العقوبات، والقيود على المعاملات، والضغوط على موارد النقد الأجنبي، ادخل الاقتصاد الإيراني مرحلة أكثر صعوبة. إذ ينتقل ارتفاع تكاليف التجارة والإنتاج تدريجياً إلى الأسعار والتوظيف ودخل المواطنين. وهنا، ينبغي أن يكون هناك سؤال مطروح يومياً على طاولة صانع السياسة الاقتصادية: كم صدمة أخرى تستطيع الأسرة الإيرانية تحملها؟

ينبغي النظر إلى أهمية هذا السؤال من خلال وضع الطبقة الوسطى. فقد تحمل ملايين الموظفين والمعلمين والمتقاعدين والممرضين والعاملين وأصحاب الأعمال الصغيرة، لسنوات، التضخم المزمن، وقفزات أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف السكن. وتراجع الدخل الحقيقي لكثير منهم، فيما استُهلك جزء من مدخراتهم لتدبير شؤون الحياة اليومية. وتصل الضغوط الجديدة الآن إلى أسر أصبحت قدرتها على الحماية المالية أضعف خلال السنوات الماضية.

وتظهر علامات هذا الاستنزاف عادةً بشكل تدريجي في حياة الأسرة الإيرانية. في البداية تُستهلك المدخرات. ثم تتراجع الرحلات والترفيه. وتتأجل المشتريات المهمة. وتتقلص سلة المواد الغذائية. ويتأجل العلاج. وبعد ذلك تلجأ الأسرة إلى الذهب والسيارة وغيرها من الأصول القابلة للبيع لتأمين النفقات الجارية. ومع كل مرحلة، تتراجع قدرتها على مواجهة الصدمة التالية. ومن هنا يبدأ الانهيار الاقتصادي للأسرة، قبل وقت طويل من ظهور اسمها في إحصاءات الفقر.

وتشكل هذه الفجوة الزمنية نقطة مهمة في صنع السياسات. فقد ركزت سياسات الدعم في البلاد لسنوات على الشرائح الدنيا، ولا يزال استمرار هذه المساعدات ضرورياً. لكن ينبغي الآن أن تؤخذ في الحسابات الاقتصادية أيضاً الأسر القريبة من دائرة الهشاشة. فالتدخل المتأخر يضع أمام منظومة الدعم أسرة استهلكت مدخراتها، وباعت أصولها، وتراجعت قدرتها الاقتصادية بشدة.

ولرصد هذه الأسر في وقت مبكر، تتوافر لدى الحكومة معلومات كثيرة. فالتنقل بين شرائح الدخل، وتغير الدخل الحقيقي لأصحاب الرواتب، ونسبة تكاليف السكن من نفقات الأسرة، وتكاليف العلاج، ووضع الأعمال الصغيرة، تقدم صورة عن الضغوط الواقعة على الطبقة الوسطى. ويمكن للرصد المنتظم لهذه البيانات أن ينبه صانع السياسة قبل وصول الأسرة إلى مرحلة الأزمة. وينبغي أن تدخل هذه المعرفة في عملية صنع القرار.

وتؤثر أسعار الطاقة، وتعرفة الخدمات العامة، والسياسة النقدية، والضرائب، والأجور، وتكاليف التمويل، بصورة مباشرة في ميزانية الأسرة الإيرانية. وفي فترة تشديد العقوبات والحصار الاقتصادي، تحتاج القرارات الاقتصادية المهمة إلى «تقييم أثرها على الأسرة». ينبغي للحكومة، قبل تنفيذ أي قرار، أن تحسب تأثيره على القوة الشرائية للشرائح المتوسطة وقدرة الأعمال الصغيرة على مواصلة نشاطها.

ويمكن أن تؤدي نتيجة هذا التقييم إلى اختيار أدوات أكثر دقة. ومن بين الأدوات المتاحة الحفاظ على القوة الشرائية لأصحاب الرواتب في الموازنة، وتعزيز تأمين البطالة، وتغطية تكاليف العلاج الباهظة، وإتاحة فترات تنفس في سداد ديون الأسر المتضررة، وإدارة صدمات الأسعار، والحفاظ على تدفق الائتمان إلى الأعمال الصغيرة.

ويتمثل الهدف المشترك لهذه الإجراءات في الحفاظ على قدرة الأسرة على إدارة حياتها بشكل مستقل. وينبغي للبرلمان أيضاً أن يدرج المنطق نفسه في رقابته الاقتصادية. ويمكن أن تشكل التقارير الدورية للحكومة بشأن القوة الشرائية للشرائح المتوسطة، ونسبة السكن من نفقات الأسرة، والدخل الحقيقي لأصحاب الرواتب، والتنقل بين شرائح الدخل، أساساً لاتخاذ القرارات المتعلقة بالموازنة والضرائب والأجور وسياسات الدعم. كما ينبغي إجراء تقييم لتأثير القرارات الاقتصادية على الأسر قبل أن تتسبب في موجة جديدة من الضغوط.

وتكمن أهمية هذه الرقابة في مكانة الطبقة الوسطى في الاقتصاد. فالقوى العاملة المتخصصة، والطلب الاستهلاكي، والمدخرات، والضرائب، وجزء كبير من الأعمال الصغيرة، تعتمد على استقرار هذه الطبقة. وينتقل تراجع قدرتها المالية إلى السوق والإنتاج، ما يخفض قدرة الاقتصاد على تحمل الضغوط طويلة الأمد.

ولهذا السبب، ينبغي أن تدخل حماية الطبقة الوسطى في الحسابات الأساسية لإدارة الاقتصاد خلال هذه المرحلة. وعلى صانع السياسة أن يتدخل قبل نفاد المدخرات، وبيع الأصول، ووصول الأسرة إلى حافة الفقر. فالقدرة على الصمود الاقتصادي تبدأ من قدرة الناس على الاستمرار في تحمل الضغوط؛ ويجب رؤية الطبقة الوسطى قبل سقوطها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى