«سنكك».. خبز الأعيان الإيراني في طريقه إلى قائمة التراث العالمي

يتطلب إعداد خبز سنكك جيد استخدام دقيق مناسب، وعجينة مخمّرة، وفرناً ذا بنية خاصة، وسريراً من الحصى، والأهم من ذلك «الخليفة» و«الشاطر» اللذين يعرفان سلوك العجين وتوزيع الحرارة.

ميدل ايست نيوز: قبل نحو قرنين تقريباً، وصف طبيب ناصر الدين شاه خبزاً كان يُحضّر من عجينة طرية ومخمّرة، تُفرد على شكل رقاقة مسطحة وتُخبز فوق الحصى الساخن. وكان يُرش على الخبز، بحسب رغبة الزبون، بذور الخشخاش أو السمسم أو حبة البركة.

ووصف النمساوي إدوارد بولّاك، الذي قدم إلى إيران بدعوة من أمير كبير للتدريس في دار الفنون، هذا الخبز بأنه «خبز الأعيان»؛ وهو خبز مديني لا يزال، بعد مرور قرنين، أغلى من أنواع الخبز الشائعة الأخرى. ولا يعود هذا الفارق في السعر إلى حجمه الأكبر فحسب.

ويتطلب إعداد خبز سنكك جيد استخدام دقيق مناسب، وعجينة مخمّرة، وفرناً ذا بنية خاصة، وسريراً من الحصى، والأهم من ذلك «الخليفة» و«الشاطر» اللذين يعرفان سلوك العجين وتوزيع الحرارة.

وقد أُدرج هذا الخبز حالياً على قائمة التراث غير المادي الإيراني. وقال المدير العام لتسجيل الآثار الوطنية والعالمية في وزارة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية أيضاً إن العمل على تسجيل سنكك عالمياً ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو سيُتابع بعد استكمال الوثائق والدراسات.

لكن ما الذي يُراد الحفاظ عليه عند تسجيل خبز ما؟ هل هو اسمه وشكله الممدود، أم مجموعة المهارات والأدوات والأذواق والعادات الاجتماعية التي تشكلت حوله على مدى عدة قرون؟

خبز انسجم مع المائدة

لم يكن سنكك بالنسبة إلى سكان طهران قديماً مجرد نوع من الخبز. فكما كانوا يعتبرون مياه طهران مصدر فخر، كانت جودة خبز المدينة أيضاً جزءاً من هذا الشعور بالفخر.

وكانت ميزة سنكك تكمن في شكله وقوامه. فهو مسطح، لكنه ليس رقيقاً مثل خبز “لواش”؛ طري وله قدر من السماكة. بالإمكان أيضاً فتّه في طبق «آبغوشت» الشهير وتناوله معه، أو تقطيعه إلى لقيمات، أو وضع الكباب بداخله.

الحجر والعجين ويد الشاطر

قد تخفي بساطة مكونات سنكك تعقيد عملية خبزه. إذ تُحضّر عجينته من دقيق القمح والماء والملح والخميرة الطبيعية، لكن جودة المنتج النهائي لا تعتمد على هذه المكونات الأربعة وحدها.

في المصادر المتعلقة بالمخابز القديمة، وُصف أفضل أنواع الدقيق المستخدم في سنكك بأنه «دقيق دهني لامع»؛ وهو دقيق كانت العجينة الناتجة عنه تتمتع بقدر كافٍ من التماسك، فلا تتقطع عند فردها. وكانت هذه الخاصية مهمة جداً بالنسبة إلى عجينة سنكك الطرية، إذ كان على الشاطر أن يسحبها على المجرفة، ثم يفردها على طبقة غير مستوية من الحصى.

ولم يكن التنور مجرد حجرة لإنتاج الحرارة. فقد كان ميلان أرضيته، وبنية سقفه، وموقع النار، وسماكة الجدار الحجري، تؤثر في طريقة تخزين الحرارة وتوزيعها، وكان بناء التنور من مسؤولية حرفيين يعرفون هذه النسب من خلال الخبرة.

ولم تكن درجة الحرارة متساوية في جميع أجزاء التنور داخل المخبز. وكان الشاطر يعرف أي جزء أكثر سخونة وأي جزء يتمتع بدرجة حرارة أكثر اعتدالاً. وكان أحد المواضع المفضلة للخبز يُعرف باسم «جانب التنور»، وكانوا أحياناً يخبزون الخبز المطلوب حسب الطلب في ذلك الجزء تحديداً.

وكانت أحجار أرضية التنور أيضاً جزءاً من هذه المعرفة القائمة على الخبرة. ففي الماضي، كان الحصى المناسب يُجلب غالباً من مجاري الأنهار ثم يُغربل، أما اليوم فقد حلت الأحجار المصنعة في كثير من المخابز محل ذلك الحصى. ولا يعني هذا التغيير بالضرورة تراجع جودة المنتج، لكنه أخرج جزءاً من مهارات ومعارف اختيار الحجارة وقياس أحجامها والحفاظ عليها من دورة العمل.

ولهذا السبب، لا يمكن اختزال مهنة الشاطر في مجموعة من التعليمات المكتوبة. فمعرفة نضج العجين، ودرجة تماسكه، وسرعة فرده، واختيار المكان المناسب داخل التنور، وتحديد الوقت المناسب لإخراج الخبز، كلها مهارات تُكتسب من خلال الملاحظة والتكرار.

وقد ارتبطت حركات الشاطر بثقافة خبز سنكك إلى درجة أن شكلها الاستعراضي بقي في «رقصة الشاطر»، وهي حركات إيقاعية تحاكي مراحل العمل، بدءاً من أخذ قطعة العجين وفردها وصولاً إلى إخراج الخبز.

سنكك والأساطير المحلية

أدت شعبية سنكك إلى ظهور روايات عديدة حوله. تتمثل أشهر هذه الروايات في نسبة اختراع تنور سنكك إلى الشيخ البهائي في عهد الشاه عباس الصفوي. ووفقاً لهذه القصة، طلب الشاه من الشيخ البهائي ابتكار خبز مغذٍّ يُخبز فوق الحصى الساخن.

وتعيد أساطير أقدم حتى أصل سنكك إلى العصر الساساني، وتتحدث عن ملك مريض وصف له طبيبه خبزاً يُخبز فوق الحصى.

ولم يكن سنكك مجرد طعام، بل تحول في طهران أيضاً إلى خبز ذي طابع طقوسي، حتى أصبح عنصراً ثابتاً على موائد عقد القران، وكان من المعتاد حتى أن يطلبوا من الشاطر خبز رغيف بطول قامة العريس.

اقرأ ايضا

الخبز الإيراني يتصدر قائمة المطاعم في العالم.. كيف اكتسب شهرته؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 + 9 =

زر الذهاب إلى الأعلى